أ. د. عاهد حلس - عندما يصبح الواقع نفسُه غيرَ واقعي، وغيرَ عقلاني أصلًا، يصبح أدبُ البذاءة واللامعقول هو الأدبَ الواقعيَّ الوحيد، والأكثر التزامًا.

لقد حان الوقت لتأسيس نوعٍ جديدٍ من الأدب؛ أدبٍ يمكن أن نسمّيه “الأدب الغزّي”. فما تعيشه غزّة، منذ ما يقارب العامين، لا يمكن التعبير عنه إلا بلغةٍ فاضحة، جارحة، خارجةٍ عن كل مألوف؛ أدبٍ يسخر من كلّ شيء: من السياسة، من الأخلاق الزائفة، من النشرات الإخبارية، ومن النذالة التي تداهمنا يوميًّا بجرعاتٍ جديدة من البلادة المصقولة، كلما توهّمنا خيرًا في هذا العالم.
لقد انتهت صلاحيةُ اللغةِ العليا؛ فالوقتُ الآن هو وقتُ اللغة السفلى: اللغة القادرة على الاشتباك، والذود عن الغزّاوي الذي أصبح قلبه معملاً لاختبارات التحمّل والبقاء أمام موجات السفالة المعولمة.
فلا أدبَ إلا الأدب الذي يُشبه صرخة الغزّاوي في غرفة الغاز.
حتى اللحظة، لم تولد بعد تلك اللغة العارية، المجبولة من دمٍ وشظايا؛
اللغة التي تُكافئ المجزرة، وتكافئ كرامةَ وطنٍ تُهدر، عندما يُقبّل طفلٌ غزّيٌ يدَ جنديٍّ في مركز توزيع المساعدات، ثم يُقتل بالرصاص.
لغةٌ بحجم الإهانة المرتعشة في أصوات نساءٍ غزّاوياتٍ يجلسن أرضًا كالسبايا، ويُطلقن عبارات الترحيب باللغة الإنجليزية لموظفي التوزيع، طمعًا في حفنة طحين وبعض المعلّبات.
أدب اللامعقول، في هذه اللحظة، هو الأدب الواقعي الوحيد.
لأنّ الواقعَ أضحى كابوسًا لا يفهمه العقل، ولا يحتمله القلب.
حتى الآن، كلّ ما كُتب ويُكتب عن المحرقة ليس أكثر من اجترارٍ لما كُتب.
وقد نسي مَن يكتبون اليوم، أن لا أحد يعبر النهر مرتين.
فمن كتبوا مديحَ الظل العالي أو برقوق نيسان، لن يكتبوا اللغةَ نفسها في محرقة غزّة.
النصوص المازوخية، وبكائيات غزّة، التي استجدت في السنوات الأخيرة تحت تأثير خطابٍ إعلاميٍّ مشوّه، تقف خلفه قنواتٌ مشبوهة، وأحزابٌ احترفت التسوّل لبناء نفسها على حساب الكرامة الوطنية—لم تعُد تُطاق، بل فاضت عن المخزون البشري للشفقة.
ما زال رحمُ غزّة الأدبيُّ جافًّا.
لم تسقط بعد البويضةُ التي تُنجب شاعرًا يكون ابنًا لهذه اللحظة؛
شاعرًا بحجم درويش، أو نزار، أو مظفّر، أو أمل دنقل وهو يصيح: “لا تصالح”.
في رحيل زياد الرحباني، ما يلفت الانتباه إلى أعماله وموسيقاه كأحد أنبياء التمرّد الواعي، ما منحه فرادته ومكانته التي اكتشفها كثيرون في قلوبهم بعد رحيله:
قدرته على النزول إلى الأرض، والاشتباك مع الواقع، بلغةٍ يوميّةٍ وسهلة.
فلا أدبَ يُحكى من على الشرفة حين يكون معظمُ مَن في الساحة من اللصوص، والخونة، وقطّاع الطرق.
لا مكان في المحرقة لأدب النخبة، أو
بلاغة الأبراج العاجية .

أ.د.عاهد حلس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى