زمن النص في قراءة زين المعبدي: عمق أكاديمي وفلسفي في تحليل قصتي القصيرة جدًّا 'ظل على الكرسي- د.أيمن دراوشة

زمن النص في قراءة زين المعبدي:

د.أيمن دراوشة

عمق أكاديمي وفلسفي في تحليل قصتي القصيرة جدًّا 'ظل على الكرسي


الناقد العبقري — زين المعبدي — لم يكتفِ بالانطباع العام، بل دخل إلى البنية الزمنية للنص، وربطها بمفاهيم أكاديمية مستندة إلى مرجع علمي (عبد الملك مرتاض)، وشرح كيف توزعت الأزمنة الخمسة داخل نصي بدقة عالية.

سمات جمالية في النقد:

1- المنهجية: بدأ بتمهيد نظري عن الزمن وتعريفاته، ثم انتقل إلى التطبيق على النص، وهذا يعطي القراءة عمقًا أكاديميًا.

2- التفكيك البنيوي: فصل الأزمنة (المتواصل، المتعاقب، المنقطع، الغائب، الذاتي) وربط كل منها بجملة أو مشهد من النص.

3- البعد الفلسفي: وسّع دلالة النص ليجعله انعكاسًا لعمر الإنسان وسعيه وراء أوهام الراحة في الدنيا.

4- اللغة النقدية: استعمل لغة راقية، مع اقتباسات من النص، ومصطلحات نقدية دقيقة (التكثيف، الرمزية، الكلاسيم، المفارقات...).



5- التقدير الأدبي: وهو ختام النقد.


مثل هذا النقد لا يكتفي بشرح النص، بل يرفعه إلى مستوى الدراسة المرجعية التي يمكن أن يُستشهد بها في بحوث أكاديمية.

وقراءة بحجم هذا العمق، لا تُشعل ضوء النص فقط، بل تكشف ممراته الخفية.

شكري لك، أيها الناقد الأصيل، على هذا التحليل الممنهج الذي منح "ظل على الكرسي" حياة أخرى في فضاء النقد.

امتنان لك بحجم ما أضأته من زوايا، وبحجم ما أضفتَه من قيمةٍ إلى الحرف.

--------------

تقسيمات الزمن في أقصوصة

"" ظل على الكرسي ""

للأديب القاص / أيمن دراوشة


--

حلمي بسيط ككرسيٍّ فارغٍ من الجالسين، والذي لا يشغل باله سوى انتظار من غاب بلا موعد. حاولت أن أغذية بالحضور والأمل، لكنَّ الصَّمت هناك كان أعمق مما ظننت، والصبر أكثر شراسة.

في لحظة من الصمت الساكن، أدركت فجأة أنَّ المقعد لم يكن فارغًا قط، بل أنا الجالس فيه طوال الوقت، مجرد ظل بلا روح، حلمٌ ميتٌ ينتظر ولادة لا تأتي.

تمهيد


عَّرفَ علماء اللغة الزمن بأنه:

قليل الوقت وكثيره وأعطوه أكثر من معنى، وقيمة.

فمنهم من قال:

أنَّ الزَّمن، والزمان، والدهر شيء، واحد.

ومنهم من قال إنَّ الزمان محدود في شهرين إلى ستة أشهر بينما الدهر لا ينقطع.

وقال بعضهم أن الزمان يقع على جميع الدهر وبعضه.

ومن الواضح أن مفهوم الزمن اختلف فيه الفلاسفة والعلماء والرياضيون واللغويون والأدباء

بل إنَّ هذا الاختلاف وصل إلى الاختلاف في العلم الواحد.

وأشهر تعريف للزمن هو:

الزمن ناقوس أو ناموس كوني تتفاوت فيه الأثراء بتفاوت زاوية الرؤية والرائي.


ومن ضمن التقسيمات التي ذكرها الاستاذ الدكتور / عبد الملك مرتاض في كتابه مفاهيم الزمن، فالزمن الأول هو الزمن المتواصل (الكوني).

وهو الزمن المنصرف إلى تكون العالم وامتداد عمره، وانتهاء مساره فهو الزمن الطولي الأكبر

الزمن الأول في الاقصوصة متمثل في:

الحضور والغياب، الواقع والحلم ولحظة الاكتشاف حضر عندما علم أنه هو الجالس على الكرسي كظل بلا روح/ أنَّ المقعد لم يكن فارغًا قط، بل أنا الجالس فيه طوال الوقت.

والزمن الثاني أطلق عليه الدكتور عبد الملك اسم الزمن المتعاقب.

أو الدائري

(بعضه يعقُب البعض)

ومنه زمن الفصول الأربعة وكذلك الليل والنهار وهذا الزمن اتضح في اقصوصة أيمن عندما قال القاص أو الروي المشترك / انتظار من غاب بلا موعد فالإيام تتعاقب وتمر ومازال هو ينتظر.

أمَّا الزمن الثالث فهو الزمن المنقطع (التشظي).

وهو الذي يشمل الحدث مثل أعمار الناس، والدول الحاكمة فهو زمن طولي لفترة معينة، (منقطعة وغير متعاقبة).

وقد اتضح في نفس الاقصوصة عندما ذكر الراوي جملة /في لحظة من الصمت الساكن، أدركت فجأة ....

هنا تحول الزمن من مرحلة الانتظار والسكون التي مرت إلى مرحلة الاكتشاف والحضور المفاجئ

أي تحول من زمن مضى إلى زمن حاضر استيقظ فيه البطل من غفلة الانتظار.

أما الزمن الرابع فهو الزمن الغائب.

وهو المتصل بأعمار الناس حين ينامون وحين يقعون في غيبوبة، أوقبل تكون الوعي بالزمان وكذلك حال الجنين والرضيع وقد تجلي في الاقصوصة في الحلم الذي شبهه البطل بالكرسي وكان فيه دون وعي بأنه ينتظر من لا يأتي

وقد تجلى الزمن الخامس وهو الزمن الذاتي أو النفسي والذي عرفه مرتاض في نفس الكتاب.

بأنه الشعور بقصر لحظات التي تمر على الانسان مع أنها لحظات عادية تمر كغيرها من اللحظات تجلى هذا الزمن عندما اكتشف البطل أنه هو من كان يجلس على الكرسي

//المقعد لم يكن فارغًا قط، بل أنا الجالس فيه طوال الوقت//

لمحة فنية


تعالج الاقصوصة عمر الإنسان الذي يبحث عن الراحة دائماً والتى هي بالأساس غير موجودة في الحياة الدنيا

مصداقاً لقول الله تعالى:

""لقد خلقنا الانسان في كبد ""

سورة البلد آية٤

أي في مشقة وتعب ولكن الإنسان دائمًا يبحث عما هو غير موجود في الدنيا فمن البشر ما يضيّع عمره بحثاً عن المال ويظن أن السعادة والراحة تكمن في جمع المال ومنهم من يضيع عمره في الإنجاب والذرية ظناً منه أنها ستريحه عند الكبر ومنهم من يضيع عمره بحثاً عن المنصب والكرسي ظناً منه أيضاً أن فيها متعه وراحته وبالأخير يكتشف أن عمره ضاع في انتظار ما لم يتحقق في الدنيا ابدا فمن جمع المال لن يعيد المال له عمره المنصرم ومن أنجب ذرية لن تعيد له عمره ومن بحث عن منصباً لن ينفعه منصبه عند رب العالمين إن لم يكن عادلاً ...وهكذا تمر الحياة وتنقضي لنكتشف بعد فوات الأوان أننا نبحث عن أشياء لم تخلق لنا في الدنيا ولكن هذا الاكتشاف بعد أن يضيع العمر ويشتعل الراس شيباً فنرى أنفسنا ننتظر حلماً ميتاً لا ياتي فالأموات لا يعودون والأعمار كذلك ...

استخدم الكاتب؛ لتصل إلينا هذه الفكرة العديد من التقانات والعناصر منها تقانة التكثيف التي استخدمها في سرد الحدث بأقل عدد من الكلمات والتي ساعدت بدورها في تسريع الزمن متكاتفة مع الوصف أو الاستراحة في مشهدية تصويرية تكسر حدة الصوت وتمنع الرتابة والملل مستخدما لغة شاعرية حملت أوجها من البلاغة والصور الشعرية التجريدية والتجسيدية والمونسنة.

كذلك استخدمت تقانة الزمن بحرفية كما ذكرنا وكأنه يصور حياة الإنسان منذ وعيه وحتى مماته.

المكان

يقول د. صبري حافظ في خاصية مجيء المكان في القصة: "فالمكان في الأقصوصة غير مصاغ بمصطلح بصري، إنه مكان لا تستطيع أن تراه وإن كان بإمكانك تصوره. إنه مكان في زمن وهمى هو

الزمن الأقصوصي والمكان هنا هو الحلم الذي يشبه الكرسي “.

إن أهمية المكان فى هذه الأقصوصة تكمن في رمزيته لأن "المكان في القصة القصيرة يظهر بصورة رمزية فى معظم الأحيان، ويقوم المتلقي برسم

المكان ودلالته عن طريق التخيل واستكناه الدلالة وكما ذكرنا رمزية الكرسي"،

فالمكان كان معنوياً حين كان حلما ثم أصبح ماديا حين شبهه القاص بالكرسي الضيق الذي يشبه دنيتنا الضيقة رغم رحابتها

ثم اتسع حينما وصلت الاقصوصة للذروة وتحول الكرسي إلى مقعد وكأنه تحدث عن الناس كافة وطرائق حياتهم

وكذلك استخدم عنصر الكلاسيم

وتمثَّل هذا العنصر في الكرسي ذا الشكل المحدد والذي غالبًا ما يكون لشخص واحد ثم تحول بعد الهبوط من الذروة والوصول إلى مرحلة الكشف أو الحل إلى مقعد ليشمل كل ما يجلس عليه الإنسان سواء فرادى أو جماعات

المفارقات.

ظهرت بين غياب الجالسين في الاستهلال والحضور في الخاتمة

زين المعبدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى