كرم الصباغ - تحليل البنية السردية لقصة لا للقاصة نهال النجار.

استهلال:
من خلال بنية سردية تتكئ على المجاز والرمز وتقنية الأنسنة، وتمزج بين الواقعيّ والعجائبيّ، وتتداخل فيها الأماكن والأزمنة، الماضي بمفرداته الدالة ( الحمير، الطريق، انعدام وسائل المواصلات، القرية) والحاضر بمفرداته الدالة (الصحفية- رئيس التحرير- المطعم) تفكك الكاتبة بنية القمع والخضوع داخل المجتمع، وتوجه نقدا لاذعا لا يخلو من السخرية والكوميديا السوداء إلى تواطؤ أفراد المجتمع، وتطرح أسئلتها الشائكة عن القهر الإنساني أيّا كانت صورته أو مصدره، وكنه المقاومة، وجدواها، ومدى قدرتها على إحداث التغيير.
العنوان:
يتألف العنوان من كلمة واحدة "لا" وهي -لغةً- حرف يأتي على عدّة صور: حرف جواب عن استفهام، أو حرف نفي، أو حرف نهي، أو حرف عطف. وفي جميع الحالات يُعدُّ مجيء "لا" بمفردها منفصلة عن سياقها لونًا من ألوان التكثيف البنائي عن طريق الإيجاز بالحذف، الذي يفتح بابا لتقدير المحذوف، ومن ثمّ يفتح بابًا للتأويل مما يجعل القارئ من العتبة الأولى للنص عتبة العنوان شريكا في إنتاج النصّ، وعليه فإنَّ العنوان في قصتنا تلك يؤدي وظيفته التحفيزية التي تغري القارئ بالولوج إلى العمارة النصية وقراءة النص لفك شفرة العنوان. ولا أستطيع في هذا الصدد أن أغفل ما تختزنه كلمة " لا" في العقل الجمعي لشتَّى المجتمعات من دلالة على الرفض والإدانة والمقاومة، وما قد يؤديه هذا الميراث الدلالي من تركيز بؤرة الدلالة حول معنى محدّد، لكنه يبقى معنى محتملًا لا أكثر، الأمر الذي يغري القارئ بالقراءة لمحاولة إثبات أو نفي ما أوحت به الكلمة للوهلة الأولى من معنى.
البنية السردية للقصة:
** الراوي المشارك: اعتمدت القصة على السّرد الذاتيّ بصوت الراوي المشارك وضمير المتكلم، مما يضفي على القصة طابعا حميميًّا اعترافيًّا، ويمهد الطريق من البداية لإحداث المفارقة في خاتمة القصة، والتي سأتعرض لها بعد قليل.
المكان والزمان: مزجت الكاتبة مزجًا متعمدًا بين الأماكن العصرية والأماكن المغلقة التي تنتمي إلى شكلا إلى الزمن الراهن ولكنها تنتمي فعلا إلى زمنٍ بائد، العصري تمثل في شقتها، والمطعم حيث تناولت لحم الحمير على أنه لحم بقر شهيّ الأمر الذي أمرضها لمدة سبعة أيام، ومكتب رئيس التحرير، حيث تمت المهاتفة وإخبارها بأمر رءوس الحمير الخمسين المقطوعة، والطريق المهجور الذي يمثل لا جسرا بين مكانين بقظر ما تمثل جسرا بين زمنين الماضي والحاضر، والأحرى جسرا بين التحضر حيث تزدهر حقوق الإنسان والتخلف والرجعية حيث تنعدم تلك الحقوق، وهنا تبرز القرية التي تمثل مكانا مغلقا معزولا، وبيئة خانقة حيث تنعدم وسائل المواصلات فلا تجد سوى ظهر الحمار كوسيلة بدائية قديمة، وحيث تنعدم حرية التعبير، ولغة الحوار، وحق الاختلاف والاعتراض، فيكون الذبح مصير من يقول لا. تقول الكاتبة: "حين هاتفني رئيس التحرير أخبرني أن أكثر من خمسين رأس حمارٍ مقطوعة ممددة على إحدى الطرق المهجورة، ذهبتُ، كان الدود قد نخَر عظامها، رأيتها تستلقي على طُنفُسةٍ مهترئة، لحق بمخيلتي تساؤل: لماذا الحمار ولا سواه؟! عدتُ عن شرودي بغتة على صوت نهيق، ظننته يبكي، أو ربما هكذا خُيِّل إليّ." وتقول: "نهار هذا اليوم شديد التلكؤ، أردتُ النزوح إلى القرية المجاورة المشكوك في أمرِها، لم تتوافر أيّ وسيلة مواصلات لسبرِ أغوارها سوى أن أمتطي ظهر حمار، بيد أنه في منتصف الطريق أنهكه التعب، فترفقتُ به، وأخذنا قسطًا من الراحة"
الشخصيات وتوظيف الرمز:
الصحفية: البطلة الرئيسة الباحثة عن الحقيقة التي تمتلك الوعي وإدراك الخلل في المجتمع والتي تكتوي بنار هذا الخلل الذي أمرضها، تتعاطف مع المستضعفين وقضاياهم وتتضامن معهم ولكنها مع أول مواجهة ترسب في الاختبار وتنزلق إلى زمرة المتواطئين والمنتفعين، ربما ترمز هنا إلى المثقف الذي يملك الوعي لكنه يعجز ويجبن عن المواجهة مما يمثل قدحا مباشرا في أخلاقه ومبادئه.
الحمار: يرمز إلى الطبقة المستضعفة أو الإنسان المقهور، ولقد وظفت الساردة ما يحمله الحمار من دلالة ا في العقل الجمعي أو الموروث الشعبي حيث يرمز إلى للغباء.. فكأن الكاتبة أرادت أن تسأل هل كان الحمار شجاعا مصيبا حينما حلم بالتغيير في ظل مجتمع متواطئ خانق تسوده ثقافة القطيع القائمة على الخوف والتخاذل أم كان غبيا مخطئا متهورا؟
قطيع الحمير: يرمز قطيع الحمير إلى عوام الطبقة المستضعفة التي تتسم بالخوف والجبن والتخاذل وإيثار السلامة الأمر الذي يمثل ضربة قاتلة لدعاة الإصلاح والتغيير.
ذبح الحمير وأكلها:
يرمز هذا الفعل الوحشي المشين إلى استغلال الضعفاء حتى بعد موتهم، وإلى إعادة تدوير القهر، عن طريق القمع في الحياة ثم الاستهلاك بعد الموت.
القرية وسكانها:
تمثل بنية السلطة المغلقة أو النظام القمعي الذي يُقصي كل صوت معارض
كلمة "لا":
بعد قراءة القصة بإمعان تكتشف أن كلمة " لا" تتخطى كونها كلمة رفض إلى فعل مجرم مزعج يستوجب العقاب، وهو في الوقت ذاته فعل محكوم بالفشل ما دام فعلا فرديا يفتقر إلى الدعم والتضامن.
البناء السردي: يتكون من ثلاث حلقات: التمهيد الواقعي الساخر: المرض الناتج عن أكل لحم الحمار، ومن ثم ألم البطن الذي يلم بالراوية لمدة سبعة أيام وهو مدخل عبثي يكسر أفق التوقع. تقول الكاتبة: " أقلب في الرزنامة، لقد مرَّ الكثيرُ من الوقتِ ولم ينزعْ أحدٌ عنها ورقةً، سبع ليالٍ لم يمسسها بشرٌ. كانت وعكتي الصحية من ذاك النوع الثقيل، لم أنتحرْ، لم يدُس لي أحدهم السُّم، لم أفقد وعيي إثر حادثٍ ما، فقط أكلتُ لحمَ حمار، هذا كلُ شيء، أخبروني أن هذا الحمارَ يستحقُ أن يؤكل، ثمةَ حمارٌ يختلفُ عن أخيه الحمار."
الرحلة و محاولة الاكتشاف عبر الانتقال إلى الطريق المهحورة ، ولقاء الحمار، والحوار الرمزي والدعم والاتفاق على انتقال الراوي إلى معسكر المقاومة بقول كلمة لا، وهنا تعتمد الكاتبة على الأنسنة، والترميز، وتمزج بسلاسة بين الواقعي والغرائبي، بحثا عن مساحة أرحب للتعبير يمكن من خلالها تمرير رسائلها الضمنية دون الوقوع في فخّ المباشرة. تقول الكاتبة: " نأكلُ قليلًا، ننامُ قليلًا، لا نستريح، ومن يقولُ "لا" تجزُّ رقبته، ويأكلُ البشر لحمه على أنه لحمُ بقرٍ شهي، فنحنُ - معشر الحمير- كائناتٌ صدئة، نموتُ بغيرِ طقوسٍ جنائزية، لا بكاء، لا حزن يُخيمُ على مساءِ أحدنا، لا إناث تولولُ عند الصباح، وكان أخي الحمار زعيمًا بين قطيعِ الحمير" وتقول: " نأكلُ قليلًا، ننامُ قليلًا، لا نستريح، ومن يقولُ "لا" تجزُّ رقبته، ويأكلُ البشر لحمه على أنه لحمُ بقرٍ شهي، فنحنُ - معشر الحمير- كائناتٌ صدئة، نموتُ بغيرِ طقوسٍ جنائزية، لا بكاء، لا حزن يُخيمُ على مساءِ أحدنا، لا إناث تولولُ عند الصباح، وكان أخي الحمار زعيمًا بين قطيعِ الحمير"
الذروة والانكشاف والقفلة والمفارقة: عبر الانتقال إلى القرية ومصادرة الحمار عند الساحة التي تجزّ فيها الرءوس، تقول الكاتبة: " دلفتُ للمضايفة، قلتُ لسيدهم:
- لا يعجبني أمرُ الحمار..
- من عاداتنا لا نتناقش إلا بعد الاستضافة، الاستضافة أولا يا آنستي..
قدموا لي وجبة لحمٍ فاخرة، أغرتني لتناولها، كما أنستني العقد الشفهي الذي أبرمته مع الحمار على قول كلمة لا، تناولتُ الطبق فبدأ بطني يتلوى، تماسكتُ وطلبتُ الحمار حتى أعودُ مجددًا إلى مدينتي، فأتوا بحمارٍ شروى الحمارِ الذي كان.
- قلت: أريد الحمار ذاته..
- قالوا: لقد مات..
- قلتُ: كيف ؟!..
- قالوا: لأنه قال لا.."
ونلاحظ مما سبق أنّ القفلة الدائرية التي ختمت بها الكاتبة نصها، اتسمت بالمفارقة حيث انزلقت الراوية/ الصحفية المتعاطفة ضمنا مع الحمار إلى قاع المتواطئين المتخاذلين ينقض العهد والمشاركة في أكل لحم رفيقها الحمار بعد استسلامها للضغط وقبولها النزول ضيفة على الجناة. وفي ذلك إحياء لمقولة الفرزدق " قلوبهم معك، وسيوفهم عليك" وهنا توجه الكاتبة رسالة ضمنية شائكة عن قدرة كل ما هو أخلاقي على المواجهة والصمود في ظلّ البيئة القمعية المغلقة الخانقة. وثمة مفارقة أخرى ضمنية مررتها الكاتبة عبر طيات قصتها وهي أن الحمير التي تعرضت للذبح كثمنٍ للتمسك بمواقفها ومبادئها أكثر وعيا وأشدّ اتصافا بالأخلاق الحسنة من الإنسان نفسه الذي دلّ عليه موقف الصحفية التي نكصت على العهد. الحوار و الأنسنة:
يلعب الحوار دورا محوريا في النصّ، حيث يكشف عن عدالة قضية الحمير/ الطبقة المستضعفة، ويكشف عن ملامح شخصية الصحفية المثقفة الواعية المتعاطفة ضمنيا مع الحمير المذبوحة والرافضة للقهر، ويمهد الحوار للقفلة وما حملته من مفارقة كسرت أفق توقع القارئ لنكتشف أن تعاطف الصحفية كان تعاطفا لحظيا لم يتطور ليصبح موقف راسخ أو فعل مقاوم. هذا وقد لجأت الكاتبة إلى تقنية الأنسنة بمنح الحمار صوتا ووعيا، الأمر الذي فتح بابًا رحبًا لمزج الواقعيّ بالعجائبيّ مما أضفى على القصة سحرا ومتعة، وفتح بابا أرحب للتعبير عن المشاعر والأفكار المكبوتة، واستخدام لعبة الأقنعة بتمرير الرسائل الضمنية على لسان شخصياتٍ عجائبية كشخصية الحمار في قصتنا تلك، ومن ثم توجيه النقد اللاذع والساخر في آنٍ إلى ثقافة الخضوع.
الأسئلة الفلسفية:
تطرح القصة العديد من الأسئلة الفلسفية عن قدرة الإنسان على مقاومة القبح بمفرده، وعن موقع كلمة " لا " من الإعراب هل هي فعل شجاع أم فعل متهور يشبه الانتحار؟ وعن سرّ صمت السواد الأعظم من المقهورين على الظلم، وعن مدى كفاية الوعي وحده لإحداث التغيير.
توظيف التراث:
وظفت الكاتبة العديد من الألفاظ المعجمية التراثية بين طيات قصتها جنبا إلى جنب الألفاظ العصرية من قبيل "طُنفُسة" بمعنى البساط الذي له وبر رقيق، و "رَحبَ المَباءة" بمعنى واسع الكرم والجود والسخاء، و " فأتوا بحمارٍ شروى الحمارِ" شروى بمعنى المِثْل، أو النظير، أو الشبيه، ومن وجهة نظري أنّ الكاتبة من خلال الركون إلى تلك الألفاظ أرادت أن تشير إلى أن ما تعاني منه مجتمعاتنا العربية من آفات مزمنة إنما هو أمر قديم متصل وميراث سلبي تناقلته الأجيال، ميراث مرشح للاستمرار، ويعكس ذلك رؤية تشاؤمية تعكسها القصة.

..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى