الطاهر
قال فتحى: الغش حرام.
قلت: لأ.. حلال.
مادام الموت من فوهة ( الفرد ) سينطلق ـ فى صدرى ـ إذا رسبت.. ذاكرت كثيرا رأسى كالمنخل تسقط من فتحاتها الكثيرة ما تبقى من كلام.
رأسى طلاحونة يحركها الخوف.
: مبروك.. جبت كام؟.
: نجحت.
أعاد فتحى السؤال. وأعدت الجواب بتأكيد وأمان. قال أنه أحضر كتب أولى إعدادى. لم أهتم شعرت برغبة فى الانطلاق، بين السيارات والناس فى شوارع الزقازيق.
ركبت الأتوبيس ( الدايرى ) الأصفر،ذاهبا إلى خالتى بطاروط أخبرها بنجاحى. وخلاصى من الإبتدائية. ملعون التعليم والمدرسين، وطابور الصباح.
أعطتنى قطعة معدنية بعشرة قروش. واحتضنتنى بشدة ثم قالت: روح لخالك. ذهبت إليه، فأعطانى ما تيسر بإهمال، أو ربما بحزن على فشل أبنائه فى التعليم.قضيت ليلة مع عبد الباسط، وكان عبد السلام قد تطوع فى الجيش بعد الاعدادية.
أغيب.. وأعود إلى طحلة.
فلا أجد من يرحب بعودتى.
يقول عرفه أخى بإهمال مشيحا برأسه: كنت صايع فين. ثم يمسك حبال البهائم ويركب الحمارة ذاهبا للغيط.
ربما يبش أبى أو ينشغل بلف حبال التيل للبهائم أو إصلاح الحصر أو الغبيط بمسلة كبيرة.
عندما دخلت الزقة التى تربط بابنا بالشارع عائدا من عند خالتى. كان أبى عند الباب منهمكا فى ترقيع جوال.. رميت عليه السلام. لم يرد. تأهبت لخطر قادم. ولما لم يهم بفعله. قصدت الزير لأشرب، مستطعما المياه الباردة فى حر صيف كاتم. طار الكوز من فمى وارتطمت رأسى بالزير إثر ضربتين من كف أبى طرقعتا على قفاى، تلاهما شلوت فى مؤخرتى. وانصرف.
طلعت إلى ( المقعد ) وبكيت.
فى الصباح رافقته ساحبا البهائم وكان ورائى على الحمارة. قال: كنت بايت فين ياصايع؟.
لم أرد.
وددت لو أربط الجاموسة والبقرة أو أتركهما أمامه، وأفر منه للأبد.
قالت زنوبه بعدما ضربنى بالأمس: يعنى هيه أول مرة يصيع.
لا أعرف هل خلصت الكلمات ولم يتبق سوى صايع وضايع لوصفى.
اختفيت من أمامه وقت الظهر بحجة إحضار الغداء.
وجه عرفه أحمر، يطق من عينيه شرر مثل عينى أبى ليلة أخرج لى ( الفرد ).
( الشعبة ) فى يد عرفه ويدفع الباب بكتفه، وصوت زنوبه يأتى من وراء الباب لاعنا طحلة والذى أتى بها لطحلة واليوم الذى رأته فيه؛ الباب يهتز بينهما.
وقفت عند الباب محاولا الفهم.
عرفه يحاول ضربها. وهى تنعته بأقبح الشتائم.
هو يكبرنى بثمانى سنوات. ويستطيع تلقينها درسا، بالعصى.. صباحا ذهب يشتغل مع الجيران ـ بدل ـ لجنى القطن.
عاد لم يجد غداء معدا ولا زنوبه. أكل الجبنة والمش بالخبز الناشف على عجل. عند عودته للغيط رآها قاعدة على مصطبة أبو شعبان البقال تأكل الحلويات المسكرة. عند رؤيتها لعرفه ولت هاربة. طلب البقال من عرفه المتأخر من ديون زنوبه. سحبت حتى الآن بأكثر من عشرة جنيهات.
على العشاء. كان أبى جالسا فى الوسط حول طبلية مبقعة غير مغسولة فوقها طبق من البطاطس به قطع عائمة فى ماء الطبيخ. ومحمد وإبراهيم يسرحان باللقمة حول قطع البطاطس المتبقية، ينز من بين أصابعهم السائل. أبى يكسر الرغيف الناشف إلى لقيمات. يمد يده فى طبق مخلل به قشر برتقال وجبنة قديمة، يسرح داخلها وحولها دود سريع الحركة. يطوى السريس الأخضر فى فمه.
زنوبه جالسة عند عتبة الدار. واضعة رأسها بين يديها؛ كنت قد أكلت عند عمتى محاسن قبل قليل، دعانى أبى للطعام: قرب اطفح. رفضت.
قال: أنت حر.؟
كان عرفه منهمكا فى حشو فمه بأى شئ. تتلاحق اللقيمات.
دخلت زنوبه فى البكاء دفعة واحدة، التفت عرفه إليها.
قالت بصوت عال: إن كنت كبرت أبوك يجوزك.. بس أنا لأ.
اصفر وجه عرفه، واتسع بياض عينيه.
بينما توقفت اللقمة فى فم أبى.
أعاد عرفه ما قاله أبو شعبان البقال عن ديون زنوبه. اختلطت الحجج مثلما تعاركا ظهرا. أبى صامت ينقل بينهما عينيه.
ثم قذف فجأة بطبٍق ماء البطاطس فى وجه عرفه.
عرفه
ذهبت إلى بهيه أختى فى الزقازيق، ماشيا من طحلة ولم تتعب قدمى، حاملا بقايا الطبيخ على صدرى. لا للبكاء على صدرها كالعيال. بل هربا من صورتى الباهتة، وقبضته.
عشرون عانا ولا شئ.
قالت أختى: لا تغضب هى وسخة وبنت كلب، مثلك سيكشف سرها. هى تسرق وتسحب شكك وأكثر من ذلك.. وأبوك يعرف. أنت ياعرفه بهيم، مثلك يجب أن يسافر إلى العراق أو أى بلد. تعمل وتتعب وترجع بالمال.. تتزوج ويكون لك أولادا. لم تعد الأرض تحتمل كى تفتح لك ولغيرك بيتا. سترث فى النهاية بضع قراريط لا تسمن فرخة. لن تترك المرأة فرصة للإمساك بخير الأرض. سافر يا ولد.
دخل كلامها مخى. وجيوبى انتفضت معلنة براءتها من أى مليم. وهو لن يعطينى. قالت لى: اشتغل ياولد مع أولادى، وجيه وفتحى وناجى فى حدادة التسليح، ووفر أجرة السفر. اعترض الشيخ عبد التواب. قال: ابن الأرض لا ينفع إلا للأرض. كالسمك يموت إذا خرج من الماء. ضحكت وقلت: ياعم الشيخ إنهم يسافرون ويعودون فى جيوبهم المال، يشترون الأرض ويبنون البيوت ولم أقل بأنهم يجلسون أيضا على المقاهى. ويتأخرون. ويصيعون فى الشوارع ثم يستأجرون من يفلحها.
أسبوع فى حديد التسليح أحاول ثنى الأسياخ وتقطيعها ولم أفلح.
خبير أنا عندما أضع السدد والعروق، فوق الدور الجديدة فى طحلة مع الرفاق.
أسبوع وحضر أبى. تحدث مع زوج أختى وأختى. عبر عن نيته فى تزويجى فى القطن القادم.
قلت: هسافر.
قال: إضرب راسك فى أتخن حيطة. وقابلنى إذا فلحت.
قهرنى الحديد، ولانت مقاومتى.
فى صباح يوم جديد.
عدت عودة الخائبين.
رضيت بالزواج من ابنة عمتى، وكدت أطير.
اختلف أبى مع أخته كعادته، فزوجنى من نوال قريبة زنوبه.
لماذا كالنعاج نستسلم للآخرين؟؟!
قال فتحى: الغش حرام.
قلت: لأ.. حلال.
مادام الموت من فوهة ( الفرد ) سينطلق ـ فى صدرى ـ إذا رسبت.. ذاكرت كثيرا رأسى كالمنخل تسقط من فتحاتها الكثيرة ما تبقى من كلام.
رأسى طلاحونة يحركها الخوف.
: مبروك.. جبت كام؟.
: نجحت.
أعاد فتحى السؤال. وأعدت الجواب بتأكيد وأمان. قال أنه أحضر كتب أولى إعدادى. لم أهتم شعرت برغبة فى الانطلاق، بين السيارات والناس فى شوارع الزقازيق.
ركبت الأتوبيس ( الدايرى ) الأصفر،ذاهبا إلى خالتى بطاروط أخبرها بنجاحى. وخلاصى من الإبتدائية. ملعون التعليم والمدرسين، وطابور الصباح.
أعطتنى قطعة معدنية بعشرة قروش. واحتضنتنى بشدة ثم قالت: روح لخالك. ذهبت إليه، فأعطانى ما تيسر بإهمال، أو ربما بحزن على فشل أبنائه فى التعليم.قضيت ليلة مع عبد الباسط، وكان عبد السلام قد تطوع فى الجيش بعد الاعدادية.
أغيب.. وأعود إلى طحلة.
فلا أجد من يرحب بعودتى.
يقول عرفه أخى بإهمال مشيحا برأسه: كنت صايع فين. ثم يمسك حبال البهائم ويركب الحمارة ذاهبا للغيط.
ربما يبش أبى أو ينشغل بلف حبال التيل للبهائم أو إصلاح الحصر أو الغبيط بمسلة كبيرة.
عندما دخلت الزقة التى تربط بابنا بالشارع عائدا من عند خالتى. كان أبى عند الباب منهمكا فى ترقيع جوال.. رميت عليه السلام. لم يرد. تأهبت لخطر قادم. ولما لم يهم بفعله. قصدت الزير لأشرب، مستطعما المياه الباردة فى حر صيف كاتم. طار الكوز من فمى وارتطمت رأسى بالزير إثر ضربتين من كف أبى طرقعتا على قفاى، تلاهما شلوت فى مؤخرتى. وانصرف.
طلعت إلى ( المقعد ) وبكيت.
فى الصباح رافقته ساحبا البهائم وكان ورائى على الحمارة. قال: كنت بايت فين ياصايع؟.
لم أرد.
وددت لو أربط الجاموسة والبقرة أو أتركهما أمامه، وأفر منه للأبد.
قالت زنوبه بعدما ضربنى بالأمس: يعنى هيه أول مرة يصيع.
لا أعرف هل خلصت الكلمات ولم يتبق سوى صايع وضايع لوصفى.
اختفيت من أمامه وقت الظهر بحجة إحضار الغداء.
وجه عرفه أحمر، يطق من عينيه شرر مثل عينى أبى ليلة أخرج لى ( الفرد ).
( الشعبة ) فى يد عرفه ويدفع الباب بكتفه، وصوت زنوبه يأتى من وراء الباب لاعنا طحلة والذى أتى بها لطحلة واليوم الذى رأته فيه؛ الباب يهتز بينهما.
وقفت عند الباب محاولا الفهم.
عرفه يحاول ضربها. وهى تنعته بأقبح الشتائم.
هو يكبرنى بثمانى سنوات. ويستطيع تلقينها درسا، بالعصى.. صباحا ذهب يشتغل مع الجيران ـ بدل ـ لجنى القطن.
عاد لم يجد غداء معدا ولا زنوبه. أكل الجبنة والمش بالخبز الناشف على عجل. عند عودته للغيط رآها قاعدة على مصطبة أبو شعبان البقال تأكل الحلويات المسكرة. عند رؤيتها لعرفه ولت هاربة. طلب البقال من عرفه المتأخر من ديون زنوبه. سحبت حتى الآن بأكثر من عشرة جنيهات.
على العشاء. كان أبى جالسا فى الوسط حول طبلية مبقعة غير مغسولة فوقها طبق من البطاطس به قطع عائمة فى ماء الطبيخ. ومحمد وإبراهيم يسرحان باللقمة حول قطع البطاطس المتبقية، ينز من بين أصابعهم السائل. أبى يكسر الرغيف الناشف إلى لقيمات. يمد يده فى طبق مخلل به قشر برتقال وجبنة قديمة، يسرح داخلها وحولها دود سريع الحركة. يطوى السريس الأخضر فى فمه.
زنوبه جالسة عند عتبة الدار. واضعة رأسها بين يديها؛ كنت قد أكلت عند عمتى محاسن قبل قليل، دعانى أبى للطعام: قرب اطفح. رفضت.
قال: أنت حر.؟
كان عرفه منهمكا فى حشو فمه بأى شئ. تتلاحق اللقيمات.
دخلت زنوبه فى البكاء دفعة واحدة، التفت عرفه إليها.
قالت بصوت عال: إن كنت كبرت أبوك يجوزك.. بس أنا لأ.
اصفر وجه عرفه، واتسع بياض عينيه.
بينما توقفت اللقمة فى فم أبى.
أعاد عرفه ما قاله أبو شعبان البقال عن ديون زنوبه. اختلطت الحجج مثلما تعاركا ظهرا. أبى صامت ينقل بينهما عينيه.
ثم قذف فجأة بطبٍق ماء البطاطس فى وجه عرفه.
عرفه
ذهبت إلى بهيه أختى فى الزقازيق، ماشيا من طحلة ولم تتعب قدمى، حاملا بقايا الطبيخ على صدرى. لا للبكاء على صدرها كالعيال. بل هربا من صورتى الباهتة، وقبضته.
عشرون عانا ولا شئ.
قالت أختى: لا تغضب هى وسخة وبنت كلب، مثلك سيكشف سرها. هى تسرق وتسحب شكك وأكثر من ذلك.. وأبوك يعرف. أنت ياعرفه بهيم، مثلك يجب أن يسافر إلى العراق أو أى بلد. تعمل وتتعب وترجع بالمال.. تتزوج ويكون لك أولادا. لم تعد الأرض تحتمل كى تفتح لك ولغيرك بيتا. سترث فى النهاية بضع قراريط لا تسمن فرخة. لن تترك المرأة فرصة للإمساك بخير الأرض. سافر يا ولد.
دخل كلامها مخى. وجيوبى انتفضت معلنة براءتها من أى مليم. وهو لن يعطينى. قالت لى: اشتغل ياولد مع أولادى، وجيه وفتحى وناجى فى حدادة التسليح، ووفر أجرة السفر. اعترض الشيخ عبد التواب. قال: ابن الأرض لا ينفع إلا للأرض. كالسمك يموت إذا خرج من الماء. ضحكت وقلت: ياعم الشيخ إنهم يسافرون ويعودون فى جيوبهم المال، يشترون الأرض ويبنون البيوت ولم أقل بأنهم يجلسون أيضا على المقاهى. ويتأخرون. ويصيعون فى الشوارع ثم يستأجرون من يفلحها.
أسبوع فى حديد التسليح أحاول ثنى الأسياخ وتقطيعها ولم أفلح.
خبير أنا عندما أضع السدد والعروق، فوق الدور الجديدة فى طحلة مع الرفاق.
أسبوع وحضر أبى. تحدث مع زوج أختى وأختى. عبر عن نيته فى تزويجى فى القطن القادم.
قلت: هسافر.
قال: إضرب راسك فى أتخن حيطة. وقابلنى إذا فلحت.
قهرنى الحديد، ولانت مقاومتى.
فى صباح يوم جديد.
عدت عودة الخائبين.
رضيت بالزواج من ابنة عمتى، وكدت أطير.
اختلف أبى مع أخته كعادته، فزوجنى من نوال قريبة زنوبه.
لماذا كالنعاج نستسلم للآخرين؟؟!