محمد شعير - صنع الله إبراهيم... «شرف» الكلمة والموقف!

صباح أمس الأول، الأربعاء، بمجرد الإعلان عن رحيل الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم بعد صراع مع المرض، لم يكن عسيرًا على كثير من العاملين في الحقل الصحفي أو الثقافي أن يخرج كل منهم على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة له مع الرجل، أو حكاية عن موقف صغير معه، أو تعليق سمعه منه، ولعل في ذلك مدخلًا يمكن الولوج منه إلى شخصية الرجل، الإنسان والكاتب معًا.
برغم أن صنع الله إبراهيم لم يكن كثير الظهور أو الانخراط في الفاعليات الثقافية، في أغلب سنوات عمره، إلا أنه كان عندما يفعل يبدو شديد القرب من الناس، البشر، فهو واحد منهم، يكتب عنهم، ولهم، فكيف يتعالى عليهم أو يهجرهم؟!.
صنع الله، هو «الإنسان» البسيط، الحقيقي لا المدعي، الذي لا يحتاج لأن يلوي شفتيه كما يفعل أنصاف المثقفين كي يبدو كبيرًا، فهو كبير بذاته، بعمله، بكتابته، بدقته ودأبه وجديته. ولعل تلك الصفات الثلاثة، التي كانت ديدنه، هي مفتاح شخصية «الكاتب» صنع الله إبراهيم، فهو لا يكتب عن شيء إلا إذا خبره، وسبر غوره، اختبر تفاصيله وأمسك بمفاصله، ولأن قضيته الأولى هي كرامة الإنسان وحريته فقد كان طبيعيًّا ألا ينفصل الكاتب عن الإنسان في شخصيته، كلاهما واحدٌ، صادقٌ وشريف ومتسقٌ مع ذاته.
في الكتابة، يفعل صنع الله إبراهيم ما يحب، يكسر القواعد على هواه، يتلاعب بالقراء والنقاد معًا، لكن المهم عنده هو الحكي، والجذب حتى آخر سطر، يمسك بتلابيب قارئه فيعجز هذا - بإرادته- عن مغادرته. وبعد كلمة «تمت»؛ فليستخرج الكل من الحكاية ما شاء وعيه من أفكار وما استطاع إليه سبيلًا من أسئلة.
في روايته الرائعة «ذات»؛ انظر إلى هذه البداية النارية المتلاعبة، إذ يقول: «نستطيع أن نبدأ قصة ذات من البداية الطبيعية، أي من اللحظة التي انزلقت فيها إلى عالمنا ملوثة بالدماء، وما تلى ذلك من أول صدمة تعرضت لها، عندما رُفعت في الهواء، وقُلبت رأسًا على عقب، ثم...»، إلا أنه يعود ليستدرك: «لكن بدايةً كهذه لن يرحب بها النقاد، لأن الطريق المستقيم، في الأدب والأخلاق على السواء، لا يؤدي إلى شيء ذي بال، ولن يتمخض عنه في حالتنا هذه سوى إضاعة وقت كلٍّ من القارئ والكاتب».
وللقارئ هنا أن يتساءل: من القائل؛ أهو الراوي في العمل الأدبي أم الكاتب صنع الله إبراهيم نفسه؟!. لا يهم. المهم أن تواصل استمتاعك بالحكاية. أما الناقد؛ فكأنما يقول له الكاتب هنا: دع عنكَ كل مدارسك النقدية ونظرياتك، دعني أكسر الإيهام، وأُسقطُ الحائط الرابع كما المسرح، أغلق كتبك وامضِ معي في طريقي؛ طريق خاص متفرد، لن تخرج منه؛ قارئًا أو ناقدًا، إلا وقد وجدت حكاية جاذبة، مشوقة، تحلل وتُشرِّح - في الوقت نفسه- بعمق وألم وسخرية حقبة تاريخية كاملة من تاريخ البلاد؛ مصر، التي عبَّرت عنها بطلة الرواية؛ «ذات»!.
«شرف»، اسمٌ دالٌّ على صفة، وثيقة الصلة بالكاتب، لصيقةٌ برجل عظيم اسمه صنع الله إبراهيم، لكن الاسم أيضًا هو عنوان إحدى رواياته؛ «شرف»، كما اسم بطلها، وهي الرواية التي يجبرك الكاتب من خلالها على أن تدخل السجن برجليك، بملء إرادتك، لترى كيف يتصرف السجناء، وتعرف القواعد الدقيقة المعمول بها، سواء تلك المرتبطة بقوانين السجون أو أعراف الزنازين. لا يكتب الرجل عن شيء إلا وهو يعرفه، ليبدع بعدها أدبًا جادًّا دقيق التفاصيل، ويتركك بعدها لتسأل نفسك حول عبثية الحياة التي يمكن أن تقود شابًّا صغيرًا إلى كارثة، برغم أنه «شرف»، مجرد إنسان!.
سوف يمضي وقتٌ طويلٌ يظل فيه قراء ونقاد الأدب مغرمين بفهم أسرار الخلطة السحرية «للكاتب» صنع الله إبراهيم، كما مضى وقت طويل على لقاء وحيد جمع كاتب هذه السطور «بالإنسان» الشريف «الأستاذ صنع الله».
جرى ذلك قبل 22 عامًا بالتمام، في مثل هذه الأيام من شهر أغسطس، فاجأني الزميل علاء البربري الكاتب الصحفي في «الأهرام»، وكان يعرف الأستاذ شخصيًّا، بعرض أن أقرأ مخطوطة رواية صنع الله إبراهيم الجديدة «أمريكانلي»، وأن أبدي ملاحظاتي حولها لأعرضها عليه بنفسي في لقاء بمنزله!.. تعجبت.. ذُهلت.. أية ملاحظات؟!.. إنه صنع الله إبراهيم!.. رد صديقي سريعًا بأن الأستاذ يحب هذا، بل يطلبه.
وقد كان.. قرأت له.. وقابلته.. رجل بسيط، ودود، مستمع جيد، قليل الكلام، لكن كلماته تمضي دومًا نحو الهدف. في شرفة منزله، عرض الشاي أو القهوة فقط للضيافة، معتذرًا بابتسامة مهذبة عن عدم وجود مشروبات غازية، مبررًا: «مقاطعين»، فتذكرت في الحال مُلصقين صغيرين مُعلقين على باب منزله، عن دعم القضية الفلسطينية، أما البيت نفسه فأغلبه مكتبة، من الأرض إلى السقف، ولا عجب.. فهو بيت صنع الله إبراهيم.
طلب الأستاذ باهتمام معرفة ملاحظات التلميذ، وقد حدث، إلا أن أبرز ما قلته له بصدق هو أنني من خلال روايته قد «زرت أمريكا»، رأيتها بكلماته، عشت فيها لفترة محددة بفعل دقة وصفه. لاحظت ابتسامة صغيرة خجلى ترتسم على شفتيه، سرعان ما طواها طالبًا معرفة ما لم يعجبني.. ذلك هو صنع الله إبراهيم.. الكبير بذاته.. بشرفه.. وقد رحل الكاتب الشريف بجسده.. لكن الكبار لا يرحلون.. فإبداعهم باق.. يلهم الأجيال ويؤرخ للعصور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى