بهاء المري - حين تاه الحبُ في سُوق الذكاء المُصطنع

أمَا تَساءلتَ يومًا، أيها العاشقُ بصمتٍ عميق، كيف يُولد الحب فينا، ثم يُدفن بأيدينا؟ كأننا نغرسُ ‏وردةً في قلب صخر، ثم نلومها حين لا تتفتح.‏

أما شعرتَ - حين يمرُ قلبان ببعضهما - أن هناك شيئًا يُشبه المعجزة... لا يُرى، لا يُلمس، لكنه يُحدِث ‏رجفةً صامتةً في عمق الروح؟
يا أنتَ... يا من تمشي في دهاليز الوجع كأنها وطن، ألم تتعب من خَوض الحروب باسم الحب؟ أتراكَ ‏ظننتَ أنَّ المحبة تُقاس بالهيمَنة؟ أنَّ القربَ يَثبُتُ بالشك والجدال؟
الحبُ، يا ابن النور، ليس ساحةً يتباهى فيها الذكاء، ولا مَيدانًا يُقاس فيه الفَوز بمَن غلب الآخر ‏مكيدة.‏
الحبُ حين يأتي... يَهُبُّ كنسمةٍ لا تَستأذن، كأغنيةٍ لا تُلحنها العقولُ بل القلوب، يغسل وجع الأيام ‏كما يَغسل المطرُ تعب الأرصفة، ويُنبت فينا شجرة طمأنينة لا تهزها العواصف.‏
لكنّكَ - يا نكهة التَعب - حوّلته إلى صفقة، وضيَّعت معناه في متاهة الذات المنتفخة. أردته حكاية ‏انتصار، ونسيتَ أن الحب لا يعيش في أرض الغلبة، ولا يُزهر في ظلال الكبرياء.‏
ما كان الحبُ عبئًا، إلا حين غلَّفته الأيدي بالخَوف، وما كان نارًا، إلا حين أوقدته القلوب بغَيرةٍ ‏تحرق، وما صار قيدًا، إلا حين خلطناه برغبة الامتلاك والهيمنة.‏
أما علمتَ؟ أنَّ الأرواح لا تُشترى، ولا تُخزَّن، ولا تُعلَّب، هي طيورٌ من نور، لا تعترف بقانون ‏السوق.‏
استفق، يا ظلًّا من مرآة الخلق الأولى... اركض نحو الماء... لا لتُطفئ نار الحب، بل لتطهِِّر القلب ‏من شوائب الظن.‏
ارفع عن الحبِ سَيف الجدل، وانزع عن صوتِكَ درع التحدي، ودَعهُ - فقط - يكون. فالحبُ، إن لم ‏يُعاش كرحمةٍ، ومات كفخر، لن يُبعث من جديد. هو طفلُ الندَى، إن جرحناه بالكلام، يبكي حتى يجف... ثم ‏يختفي.‏
فاستفق قبل أن ينتهي الحلم، وقبل أن تموت النسمة في زحام الضجيج... وتبقى أنتَ، بلا طمأنينة، ‏ولا ظلّ حب.‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) انخطافات وجدانية على تُخوم المعنى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى