مصطفى معروفي ــ جمجمة الشنفرى

لا يذكر أحد منا الشعراء الصعاليك إلا وتبادر لذهنه اسمان منهم هما أشهر من نار على علم وهما عروة بن الورد و الشنفرى،والحديث عن الشنفرى حديث ذو شجون كما يقولون ،فهو شاعر وقع عليه من الظلم من قبيلته ما كان يكون به إلا ما صار عليه فيما بعد.إنسان ثائر حتى لا يصاب بالجنون .
فالرجل استعبد مدة ،وهو استعباد سلب منه فترة من عمره لا تعوض بثمن،وساقه إلى الحرمان حتى من التمتع بتلك العاطفة النبيلة التي هي الحب ،والتي هي من لوازم الوجود ومن أعظم الدلالة عليه.
فلقد حاول في إحدى المرات أن يقوم بتقبيل فتاة فرفضت وقامت بصفعه فقال فيها:
إذا ما أروم الود بيني وبينها
يؤم بياض الوجه مني يمينها
ولأنه يتوفر على نفس أبية لا تقبل بالضيم أن يقع عليها ،فقد قرر في تصميم نافذ أن ينتقم ممن قاموا باستعباده سواء كان الذي استعبده من قبيلته أو من قبيلة أخرى ،فأقسم على أن يقتل من هؤلاء تسعة وتسعين فردا ،فتحصل على السهام وراشها بعناية وأناقة معا،وانطلق يرمي بها الأعداء في أي مكان كانوا ،وفي مواقع جسدية بعينها منهم ،يفعل ذلك بدون إحساس منه بتأنيب ضمير أو تأسف،لأن ذلك كان تعبيرا عن جرح سببته له العبودية التي تعرض لها ظلما وعدوانا.
والغريب أنه كان يشعر بلذة وارتياح طاغيين وهو يقتل الأعداء وينكل بهم صرخة منه واحتجاجا على استعباده بدون موجب حق ،ومن منطلق الثأر لا من منطلق مرض نفسي.وفي الأخير يتم القبض عليه وتقطع يده،ويوصي بأن لا يدفن وان تقدم جثته للسباع لتأكلها.
ما حدث هو أن جثته بقيت منها الجمجمة بعد انتهاء السباع من أكلها،وصادف أن مر بها أحد أعدائه فتعثرت بها قدمه ،فمات من جراء ذلك،وهكذا يكون الشنفرى قد ثأر من اعدائه الذين ساموه سوء العبودية وأذاقوه من ألمها المبرح ،ثأر منهم حيا وميتا.
وأختم بهذه الأبيات الرائعة للشاعر التي حفظناها ونحن في المدرسة وهي من قصيدة مشهورة له تسمى ب:"لامية العرب":
أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم
فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ!
فقد حمت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ
وشُدت، لِطياتٍ، مطايا وأرحُلُ؛
وفي الأرض مَنْأىً، للكريم، عن الأذى
وفيها، لمن خاف القِلى، مُتعزَّلُ
لَعَمْرُكَ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ
سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ
ولي، دونكم، أهلونَ: سِيْدٌ عَمَلَّسٌ
وأرقطُ زُهلول وَعَرفاءُ جيألُ
هم الأهلُ. لا مستودعُ السرِّ ذائعٌ
لديهم، ولا الجاني بما جَرَّ، يُخْذَلُ​
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى