ناعم زينب جيهان - فن تشكيل الوعي النفسي عند الناشئ: حين تبدأ التربية من الداخل

الوعي النفسي ليس فطرة يولد بها الإنسان، بل بنية متدرجة تُبنى بالتجربة، التفاعل، والتربية الوجدانية العميقة. ولعل من أعقد المهام التي تواجه الكبار في علاقتهم بالأطفال، هي تلك المتعلقة بتشكيل هذا الوعي دون أن يُسحق، ومرافقته دون أن يُسجن في قوالب السيطرة أو الحماية الزائدة.
الطفل لا يدرك مشاعره من تلقاء نفسه، ولا يملك لغة داخلية تُترجم ما يشعر به. إنه يختبر العالم لأول مرة، بانفعالاته وألمه وفرحه وخوفه، ويحتاج إلى بالغ يرى ما لا يستطيع أن يسميه، ويمنحه ضوءًا لفهمه بدل أن يُغرقه بالتوجيهات. وحين يغيب هذا الضوء، ينمو داخله ارتباك، لا يُترجم سلوكًا مضطربًا فحسب، بل إحساسًا مُبهَمًا بالذنب أو الحيرة أو العجز.
من هنا، لا ينبغي أن تختزل التربية في محاولات تعديل السلوك، بل يجب أن تمتد إلى أبعد من ذلك: إلى مساعدة الطفل على تسمية ما يشعر به، على تنظيمه، على احترام حدوده وحدود الآخرين دون أن يتحول ذلك إلى قمع أو تهديد. إن الحزم ضروري، لكن الحنان أكثر ضرورة؛ والفرق الجوهري يكمن في نية البالغ: هل يسعى لتشكيل الطفل من الداخل؟ أم فقط لإسكاته من الخارج؟
التحدي التربوي الأكبر يكمن في التوازن: كيف نمارس الحنان دون أن ننزلق إلى الحماية المفرطة؟ وكيف نرسم الحدود دون أن نزرع الخوف؟ متى تكون العاطفة دافعة للنمو، ومتى تتحول إلى أداة تعطيل غير مرئية؟ وكيف نمنح الطفل حرية التعبير عن ذاته، دون أن نجعل منها بوابة للفوضى أو التمرد العشوائي؟
المسألة ليست في القواعد، بل في الروح التي تُزرع بها. الطفل لا يهاب الحدود إن شعر بالأمان خلفها، ولا يرفض التوجيه إن فُهِم ككائن مستقل لا ككُتلة يُعاد تشكيلها بالقوة. التربية الواعية تبدأ من إدراك أن بناء الإنسان لا يتم بالشعارات ولا بالمراقبة الدائمة، بل بالعلاقة: علاقة يكون فيها الكبير مرآة هادئة، مرشدة، صادقة، لا سلطة مهيمنة.
في عمق كل تربية ناجحة، هناك بالغ تأمّل في نفسه قبل أن يتأمل في الطفل. طرح الأسئلة على الذات هو الخطوة الأولى: ما الذي يحرك ردود أفعالي؟ هل أعاقب لأنه أخطأ، أم لأني فقدت السيطرة؟ هل أُصرّ على الصراخ لأني لم أتعلم لغة الحوار؟ هل أرفض دموعه لأن دموعي أنا كانت ممنوعة يومًا؟
التربية ليست كتيب إرشادات، بل فنّ حساس، حي، متغيّر، يستدعي الحضور الذهني والوجداني معًا. إنها مراسٌ دائم مع المشاعر، وخريطة تُرسم بالحبّ الواعي أكثر من الأوامر. إنها مسؤولية تشكيل وعي صغير، سيتحوّل لاحقًا إلى إنسان راشد، إمّا أن يحمل السلام، أو يحمل ندوب الخوف والتشويش.
فهل نملك الشجاعة لنرافق وعيه بلطف؟ أن نكون له لغةً، قبل أن نطلب منه أن يكون سلوكًا؟
أن نعلّمه كيف يحسّ، قبل أن نُطالبه كيف يتصرّف؟
لأن الطفل، ببساطة، لن يعي ما بداخله…
ما لم نُضيء له بلطف خارطة الشعور، ونمنحه لغة للفهم لا أدوات للخضوع.
هذه الرؤية التربوية تنسجم مع مشروع فكري تناولته في أحد أعمالي، حيث يشكّل الوعي النفسي عند الناشئ جوهر العلاقة بين العاطفة والحدود، والإنسانية والانضباط.


ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى