أحمد رجب شلتوت - بشر يتأملون حطامهم على أرصفة مدينة صاخبة

تشترك مجموعة "أرصفة قديمة" مع ما سبقها من مجموعات قصصية للقاص سمير الفيل في كشفها عن عالم سردي غني بالشخصيات الواقعية التي تقف على تخوم الحياة، وفي موضع الانتظار والتأمل والانكسار، وتسكن هوامش الزمان والمكان والمجتمع. فتصبح القصص وكأنها مرايا تكشف الذوات المشروخة للهوامش المسحوقة. ورغم تنوع القصص الظاهري، إلا أن هناك خيطًا ناظمًا بينها يُضفي عليها وحدة شعورية وجمالية، ويزيد من تماسكها بحيث تبدو وكأنها نصًا فسيفسائيًّا لا مجرد تجميع لمتفرقات.

بنية زمكانية

تُمثّل الأرصفة القديمة فضاءً دلاليًا مركبًا، فالأرصفة ليست فقط أماكن للعبور، بل تمثل فضاءات هامشية لا ينتمي إليها أحد لكنها شاهدة على مرور الجميع، وصفة «قديمة» تُحيل إلى الزمن الماضي المتهالك. وتشير أيضا إلى الذاكرة، الحنين، والخسارات المتراكمة. هكذا يدمج العنوان بين المكان العابر والزمان المهترئ، ويرصد تقاطعهما المنتج للهامش، فالرصيف القديم لا يوحي فقط بالمرور، بل أيضا بـالتوقف القسري، التآكل، والزمن الذي لا يمضي لكنه يثقل المكان

والزمن ليس مجرد خلفية بل قوة ضاغطة فمثلا في "عازف الكمان"، يُصبح الماضي ملاذًا لتعويض حاضر متآكل، وفي "نواة تسند زير" يعبّر عن مقاومة التغيير، الزمن هنا ليس خطيًا بل دائري، يمارس ضغطه على الشخصيات فلا تنمو في مسار تطوري، بل تتكرر داخل قلقها ومفارقتها، أما المكان فيبدو كمرآة للهامش، المكان في القصص ليس ديكورًا بل شريك أساسي في تشكيل الحالة الشعورية: الأرصفة، الأزقة، الكبائن، المصحات، الأكواخ، الميناء، الأسواق الشعبية، كلها أماكن مهمشة، تتآكل بفعل الزمن، وتعكس واقع الشخصيات المتآكل نفسيًا واجتماعيًا.

هذا المزج بين الزمان والمكان يؤسس لبنية زمكانية متكررة في القصص، فكلها تقريبًا تدور في فضاءات هامشية (الكشك، السيرك، السوق، البيت المتهالك)، وتُهيمن عليها ثنائية الزمن المفقود أو المتكرر. والماضي يستعاد دائما كوسيلة لإدانة الحاضر الذي يبدو كمجرد امتداد للماضي. فمثلا "عازف الكمان" يعيش في الزمن المؤجل، بينما "كشك خشبي" يُحوّل لحظة انتحار محتملة إلى وقفة تأمل تنقذ الحياة، الزمن أحيانًا يُستخدم بصيغة تجعل الشخصيات أسيرة في قبضة التكرار أو الشعور باللاجدوى، وهو ما يبدو في "تسريح م.م." أو "الونش".

هُويات متشظّية تتصادم

الشخصيات في قصص "أرصفة قديمة" مرسومة ببراعة من خلال تفاصيل دقيقة، تُظهر تناقضًا بين مظاهر السكون الخارجي والعصف الداخلي. فـعازف الكمان مثلًا، يحيا في عزلة اختيارية مفعمة بالحنين إلى الماضي والحزن على الفقد، بينما شخصية البطل في "منحة الترتر" تصارع الانهيار الداخلي في مجتمع لم يعد يملك له سندًا. النساء كذلك حاضرات بقوة وصلابة: منسية،

عبدالحميد بوصفه آخرًا مغتصبًا للحقوق، وفي "تسريح م.م."، الآخر هو رب العمل القاسي الذي يجرّد البطل من قيمته.

لكن قصصا أخرى تصور الآخر بوصفه مرآة للذات ففي "كشك خشبي"، تصبح السيدة العجوز وابنها المعاق مرآة للراوي، تخرجه من فكرة الانتحار، وفي "خل وجمل"، يبني الراوي علاقة إنسانية مع بثينة، تنبع من الرغبة في الإنقاذ لا التملك. وقد يغيب الآخر أو يفارق ليثير الحنين، كما في "عازف الكمان" و"أرصفة قديمة"، والأنا في القصص تتشكّل من خلال تصادمها مع الآخر أو حنينها إليه، ما يجعل العلاقة تتراوح بين الشفقة، والخذلان، والانكشاف.

وكثيرا ما يُفضي حضور التصادم بين الأنا والآخر إلى غياب التعاطف، فالآخر قد يُقدَّم بوصفه مصدرًا للهيمنة أو الإهمال أو الإنكار، كما في "الونش" و"تسريح م.م." و"السلك المشدود"، وهو ما يمنع نشوء علاقة إنسانية حقيقية لكن في بعض القصص، يحدث نوع من التعاطف المؤجل أو المشروط، كما في "كشك خشبي" أو في "خل وجمل" حيث التعاطف موجود لكنه مكبّل بالسياق الطبقي إجمالًا، عموما العلاقة بين الأنا والآخر في المجموعة مشحونة بالتوتر، والذات لا تجد في الآخر خلاصًا، التعاطف إن حدث يكون هشًّا، عابرًا، وهو ما يرسّخ أجواء التصادم والتشظي المسيطرة على قصص المجموعة التي تصور الإنسان وهو يتأمل حطامه الداخلي المنثور على أرصفة مدينة صاخبة.

ذوات متآكلة

تعاني شخصيات قصص مجموعة "أرصفة قديمة" من صراع داخلي بسبب عوامل متعددة، والكثير من الشخصيات تتوق إلى زمن سابق أكثر دفئًا، أو مجدًا، أو أمانًا، تجد نفسها منقطعة عن الآخرين، غارقة في مشاعر الوحدة أو القلق أو حتى رغبة مبطنة في الانتحار، ما يُضخم من الصراع النفسي لديها. وهذا الصراع ليس مجرد أداة درامية، بل هو جوهر التجربة الإنسانية كما يراها الكاتب. وهو أيضًا ما يمنح الشخصيات بعدًا إنسانيًا عميقًا يجعلها قريبة من القارئ رغم بساطة اللغة ووضوح البناء القصصي.

والعلاقة بين الصراع الداخلي والهشاشة في هذه المجموعة علاقة جدلية دائرية وليست خطية، فالصراع قد يكون سببا لهشاشة البشر فهو الذي يؤدي إلى تآكل الشخصيات من الداخل. مثلًا في "عازف الكمان"، الشخصية لا تعاني من هشاشة ظاهرة، بل من تآكل تدريجي بفعل الحنين والندم والعجز عن استعادة المجد، مما يُضعفها نفسيًا، رغم رصيدها السابق من الإنجاز، وفي "كشك خشبي" كانت نية الانتحار ناتجة عن احتدام صراع داخلي طويل مع الإحباط وفقدان الأمل، ما جعل الشخصية على وشك الانهيار قبل أن تتدخل لحظة عطف إنسانية.

وفي قصص أخرى تبدو الشخصيات هشة من الأساس اجتماعيًا أو نفسيًا فينمو الصراع كنتيجة منطقية لهذه الهشاشة، ففي "تلصص" فايد الذي خرج من السجن محطمًا، لم يكن يملك منظومة نفسية صلبة تحميه من السقوط في التلصص أو الانتقام، فصراعه الأخلاقي نتيجة طبيعية لهشاشته الاجتماعية والقيمية.

وفي بعض القصص، مثل "الونش" أو "تسريح م.م."، تكون العلاقة دائرية فنجد أن الهشاشة تولّد الصراع والصراع يفاقم الهشاشة، ثم تتكرر الحلقة أي أن الشخصية تبدأ ضعيفة، فيقودها ذلك إلى أزمة، فتضعف أكثر، ويُعاد إنتاج الصراع... وهكذا.

وهذا التوتر بين السبب والنتيجة يمثل أحد أبرز جماليات الكتابة في المجموعة، لأنه يجعل الشخصيات قابلة للتأويل، لا تُختزل في حالة واحدة، بل تقف دائمًا على الحافة بين القوة والانهيار، بين النجاة والسقوط.

وأخيرا قد يبدو للقارئ أن سمير الفيل لم يكتب قصصًا منفصلة، بل نسج سرديةً كونيةً عن الإنسان العادي الذي يُحاصر بأسئلة الوجود: ماذا يبقى منّا عندما يسرق الزمنُ أحلامنا؟ وكيف نقاوم اندثار الذاكرة في عالمٍ حرفته النسيان؟ قصص المجموعة تُجيب بأن الإنسان، مهما بلغت هشاشته، يظل قادرًا على ترك بصمةٍ واضحة وأثر باق على أرصفة الزمن، حتى لو كانت مجرد دمعةٍ جفَّفها المطر، فتصبح "الأرصفة القديمة" استعارةً لأقدارنا: مساحاتٌ مكشوفةٌ تهطل عليها أزمات الزمن، لكنها لا تفقد قدرتها على استيعاب أقدام جديدة، تحمل أحلامًا قديمةً تُشبهنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى