سؤال يبدو صعبا الإجابة علية بصراحة ، ووجه الصعوبة هنا ليس السؤال ذاته بل الصعوبة تنشأ من أفكار ومعتقدات من يقف معك في خندق واحد ، خندق الدفاع عن مصالح الشعب المصري التاريخية في النهوض والتقدم ، في مجتمع ونظام سيأسى يدافع ويحقق مصالح الغالبية ، مصالح لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع يدافع عن الحد الأدنى من من اقتسام عائد العمل في مجتمع ديمقراطي حقيقي يتجاوز أوهام الليبرالية الموهومة الى تمثيل حقيقي للطبقات الشعبية في ممارسة السلطة السياسية وفى الدفاع عن الاستقلال الوطني الذى لا يمكن له ان يتحقق الا بوقف نزع الفائض الاقتصادي لخارج البلاد ، سواء اكان بواسطة قطاعات من الرأسمالية المحلية أم من راس المال الأجنبي ام بالمشاركة بينهما .
ومنشأ الصعوبة هنا هو اعتقاد البعض أن الدفاع عن المصالح القومية هو أمر راجع، فقط، لقرارات السلطة السياسية، دون التوقف كثيرا وطويلا أمام موازين القوى الإقليمية والدولية وامام النتائج التاريخية لأي سلوك سيأسى لا يدرك الحقائق الدولية وموازين القوى المتحققة في منطقتنا، لذلك فإن حرية اختيار القرارات مقيدة بهذه الشروط المحيطة بها.
والان دعنا نتوقف قليلا امام معضلة سد النهضة، فمن المؤكد ان سد النهضة يشكل مصالح حيوية للشعب الأثيوبي، مهما كانت التوجهات السياسية للسلطة الاثيوبية الحاكمة ، مصالح تتشابه الى حد كبير مع مصالح الشعب المصري عندما خاض معركة بناء السد العالي ، لكن هذه المصالح في تحققها سيكون لها تأثيرا كبيرا مختلفا ، فالسد العالي ترتبت علية أضرارا اقتصادية واجتماعية للشعب السوداني ، لكن هذه الاضرار تم الحد من تأثيرها بالاتفاق المتبادل بين الدولتين وبزيادة حصيلة السودان من الفائض الذى تحقق من مياه النيل ، كما سبب اضرارا على مصر ، أضرارا اجتماعية واقتصادية على النوبة وعلى النحر والاطماء والساحل الشمالي وعلى الري وخصوبة الأراضي الزراعية ، أضرارا تم تقديرها والنجاح في أتخاذ إجراءات تقلل من أثارها ، أضرارا لا يمكن مقارنتها بالفوائد الكبيرة لأنشاء السد.
لكن سياسات الحكومة الاثيوبية تجاهلت مصالح الشعبين السوداني والمصري ، وماطلت وراوغت في المفاوضات التي استمرت اثنى عشرة من الاعوام بدون نتائج ، حتى الاتفاق الوحيد الذى تم التوصل الية ، اى اتفاق إعلان المبادئ ، بصرف النظر عن قيمته الضئيلة ، لم يتم احترامه ، بحيث أستمر بناء السد بعد أدخال العديد من التغييرات الفنية بتحويلة من سد ذو قدرات تخزينية ليست كبيرة الى سد كبير ذو سعة تخزينية كبيرة يمكنها أن تؤثر على إمدادات المياه لمصر والسودان في حالة الفيضان المنخفض ، إذا أستمر لسنوات متعاقبة ، مماثل للإيراد المنخفض لعده سنوات في ثمانينيات القرن الماضي الذى لم تنجو مصر من أثاره إلا لوجود السد العالي.
لقد تبنت الحكومة الاثيوبية منهجا ديماغوجيا في التفاوض وفى بناء السد، منهجا يثير المشاعر الشعبية ويجعل بناء السد وكأنه معركة للاستقلال الوطني في مواجهة نتائج أوضاع استعمارية قديمة فرضت ديمومة الاتفاقات التي تم التوصل اليها في زمن الاستعمار، بما فيها حدود الدول واتفاقات توزيع المياه، الامر الذى يجد اشكالا من التأييد من بعض الدول الافريقية، خصوصا دول حوض النيل، في الاتفاقية الاطارية الشهيرة بمبادرة حوض النيل والتي لم توافق عليها أو تؤيدها بعض دول الحوض ومنها مصر.
و يبدو الامر ، في الاقتراب الديماغوجي لبعض القوى السياسية المصرية، كما لوكان الامر غفلة وتغافل من الدولة المصرية ، متجاهلة حقيقة التغييرات التي طالت السياسات المصرية وتأثيرها على المحيط الأفريقي ، بالذات دول الحوض ، فالتأثير المصري الذى تعاظم في زمن الصعود الناصري ، لم يكن أبدا راجعا للقوة العسكرية المصرية بل للتأثير الأدبي والسياسي لسياسات التحرر الوطني المصرية وجهودها في دعم استقلال وتحرر الشعوب الافريقية ، هذا التأثير الذى اضمحل بهزيمة مشروع النهضة المصرية والسياسات المرتبطة به وخضوعها للنفوذ الاستعماري ، خضوع ترتب علية تضائل واضمحلال التأثير المصري وفقدها لنفوذها الأدبي في افريقيا ، ليس فقط لتغيير السياسات المصرية بل ولإهمال حكوماتها للعلاقات مع الدول الافريقية ، فليس غريبا أن الدول الافريقية التي قاطعت إسرائيل في اعقاب حرب 1976 هي نفسها التي تقييم اوثق العلاقات مع هذا الكيان نفسة وتخضع للنفوذ الاستعماري ، بعد فشل محاولاتها في التقدم والاستقلال الفعلي ، وهى ظاهرة عامة تشمل معظم إن لم يكن كل البلاد المستعمرة التي تحررت من الاستعمار المباشر، لتتحول الى ذيل تابع ومنهوب للقوى الرأسمالية العالمية.
ومما لا شك فيه ان مصر أصبحت تمتلك القدرات العسكرية لتدمير سد النهضة، بعد التطوير الكبير في قدراتها العسكرية، لكن مثل هذا التدمير ستكون له نتائج سياسية وخيمة ولن يكون إلا حلا مؤقتا، فالحل الدائم بمنع إعادة بناء السد هو الاحتلال المباشر، احتلالا مباشرا ليس لدية فرصة للدوام او الاستقرار ، وفى الحقيقة فإن الهدف من أي هجوم عسكري على السد يجب أن يلتزم بمنع تفاقم الاثار السلبية لبناء السد ، أي بتحقيق النتائج التي عجزت المفاوضات عن تحقيقها ، فمصر لم تعارض في إنشاء أي سدود على مجرى النهر وفروعه في أي من بلدان المنابع ، بل ساهمت في إنشائها مثلها مثل السد الأخير في تنزانيا الذى نفذته بنجاح الشركات المصرية ، ما دامت هذه السدود لا يترتب عليها أضرارا جسيمة على وصول إيراد النهر الى مصر وفقا للاتفاقات التي عقدتها مصر مع دولة السودان والاتفاقات الاخرى الموقعة مع دول الحوض.
ولعل الامر يبدو غريبا عندما نذكر الاتفاق مع السودان فقط، لسبب أصيل وهو أن بناء السد سيؤثر على كمية المياه المتاحة للبلدين لتوزيعها ولن يؤثر على باقي بلدان المنبع التي تحكم تصرفاتها معاهدة 1929 المعقودة بين مصر وبريطانيا الممثلة لبعض لدول المنبع التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني.
لكن هناك اتفاقات سابقة حول مياه النيل منها اتفاقية روما الموقعة عام 1891 بين كل من بريطانيا وإيطاليا التي كانت تحتل إرتريا، واتفاقية أديس أبابا الموقعة عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، واتفاقية لندن الموقعة عام 1906 بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتفاقية روما عام 1925، كانت كلها تنص على عدم المساس بحقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل وعدم إقامة مشاريع بتلك الدول من شأنها إحداث خلل في مياه النيل أو التقليل من كمية المياه التي تجري في الأراضي المصرية ، وجميعها اتفاقيات بين الدول الاستعمارية بالإضافة الى اثيوبيا المغلوبة على امرها ، اتفاقات لا تحظى حاليا بالشعبية لدى الدول الافريقية التي استقلت من الاحتلال المباشر.
وإذا كان وضع اتفاقات التحكم في النيل لا تحظى بالشعبية أو الاعتراف من سلطات بلدان المنابع الافريقية فان الامر تفاقم مع انهيار النفوذ الأدبي والمعنوي المصري ، لذلك لابد من تطوير علاقاتنا مع الدول الافريقية وبالذات مع دول المصب ، بتطوير الجهد الحكومي الحالي ودعمة في المجالات الشعبية ( لعله من الواجب الاشارة الى الجهد المتميز الذى بذلته نقابة المهندسين في هذا المجال) ، تطويرا لابد منه إذا اقتضت الضرورة التدخل بالوسائل العسكرية ، على أن يكون التدخل العسكري في حدود منع الضرر المتحقق فعليا والا يتجاوز ذلك ، تدخل لابد من التمهيد له وشرحه بمزيد من الصبر والتأني ، حتى لا تتأثر علاقات مصر مع الدول الافريقية وبالذات مع دول المنبع.
إن الرشادة العاقلة هي السبيل الوحيد للدفاع عن المصالح القومية للشعب المصري، رشادة تتطلب صبرا وشجاعة في مواجهة ديماغوجية طيور الظلام الطامحين للصيد في الماء العكر.
ومنشأ الصعوبة هنا هو اعتقاد البعض أن الدفاع عن المصالح القومية هو أمر راجع، فقط، لقرارات السلطة السياسية، دون التوقف كثيرا وطويلا أمام موازين القوى الإقليمية والدولية وامام النتائج التاريخية لأي سلوك سيأسى لا يدرك الحقائق الدولية وموازين القوى المتحققة في منطقتنا، لذلك فإن حرية اختيار القرارات مقيدة بهذه الشروط المحيطة بها.
والان دعنا نتوقف قليلا امام معضلة سد النهضة، فمن المؤكد ان سد النهضة يشكل مصالح حيوية للشعب الأثيوبي، مهما كانت التوجهات السياسية للسلطة الاثيوبية الحاكمة ، مصالح تتشابه الى حد كبير مع مصالح الشعب المصري عندما خاض معركة بناء السد العالي ، لكن هذه المصالح في تحققها سيكون لها تأثيرا كبيرا مختلفا ، فالسد العالي ترتبت علية أضرارا اقتصادية واجتماعية للشعب السوداني ، لكن هذه الاضرار تم الحد من تأثيرها بالاتفاق المتبادل بين الدولتين وبزيادة حصيلة السودان من الفائض الذى تحقق من مياه النيل ، كما سبب اضرارا على مصر ، أضرارا اجتماعية واقتصادية على النوبة وعلى النحر والاطماء والساحل الشمالي وعلى الري وخصوبة الأراضي الزراعية ، أضرارا تم تقديرها والنجاح في أتخاذ إجراءات تقلل من أثارها ، أضرارا لا يمكن مقارنتها بالفوائد الكبيرة لأنشاء السد.
لكن سياسات الحكومة الاثيوبية تجاهلت مصالح الشعبين السوداني والمصري ، وماطلت وراوغت في المفاوضات التي استمرت اثنى عشرة من الاعوام بدون نتائج ، حتى الاتفاق الوحيد الذى تم التوصل الية ، اى اتفاق إعلان المبادئ ، بصرف النظر عن قيمته الضئيلة ، لم يتم احترامه ، بحيث أستمر بناء السد بعد أدخال العديد من التغييرات الفنية بتحويلة من سد ذو قدرات تخزينية ليست كبيرة الى سد كبير ذو سعة تخزينية كبيرة يمكنها أن تؤثر على إمدادات المياه لمصر والسودان في حالة الفيضان المنخفض ، إذا أستمر لسنوات متعاقبة ، مماثل للإيراد المنخفض لعده سنوات في ثمانينيات القرن الماضي الذى لم تنجو مصر من أثاره إلا لوجود السد العالي.
لقد تبنت الحكومة الاثيوبية منهجا ديماغوجيا في التفاوض وفى بناء السد، منهجا يثير المشاعر الشعبية ويجعل بناء السد وكأنه معركة للاستقلال الوطني في مواجهة نتائج أوضاع استعمارية قديمة فرضت ديمومة الاتفاقات التي تم التوصل اليها في زمن الاستعمار، بما فيها حدود الدول واتفاقات توزيع المياه، الامر الذى يجد اشكالا من التأييد من بعض الدول الافريقية، خصوصا دول حوض النيل، في الاتفاقية الاطارية الشهيرة بمبادرة حوض النيل والتي لم توافق عليها أو تؤيدها بعض دول الحوض ومنها مصر.
و يبدو الامر ، في الاقتراب الديماغوجي لبعض القوى السياسية المصرية، كما لوكان الامر غفلة وتغافل من الدولة المصرية ، متجاهلة حقيقة التغييرات التي طالت السياسات المصرية وتأثيرها على المحيط الأفريقي ، بالذات دول الحوض ، فالتأثير المصري الذى تعاظم في زمن الصعود الناصري ، لم يكن أبدا راجعا للقوة العسكرية المصرية بل للتأثير الأدبي والسياسي لسياسات التحرر الوطني المصرية وجهودها في دعم استقلال وتحرر الشعوب الافريقية ، هذا التأثير الذى اضمحل بهزيمة مشروع النهضة المصرية والسياسات المرتبطة به وخضوعها للنفوذ الاستعماري ، خضوع ترتب علية تضائل واضمحلال التأثير المصري وفقدها لنفوذها الأدبي في افريقيا ، ليس فقط لتغيير السياسات المصرية بل ولإهمال حكوماتها للعلاقات مع الدول الافريقية ، فليس غريبا أن الدول الافريقية التي قاطعت إسرائيل في اعقاب حرب 1976 هي نفسها التي تقييم اوثق العلاقات مع هذا الكيان نفسة وتخضع للنفوذ الاستعماري ، بعد فشل محاولاتها في التقدم والاستقلال الفعلي ، وهى ظاهرة عامة تشمل معظم إن لم يكن كل البلاد المستعمرة التي تحررت من الاستعمار المباشر، لتتحول الى ذيل تابع ومنهوب للقوى الرأسمالية العالمية.
ومما لا شك فيه ان مصر أصبحت تمتلك القدرات العسكرية لتدمير سد النهضة، بعد التطوير الكبير في قدراتها العسكرية، لكن مثل هذا التدمير ستكون له نتائج سياسية وخيمة ولن يكون إلا حلا مؤقتا، فالحل الدائم بمنع إعادة بناء السد هو الاحتلال المباشر، احتلالا مباشرا ليس لدية فرصة للدوام او الاستقرار ، وفى الحقيقة فإن الهدف من أي هجوم عسكري على السد يجب أن يلتزم بمنع تفاقم الاثار السلبية لبناء السد ، أي بتحقيق النتائج التي عجزت المفاوضات عن تحقيقها ، فمصر لم تعارض في إنشاء أي سدود على مجرى النهر وفروعه في أي من بلدان المنابع ، بل ساهمت في إنشائها مثلها مثل السد الأخير في تنزانيا الذى نفذته بنجاح الشركات المصرية ، ما دامت هذه السدود لا يترتب عليها أضرارا جسيمة على وصول إيراد النهر الى مصر وفقا للاتفاقات التي عقدتها مصر مع دولة السودان والاتفاقات الاخرى الموقعة مع دول الحوض.
ولعل الامر يبدو غريبا عندما نذكر الاتفاق مع السودان فقط، لسبب أصيل وهو أن بناء السد سيؤثر على كمية المياه المتاحة للبلدين لتوزيعها ولن يؤثر على باقي بلدان المنبع التي تحكم تصرفاتها معاهدة 1929 المعقودة بين مصر وبريطانيا الممثلة لبعض لدول المنبع التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني.
لكن هناك اتفاقات سابقة حول مياه النيل منها اتفاقية روما الموقعة عام 1891 بين كل من بريطانيا وإيطاليا التي كانت تحتل إرتريا، واتفاقية أديس أبابا الموقعة عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، واتفاقية لندن الموقعة عام 1906 بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتفاقية روما عام 1925، كانت كلها تنص على عدم المساس بحقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل وعدم إقامة مشاريع بتلك الدول من شأنها إحداث خلل في مياه النيل أو التقليل من كمية المياه التي تجري في الأراضي المصرية ، وجميعها اتفاقيات بين الدول الاستعمارية بالإضافة الى اثيوبيا المغلوبة على امرها ، اتفاقات لا تحظى حاليا بالشعبية لدى الدول الافريقية التي استقلت من الاحتلال المباشر.
وإذا كان وضع اتفاقات التحكم في النيل لا تحظى بالشعبية أو الاعتراف من سلطات بلدان المنابع الافريقية فان الامر تفاقم مع انهيار النفوذ الأدبي والمعنوي المصري ، لذلك لابد من تطوير علاقاتنا مع الدول الافريقية وبالذات مع دول المصب ، بتطوير الجهد الحكومي الحالي ودعمة في المجالات الشعبية ( لعله من الواجب الاشارة الى الجهد المتميز الذى بذلته نقابة المهندسين في هذا المجال) ، تطويرا لابد منه إذا اقتضت الضرورة التدخل بالوسائل العسكرية ، على أن يكون التدخل العسكري في حدود منع الضرر المتحقق فعليا والا يتجاوز ذلك ، تدخل لابد من التمهيد له وشرحه بمزيد من الصبر والتأني ، حتى لا تتأثر علاقات مصر مع الدول الافريقية وبالذات مع دول المنبع.
إن الرشادة العاقلة هي السبيل الوحيد للدفاع عن المصالح القومية للشعب المصري، رشادة تتطلب صبرا وشجاعة في مواجهة ديماغوجية طيور الظلام الطامحين للصيد في الماء العكر.