حسين عبروس - خرايسية... والذكرى المنسية... 20جويلية1954

***
لقاء 20 جويلية 1954: حين دوّى صمت الثورة من رحم النّسيان
بين ظلال أشجار كروم والزيتون، وعلى تراب خرايسية الهادئ، كتب التاريخ واحدة من أهم صفحاته قبيل اندلاع الثورة التحريرية الكبرى. في العشرين من جويلية عام 1954، انعقد اللّقاء السّريّ الحاسم الذي جمع نخبة من قادة "مجموعة 22"، بمزرعة البشير الحجيم الواقعة في المفترق الفاصل بين منطقتي خرايسية وبابا حسن، على بُعد نحو 20 كيلومترًا فقط من قلب العاصمة الجزائرية.
الحدث: ما قبل أول نوفمبر1954
ذلك اللّقاء لم يكن عادياً، بل كان بمثابة غرفة عمليات مصغرة للتحضير لما سيصبح بعد أشهر قليلة أعظم ملحمة تحررية في التاريخ المعاصر. اللقاء، الذي استمر زهاء 36 ساعة كاملة، خُصص لتدريب القادة والمجاهدين على صناعة المتفجرات واستعمالها، وتنسيق الرّؤية المشتركة لانطلاق العمل المسلّح ضدّ الاحتلال الفرنسي الغاشم.
وقد كان من بين الحاضرين أسماء لامعة سيُخلّدها التاريخ، من بينهم الشهيد مصطفى بن بولعيد، وكريم بلقاسم، وغيرهم من رجالات الثورة الذين أداروا النقاشات بتخطيط محكم ووعي سياسي عميق.
النسيان... حين تصمت الذاكرة
- رغم أهمية الحدث، ظلّت خرايسية خارج خريطة الذاكرة الوطنية لفترة طويلة، كما طُمس جزءٌ من معالمها الثورية، خاصة بعد هدم البيت التاريخي الذي احتضن اللّقاء. هذه الذاكرة المنسية دفعت بالكثير من الفاعلين الوطنيين إلى التحرك، وفي مقدّمتهم السيد محمد محمدي، أمين منظمة أبناء المجاهدين، والسيد المربي كبير والكاتب أحمد جعدي الذي سعى لإحياء الذكرى وردّ الاعتبار للمنطقة وساكنتها، في مبادرة وجَّهت الأنظار مجددًا نحو تلك البقعة المباركة.
الندوة: حين تنطق الأرض
احتضنت خرايسية فعالية وطنية استثنائية لتخليد هذا الحدث، نظّمتها منظمة أبناء المجاهدين، بالتعاون مع منظمة المجاهدين لدرارية والجزائر العاصمة وبئر الخادم، وجمعت عدداً من المجاهدين والمواطنين والمهتمين بالذاكرة الوطنية.
ساهم في تأطير هذه الندوة كلّ من الكاتبين والأديبين حسين عبروس ورابح خدوسي، اللذين قدّما مداخلات مؤثرة حول البعد التاريخي والثقافي للثورة، كما أضاءا المساحات المنسية في المشهد الوطني. وقد شهد اللقاء نقاشات ثرية تناولت الغبن الرمزي الذي طال هذه المحطة التاريخية، مؤكدين ضرورة حفظ الذاكرة وصونها من النسيان والتشويه.
خرايسية... أكثر من مجرد جغرافيا
إن خرايسية لم تكن مجرد محطة لوجستية على درب التحرير، بل كانت شاهدًا على عبقرية التنظيم الثوري وسرّية العمل التحضيري، وعلى بساطة الناس الذين قدّموا بيوتهم مأوى للثوار، وقلوبهم نارًا لا تنطفئ للحرية.
إن إعادة الاعتبار لخرايسية اليوم لا يندرج فقط في سياق الوفاء للتاريخ، بل هو عمل وطني يُعيد رسم خريطة الذاكرة الجماعية، ويُربّي الأجيال الجديدة على معنى التضحية، والصبر، والعمل الصامت من أجل المستقبل.
الخاتمة: من واجبنا أن نتذكّر
في زمن التّحديات المعاصرة، تبقى الذكرى محطة ضوء في دربنا الطويل. إن تجاهل الأحداث المؤسسة للهوية الوطنية يفرّغ المستقبل من معناه. ومن هنا، فإن صوت خرايسية لا يجب أن يبقى هامسًا في الهامش، بل صرخة في وجه النسيان، ونداءً لإعادة كتابة التاريخ كما يجب... على جدران القلب، لا فقط على صفحات الكتب.
Peut être une image de 13 personnes et texte

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى