الخيالُ كان عالمها لسبب بسيط؛ لأنها امتلكت مخيّلةً عظيمة. كانت تستلذُّ بالقراءة أكثر من المشاهدة حتى حين تُحوَّل الرواية إلى فيلم، فمخيّلة المخرج في ناظريها ضيقة، محدودة الجموح، بينما كانت ترى نفسها خيلًا أصيلًا خفيفًا يعدو ويُطربگ فوق ثقل الواقع وكان هذا طبيعيًّا لها؛ فمخيلتها تُضخّم الأشياء كما تفعل الكاميرا. سينمائية على نحو ظريف
لكن خيالها رغم بهجته كان يتركها بلا حماية، كأنها مهاجر إلى بلاد آيسلندا بلا حذاء أو معطف ثقيل .
ولأن البدايات دائمًا ما تكون مشوّقة، مبهرة بنكهاتٍ عديدة، يستعصي على القلب ألا يتذوّقها جميعًا دفعةً واحدة فقد تخيّلته في لحظةٍ من التداخل بين الواقع والخيال فارسًا من العصور النبيلة، لا رجلا عابرا، ومن يلوم قلبًا أُتخم بقراءة ريمارك وتورغنيف؟ رأته نبيلا بخصال عربية محمودة كأن يرى المجالس أمانات والصدور أمانات ويرى المرأة في شارب كل رجل، لا في الخيّرين منهم فحسب. حتى إذا عاشرَته، وخفَتَ وهجُ رعشة البدايات، اكتشفت أنه لم يكن سوى هرٍّ بيتوتي لا يترك حاوية قمامة إلا ونبش أنفه فيها.
كان بغلا مدعيا، من أولئك الدعاة المزيفين للحضارة،
أول من خلع گيـوة أجداده وارتدى بسطالا يلمع تحت أضواء المدينة والبسطال لا يناسبه الأتربة والطين حينها
طالعَ أهله بنظرة ازدراء، كأنه يقول: تبًّا لبؤسكم، يا حياةَ المدينة، خذيني ويا عسكرة الجيش رتبيني.
كانت غبية حين صدقت قصته وكان هو أحمق حين زلّ لسانه بصغائر الأمور أمامها _ ولن اخبركم مطلقا بما رآته فيه فالصدور آمانات _ هي التي تنتف حاجبيها بملقط دقيق مسنن، كانت قادرة على وضعه تحت مجهر الترصّد، لكن عين المحب وحدها من أعمتها.
حقيقة الرجل – كما أدركتْ لاحقًا – تكمن في ما يُجهد دائمًا في إخفائه؛ صندوق چكمچة ورثه عن جدته، يُخفي فيه خيباته القديمة وأدواره الممسرحة. كان عاقلًا أمام الجميع، لكنه في عينيها بدا مجنونًا؛ فكل المجانين يرون أنفسهم إله
وهو لم يعرف التواضع يومًا بل وسم نسله 'يأخذ ولا يعطي'.
لم يعُد الدور المزدوج يليق بها وثوب الفرار بات الأنسب.
رغم وعوده المراوغة(مكانك دائمًا بقربي). هجرتْه وأصبحت تطالعه كما تطالع نهر الفرات في حنين هي لا تنكر حنينها ، تُطالع وجعه العاري، الفاقد لقناعة أجداده، ترى فيه غبائها القديم فيضمحلّ فيها كل حبها الغبي.
لم يكن حبّا بل انبهارا ولم يكن هو محبّا بل ممثلا ماهرا.
مارس دنجوانيّته وألقاها عليها بقصد. اختارها، استخدمها، فقط كي تقع في غرامه دون مقاومة.
دفعتْ به نحو المصيدة وأوصدتْ باب السنديان خلفه ثم صرختْ به :أغرب عن وجهي...أيها الخنزير القذر وإلا أضفتك إلى سلالة الغزال المحنط في حجرة الجدة . كانت امرأةً خياليّة، متفائلة، ضالّة، أصرّت على رؤية العالم برؤيتها الخاصة غير آبهة إطلاقًا بالواقع عندها أيقنت أن المخيلة لا تصلح إلا للأعمال الأدبية والفنية حين لا يُعاني الكاتب من متلازمة الصفحة البيضاء أما الواقع فـهُرٌّ هنا وبغلٌ هناك .
_ ليال الحربي
لكن خيالها رغم بهجته كان يتركها بلا حماية، كأنها مهاجر إلى بلاد آيسلندا بلا حذاء أو معطف ثقيل .
ولأن البدايات دائمًا ما تكون مشوّقة، مبهرة بنكهاتٍ عديدة، يستعصي على القلب ألا يتذوّقها جميعًا دفعةً واحدة فقد تخيّلته في لحظةٍ من التداخل بين الواقع والخيال فارسًا من العصور النبيلة، لا رجلا عابرا، ومن يلوم قلبًا أُتخم بقراءة ريمارك وتورغنيف؟ رأته نبيلا بخصال عربية محمودة كأن يرى المجالس أمانات والصدور أمانات ويرى المرأة في شارب كل رجل، لا في الخيّرين منهم فحسب. حتى إذا عاشرَته، وخفَتَ وهجُ رعشة البدايات، اكتشفت أنه لم يكن سوى هرٍّ بيتوتي لا يترك حاوية قمامة إلا ونبش أنفه فيها.
كان بغلا مدعيا، من أولئك الدعاة المزيفين للحضارة،
أول من خلع گيـوة أجداده وارتدى بسطالا يلمع تحت أضواء المدينة والبسطال لا يناسبه الأتربة والطين حينها
طالعَ أهله بنظرة ازدراء، كأنه يقول: تبًّا لبؤسكم، يا حياةَ المدينة، خذيني ويا عسكرة الجيش رتبيني.
كانت غبية حين صدقت قصته وكان هو أحمق حين زلّ لسانه بصغائر الأمور أمامها _ ولن اخبركم مطلقا بما رآته فيه فالصدور آمانات _ هي التي تنتف حاجبيها بملقط دقيق مسنن، كانت قادرة على وضعه تحت مجهر الترصّد، لكن عين المحب وحدها من أعمتها.
حقيقة الرجل – كما أدركتْ لاحقًا – تكمن في ما يُجهد دائمًا في إخفائه؛ صندوق چكمچة ورثه عن جدته، يُخفي فيه خيباته القديمة وأدواره الممسرحة. كان عاقلًا أمام الجميع، لكنه في عينيها بدا مجنونًا؛ فكل المجانين يرون أنفسهم إله
وهو لم يعرف التواضع يومًا بل وسم نسله 'يأخذ ولا يعطي'.
لم يعُد الدور المزدوج يليق بها وثوب الفرار بات الأنسب.
رغم وعوده المراوغة(مكانك دائمًا بقربي). هجرتْه وأصبحت تطالعه كما تطالع نهر الفرات في حنين هي لا تنكر حنينها ، تُطالع وجعه العاري، الفاقد لقناعة أجداده، ترى فيه غبائها القديم فيضمحلّ فيها كل حبها الغبي.
لم يكن حبّا بل انبهارا ولم يكن هو محبّا بل ممثلا ماهرا.
مارس دنجوانيّته وألقاها عليها بقصد. اختارها، استخدمها، فقط كي تقع في غرامه دون مقاومة.
دفعتْ به نحو المصيدة وأوصدتْ باب السنديان خلفه ثم صرختْ به :أغرب عن وجهي...أيها الخنزير القذر وإلا أضفتك إلى سلالة الغزال المحنط في حجرة الجدة . كانت امرأةً خياليّة، متفائلة، ضالّة، أصرّت على رؤية العالم برؤيتها الخاصة غير آبهة إطلاقًا بالواقع عندها أيقنت أن المخيلة لا تصلح إلا للأعمال الأدبية والفنية حين لا يُعاني الكاتب من متلازمة الصفحة البيضاء أما الواقع فـهُرٌّ هنا وبغلٌ هناك .
_ ليال الحربي