فنون بصرية إياد شماسنة - الحريم المستباح: كيف رسم الغرب جسد الشرق بعيون شهوانية

احتلت صورة «الحريم الشرقي» موقعاً رمزياً مركزياً في أعمال فناني الاستشراق الأوروبيين، خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث جرى تمثيل المرأة الشرقية ضمن لوحات مشبعة بالرموز الغرائبية والجندرية التي عكست مخيّلة الغرب الاستعماري عن الشرق. كانت هذه اللوحات مشاهد فنية جميلة، كما كانت تمثيلات أيديولوجية أسهمت في تشكيل خطاب استشراقي ينظر إلى الشرق كفضاء للمتعة والسكون والتخلف، مقابل غرب عقلاني، تقدمي، ومهيمن.
ينطلق الحديث في هذا الموضوع من الإطار النقدي الذي وضعه إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1978)، ليتناول تمثيل الحريم كصورة ثقافية ـ جندرية في الفن الاستشراقي، ويكشف كيف أسهمت هذه الصور في تكريس رؤية استعمارية للشرق من خلال اختزال الجسد الأنثوي في أدوار نمطية خاضعة، تخدم المتعة البصرية والتفوق الرمزي للغرب.

الحريم كصورة متخيلة: السياق التاريخي والثقافي

لم يكن الحريم، في المجتمعات الإسلامية فضاءً للعزل السلبي كما صوّره المستشرقون، بل حيّزاً منزلياً خاصاً يحتضن أدواراً اجتماعية وثقافية وروحية معقدة للنساء. غير أن الغرب المحكوم بالتوجه الاستعماري، المحروم من الاطلاع المباشر على هذا العالم، أسقط عليه خيالاته وأوهامه، فحوّله إلى رمز جندري مختزل للشرق: أنثى خاضعة، صامتة، ومُشتهاة. وقد كرّست لوحات الرحالة والمستشرقين هذا التصور المُتخيّل، فحوّلت الجسد الأنثوي إلى أداة رمزية لتبرير الهيمنة، تحت شعار «تحرير المرأة الشرقية»، ضمن خطاب فني–استعماري لم يكن يوماً بريئاً أو محايداً.
لا يمكن تجاوز النظرية المؤسسة التي قدّمها إدوارد سعيد عند الحديث عن لوحات الحريم الاستشراقي، والتي رأى فيها الاستشراق علماً غير حيادي، بل هو خطاب منتج للمعرفة في سياق الهيمنة الكولونيالية. ووفقاً لسعيد، فإن «الشرق» كما صوّره المستشرقون ليس موجوداً إلا في خيال الغرب، وأن المعرفة التي أُنتجت عن الشرق كانت دوماً منحازة ومشوّهة، تخدم أغراض السيطرة والهيمنة الثقافية.
في هذا السياق، فإن اللوحة الاستشراقية تصبح أداة من أدوات تشكيل «المعرفة المُتخيّلة» عن الشرق، تُقدّم المرأة الشرقية كمجرد موضوع بصري متاح للنظر الأوروبي. وهكذا يتحول الجسد الأنثوي إلى فضاء يُسقِط عليه الرسّام الغربي رغباته وتمثلاته، في علاقة يشوبها التفوق والتشييء.

خصائص تمثيل الحريم في اللوحات الاستشراقية

عند النظر إلى مجموعة كبيرة من لوحات المستشرقين التي تناولت موضوع الحريم، يمكن استخلاص مجموعة من السمات المشتركة التي تؤطر هذا التمثيل:
التعرية الرمزية للجسد الشرقي
تميّزت لوحات الحريم الاستشراقية بحضور لافت للجسد الأنثوي المتعرّي أو شبه العاري، في تعارض صارخ مع قيم الحياء والخصوصية السائدة في المجتمعات الإسلامية. هذا الجسد، الذي صُوّر في أوضاع توحي بالخضوع والتأمل الحسي، حيث أصبح جسد المرأة رمزاً شهوانياً يخاطب الرغبة الغربية في التملك والهيمنة، وتحوّل الجسد إلى أداة أيديولوجية، تُختزل فيها المرأة ويُصاغ من خلالها خطاب استعماري يعيد إنتاج ثنائية الغرب المتحضر مقابل الشرق الشهواني، لترسخ صورة المرأة الشرقية العارية في الوعي الغربي بوصفها تمثيلاً للشرق ذاته.
الخمول والسكون: الجسد الذي لا يفعل
نلاحظ في لوحات المستشرقين ميزة بارزة أخرى وهي طغيان الخمول والسكون. لا تقوم النساء في الغالب بأي فعل ذي معنى: لا يقرأن، لا يتحدثن، لا يتحرّكن. إنهن ببساطة موجودات، لا فاعلات. هذا التجميد للجسد يرسّخ فكرة أن المرأة الشرقية، تماماً كشرقها، خاملة، ساكنة، عديمة الإنتاج، تنتظر من «الآخر» أن يحركها أو يوقظها من سُباتها.
وهذا السكون هو استراتيجية دلالية؛ إنه يُسقط على المرأة صفات الكسل والخنوع، ويُجرّدها من الإرادة، لتصبح كائناً يتلذذ بالسُبات ولا يرغب في الانعتاق. فحتى في اللحظات التي تبدو فيها المرأة «منشغلة» ـ كالغناء أو التدليك أو الاستحمام ـ فإن ذلك لا يتجاوز طقوس اللذة، ولا يُشير إلى أي نشاط معرفي أو إنتاجي.
وفي جوهره، فإن هذا التمثيل يُعيد إنتاج صورة الشرق بوصفه كياناً غير تاريخي، لا يصنع الحدث بل يُصنَع له، تماماً كما يُصوّر الجسد الأنثوي في تلك اللوحات كجسد يُمتَلك ولا يمتلك.
الفضاء المغلق: هندسة العزل والاستيهام
صُوّر الحريم في اللوحات الاستشراقية كفضاء مغلق مكتظ بالعناصر الزخرفية، يعكس خيالاً استشراقياً مشحوناً بالتلصص والرغبة. هذا الإحكام المكاني عبارة عن هندسة بصرية تؤكد عزلة المرأة الشرقية وانحصارها داخل عالم داخلي خامل، بلا نوافذ أو حضور عام. فالحريم يُقدَّم كديكور استعراضي، حيث تُختزل المرأة إلى جزء من مشهد غرائبي يُكرّس عزلها الرمزي والفعلي عن التاريخ والمجتمع.
غياب الذكورة الشرقية: عين المتفرّج الأوروبي تحل محل السلطة
رغم أن الحريم، تقليدياً، كان يُدار من قبل رجال الأسرة أو حراس خاصين، فإن لوحات الحريم تتعمّد تغييب الرجل الشرقي تماماً. لا حضور لأي أب أو أخ أو زوج أو خادم، وكأن المرأة تعيش في كون أنثوي محض، مُتاح بالكامل لنظر المتلقي الأوروبي.
غياب الذكر الشرقي هو إزاحة مقصودة، تُتيح للمتلقي الغربي أن يحتل موقع «السلطان الغائب». العين التي ترى تلك النساء ليست عين أحد رجالهن، بل عين المتلقي الأوروبي، الذي يُصبح ـ عبر هذا الغياب –صاحب السلطة الرمزية. فالمتفرج لا يرى فقط، بل يملك ما يراه. وهكذا يتحول التلقي إلى فعل تملّك استعاري، ويتحوّل الرجل الغربي إلى الحاكم البديل لهذا الحريم.
كما أن هذا الغياب ينسجم مع الصورة العامة التي كوّنها الخطاب الكولونيالي عن الرجل الشرقي: إمّا غائباً، أو عنيفاً، أو غير قادر على إدارة «نساءه». وهو خطاب يبرر التدخل الغربي بوصفه إنقاذاً مزدوجاً: إنقاذاً للمرأة من الرجل، وللشرق من نفسه.

أمثلة تحليلية من أعمال المستشرقين

إنغريس ـ «الحمّام التركي» (1862)
لوحة تصور أكثر من اثنتي عشرة امرأة عارية في حمام دائري، بأجساد مثالية ومنمّقة. يغيب الحدث أو السياق عن الصورة، فكل ما تبقى هو الجسد بوصفه موضوعاً بصرياً خالصاً. تكمن الإشكالية في أن اللوحة تُقدَّم كصورة «واقعية»، رغم أن إنغريس لم يزر الشرق قط، بل استند إلى خيالات متراكمة.
جان ليون جيروم ـ «الراقصة المصرية»
ترسم اللوحة امرأة ترقص أمام جمهور من الرجال بملابس شرقية. النظرات المُوجهة إليها تُظهر الذكورة الشرقية في وضع سلبي–شهواني، بينما تُقدَّم المرأة كأداة إمتاع بصري. الصورة تُنتج منطقاً عنصرياً يُظهر الشرق بوصفه سجين اللذة والحسية البدائية.
أوجين دولاكروا ـ «نساء الجزائر في شقتهن»(1834)
رغم جمال التكوين اللوني، فإن النساء يظهرن وهنّ في حالة من السكون، اللا مبالاة، والغربة. تتراكم الدلالة هنا على الجسد الأنثوي كساحة تأمل للعين الغربية، وتُظهر كيف أن «الحريم» ليس واقعاً اجتماعياً بل تمثيلاً شهوانياً.

التلقي المعاصر ونقد التمثيل

سعت نظريات ما بعد الاستعمار والنقد النسوي، في العقود الأخيرة، إلى تفكيك هذا النوع من التمثيلات. أشارت الباحثة ليندا نوخلين في دراستها «الشرق المُتخيل» (1983) إلى أن اللوحات الاستشراقية أنتجت في سياق تاريخي مشبع بالتفوق الغربي، وأن ما يُقدَّم فيها ليس تصويرا أو تمثيلا حقيقياً للشرق، بل فانتازيا رجولية استعمارية.
كما بيّنت غاياتري سبيفاك في مقالتها الشهيرة «هل يمكن للمضطهد أن يتكلم؟» أن الخطورة لا تكمن فقط في إسكات المرأة، بل في إعادة تشكيل صوتها وفقاً لرغبات الآخر، وهو ما ينطبق تماماً على صورة المرأة في الحريم الاستشراقي.
وتُقدَّم اليوم قراءات مضادة لهذه الصور، تحاول إعادة تفسيرها أو حتى تقويضها فنياً من خلال إعادة رسمها من منظور نسوي، أو إنتاج أعمال فنية معاصرة تستعيد صورة المرأة الشرقية كفاعل، بعيدا عن الموضوع الشهواني.

تقاطع الجندر
والسياسة في خطاب الحريم

لم يكن تمثيل الحريم مجرد وهم أو تخيل ذكوري، بل هو تشكيل رمزي يبرر التدخل السياسي والثقافي. فالمرأة الشرقية في هذه اللوحات تظهر كضحية تحتاج إلى «الإنقاذ»، فيُستدعى الغرب ليكون هو المُخلِّص. هذا المنطق ـ الذي يمكن تلخيصه في عبارة «رجال بيض ينقذون نساء بنيّات من رجال بنيّين» كما قالت سبيفاك ـ مما شكّل لاحقاً أداة لتبرير الغزو الثقافي والسياسي، تحت شعار «تحرير المرأة».
إن تمثيل الحريم في لوحات المستشرقين هو إنتاج رمزي محمّل بخطاب أيديولوجي، تجاوز حدود الجماليات ليلعب دوراً في تشكيل صورة الآخر، وتبرير التفوق الغربي. ومن خلال منظور إدوارد سعيد، نفهم أن هذه التمثلات ليست مجرد انعكاس للشرق، بل إعادة اختراعه وفقاً لحاجات الغرب، عبر الجنس، والجندر، والسيطرة.
إن تفكيك هذه الصور اليوم لا يقل أهمية عن مواجهتها حين كانت تُنتج، فهو جزء من إعادة صياغة وعينا الثقافي، ونقد الموروث البصري الذي لا يزال يُثقل صورة الشرق، والمرأة، والهوية. لذا، فإن أي مشروع للتحرر الثقافي لا بد أن يمر عبر نقد الصورة، وتحريرها من أسر العين الاستعمارية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى