خالد محمد مندور - فيض الخاطر... اللغة والأفكار والنظرة التاريخية

"شاطر ومشطور وبينهما طازج " أي الساندويتش ، هكذا كانت محاولات التفكهة تدور حول عمل مجمع اللغة العربية في محاولاته إيجاد أسماء لأشياء جديدة ظهرت في الحياة العربية ، وبصرف النظر عن صحة أن المجمع قد خرج ب "الشاطر والمشطور " أم لا ، فمن المؤكد ان اللغة تتطور وتتغير وهو واقع لا يحتاج أحد الى إثباته ، فلو قرات الشعر العربي القديم ستجد صعوبة في الفهم ،صعوبة في فهم كلمات انقرضت وتركيبات لغوية لم تعد مستخدمة بل ستجد أيضا اختلافات في فهم معانى الجمل الكاملة ، كما ستجد أيضا أن مستوى هذه الصعوبة يتناقص مع اقتراب زمن كتابته من زماننا الحالي ، هذا التناقص في الصعوبة الناشئ من ازدياد التماثل في المعاني والكلمات والصياغات مع استخدام اللغة في زماننا الحالي .

ومما ل شك فيه أن استخدام اللغة قد تطور تطورا كبيرا، خصوصا منذ محاولات النهضة التي قادها محمد على باشا، ساكن الجنان، لكن مثل هذا التطور كان محل صراع كبير ليس فقط على الصعيد الفكري بين تيارات أدبية، بل بين تيارات سياسية تعبر عن مصالح طبقية خاصة، فليس صدفة أن الجريدة الأولى التي أصدرها عبد الله النديم، التنكيت والتبكيت، كانت باللغة العامية، كما أن اقتراب اللغة العربية من العامية يتزايد، الامر الشديد الوضوح في الكتابات الشعرية.

وقضية تطور اللغة ليست قضية حديثة، بل هي قديمة جدا لكن إدراكها يتوقف على الواقع الأدبي والفكري السائد، ويبدو أن الامر كان محل نقاش في أربعينات القرن الماضي، فكتب محمد مندور مقالة سنة 1943 ونشرها في كتابة في الميزان الجديد، مقال يجمع بين جدل اللغة مع الواقع والنظرة التاريخية لتطور اللغات، نظرة في منتهى الشجاعة لهذا المتمرد الكبير الذى خرج لمناطحة من يعتقدون أنهم قد ملكوا السماء والأرض، وبرغم ذلك فان مندور الشاب، في ذلك الزمان، قد طور موقفه بعد أن أزداد نضجه ولكنه احتفظ بجوهرة بعد أن أصبح شيخا وأصبح أكثر رفقا في الحوار.

فهكذا كتب محمد مندور الشاب
حول اللغة 1943
"ثم إن مسألة الصحة والخطأ في اللغات أصبحت مسألة تافهة لا يُحرص عليها في غير مجال التعليم المدرسي، وأما العلم فقد تقدم وأصبحت المناهج تاريخية فترى العلماء اليوم لا يقررون الخطأ والصواب في اللغات، وإنما يستقرئون الاستعمالات عند كبار الكُتَّاب ويفسرون ما يطرأ على اللغة من تطور.
ومن الغريب أن نظل نحن متردين في طرق التفكير التي تخلص منها العالم المتحضر منذ أكثر من قرن!
فاللغة العامية ذاتها ليست مجموعة أخطاء، وإنما هي تطور عادي مألوف في كل اللغات، واللغة الفرنسية والإيطالية كذلك ليستا أخطاء في اللغة اللاتينية.
إذن فكلام الأب الكرملي وكلام زكريا إبراهيم حذلقة تافهة ومماحكات لا علاقة لها بمناهج البحث في اللغات التي لم تعد تقريرية Dogmatique في شيء.
وأما عنصر الثبات في اللغة وهو ما يطالب به الأديب زكريا حتى لا يصير الأمر فوضى، فذلك ما لا أستطيع أنا أن أدخله في اللغة، بل ولا المجمع اللغوي نفسه، عنصر الثبات هو استعمال كبار الكُتَّاب لمفردات اللغة وتراكيبها، ثم قراءة مؤلفات كبار الكُتَّاب في المدارس والجامعات لتشيع تلك الاستعمالات، وكل محاولة غير هذه السبيل لن تجدي شيئًا.
اللغة كائن حي لا يقنن له، وأكبر دليل على صحة ما أقول هو أن المجمع اللغوي لم يستطع شيئًا في هذا الباب ولن يستطيع."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى