جئنا بلا معرفة ، ونمضي بلا يقين ... فتحت ــــ عودة موسيقار الأجيال "محمد عبد الوهاب" للغناء ـــــ نافذة للجدل ، وقد شكّل وقوفه على المسرح في مطلع التسعينيات ليغني "من غير ليه" استثناء ، إذْ لم يكن الأمر مجرّد عودة عابرة إلى الغناء بعد سنوات من الصمت، بل كان وقوف فيلسوف حكيم على عتبة النهاية، حاملا زهاء قرن من الحياة والمجد، ليعترف أمام جمهوره أنّه ما زال يجهل سر المجيء والمصير. لقد تحوّل صوته في هذه الأغنية إلى تجسيد فلسفي خالص أكثر منه أداء طربي، لكأنّه يقول: بعد كل هذا العمر، بعد كل ما نلته من مجد وسلطة وفن، ما زلت أتساءل ببساطة طفل ودهشة انسان : جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين... !
الكلمات التي كتبها "مرسي جميل عزيز" ليست مجرد نص غنائي، بقدر ما هي بيان أنطولوجي مفتوح على الأسئلة الأولى للوجود . عبارة "جايين الدنيا ما نعرف ليه" تلخص ما قاله هايدغر عن الإنسان بوصفه كائنا "مُلقى في العالم"، يولد دون أن يُسأل عن رغبته في المجيء، ويجد نفسه في واقع لا يملك تفسيره. وعبارة "ولا رايحين فين" تعيدنا إلى سؤال الغاية الغائية الذي أقلق الفلاسفة من كيركغارد إلى الغزالي، وتذكرنا بسارتر الذي أعلن أن الوجود يسبق الماهية وأن الإنسان مدفوع ليصنع معناه بنفسه. لكن النص هنا لا يمنحنا يقينا، بل يتركنا في مواجهة الفراغ: نحن موجودون بلا علم، وذاهبون بلا يقين، ونبقى أسرى السؤال .
في مواجهة هذا المأزق الوجودي، يطلّ الحب من نافذة اليقين ، كجواب مؤقت وبديل عن اليقين الغائب. "من غير ليه… ليه بتيجي عليّا؟ ليه بتشغلني بيك من غير ليه؟" ليست تساؤلات عاطفية عابرة، بل محاولة للعثور على معنى يمنح للحياة ما يجعلها قابلة للاحتمال. الحب هنا بديل وجودي، يملأ العدم بالامتلاء اللّحظي، ويمنح الإنسان يقينا وجدانيّا حين يعجز عن إدراك يقين كوني. هكذا يصبح الحب عند عبد الوهاب أشبه بما سماه كيركغارد "وثبة الإيمان"، وما رآه ابن حزم في طوق الحمامة اتحادا غامضا بين الأرواح من غير سبب.
لكن ما يعمّق التجربة أكثر هو شخصية عبد الوهاب نفسه. فهو لم يكن في مطلع شبابه حين غنى هذه الكلمات، بل في أواخر عمره. رجل عاش كل مجد الفن والسياسة، وصار رمزا للقرن العشرين العربي، ثم يعود ليعترف ببساطة أنّه لا يعرف "ليه". صوته لم يكن يستعرض قوته كما في السابق، بل بدا أقرب إلى همس رجل حكيم يبوح بسرّ، يحمل هشاشة العمر وصدق التجربة، فيتحوّل الضعف الصوتي ذاته إلى قوة فلسفية، تماما كما يقرّ سقراط بأنّ الحكمة أن تعلم أنّك لا تعلم. لقد غنى عبد الوهاب نفسه ككائن بشري متسائل، لا كفنان مستعرض.
حتىّ الموسيقى لم تكن مجرد مرافقة للنص، بل نصا موازيا له. المقدمة جاءت بطيئة، متأمّلة بإيقاع شبه ساكن، كأنّها تترجم فراغ الحيرة الوجودية بلغة الصوت. أمّا اللّحن فيتحرّك بصفاء وشفافية ...كأنّ السؤال يُطرح بلسان طفل رغم عمق النضوج . كلمة "ليه" نفسها تحولت إلى علامة استفهام موسيقية عبر مدّها في خط لحني صاعد، وكأنّ اللّحن لا يقول فقط بل يسأل. أمّا الأداء الصوتي فكان واعيا بحدوده، إذ لم يسع عبد الوهاب إلى القوة، بل إلى الصدق، فجعل من الهشاشة صوتا للحكمة .
بهذا تغدو قصيدة "من غير ليه" أكثر من أغنية حبّ. إنها بيان أنطولوجي ـــــ موسيقي يبدأ بأسئلة المجيء والمصير، ويجد في الحبّ جوابا مؤقتا وملاذا آمنا من التيه ، ويختم بصوت رجل فيلسوف يغني الحيرة نفسها. لقد جمع عبد الوهاب في هذه التجربة بين الفن والفلسفة، بين الحكمة والحب، بين الحيرة والصفاء، فلم تكن الأغنية خاتمة مشواره الفني فحسب، بل قصيدته الفلسفية الأخيرة، حيث يتحول الصوت إلى سؤال، والموسيقى إلى دهشة، والشيخوخة إلى حكمة مفتوحة على الغموض . فيلخّص معنى الوجود في قصيدة ، كأنّه يترنّم بأسلوب فيلسوف يؤدّي النرفانا فيبوح بحكمة ، أنّ الحبَّ قوّة غامضة ،وقَدَر لا يُعلّل. وبِنوتات ، أنّ البساطة الصافية قد تكون أعمق من أي تعقيد . وتصرخ بإنسانية عالية لتقول : إن القلب لا يعجز، وإن دهشة الحبّ هي آخر ما يبقى للإنسان مهما طال به العمر ،و أنّ سرّ الوجود لا يُجاب عليه باليقين، بل يُعاش بالحبّ والدهشة الأولى التي لا يشيخ القلب عنها.
ليلى تبّاني ـــــ الجزائر
الكلمات التي كتبها "مرسي جميل عزيز" ليست مجرد نص غنائي، بقدر ما هي بيان أنطولوجي مفتوح على الأسئلة الأولى للوجود . عبارة "جايين الدنيا ما نعرف ليه" تلخص ما قاله هايدغر عن الإنسان بوصفه كائنا "مُلقى في العالم"، يولد دون أن يُسأل عن رغبته في المجيء، ويجد نفسه في واقع لا يملك تفسيره. وعبارة "ولا رايحين فين" تعيدنا إلى سؤال الغاية الغائية الذي أقلق الفلاسفة من كيركغارد إلى الغزالي، وتذكرنا بسارتر الذي أعلن أن الوجود يسبق الماهية وأن الإنسان مدفوع ليصنع معناه بنفسه. لكن النص هنا لا يمنحنا يقينا، بل يتركنا في مواجهة الفراغ: نحن موجودون بلا علم، وذاهبون بلا يقين، ونبقى أسرى السؤال .
في مواجهة هذا المأزق الوجودي، يطلّ الحب من نافذة اليقين ، كجواب مؤقت وبديل عن اليقين الغائب. "من غير ليه… ليه بتيجي عليّا؟ ليه بتشغلني بيك من غير ليه؟" ليست تساؤلات عاطفية عابرة، بل محاولة للعثور على معنى يمنح للحياة ما يجعلها قابلة للاحتمال. الحب هنا بديل وجودي، يملأ العدم بالامتلاء اللّحظي، ويمنح الإنسان يقينا وجدانيّا حين يعجز عن إدراك يقين كوني. هكذا يصبح الحب عند عبد الوهاب أشبه بما سماه كيركغارد "وثبة الإيمان"، وما رآه ابن حزم في طوق الحمامة اتحادا غامضا بين الأرواح من غير سبب.
لكن ما يعمّق التجربة أكثر هو شخصية عبد الوهاب نفسه. فهو لم يكن في مطلع شبابه حين غنى هذه الكلمات، بل في أواخر عمره. رجل عاش كل مجد الفن والسياسة، وصار رمزا للقرن العشرين العربي، ثم يعود ليعترف ببساطة أنّه لا يعرف "ليه". صوته لم يكن يستعرض قوته كما في السابق، بل بدا أقرب إلى همس رجل حكيم يبوح بسرّ، يحمل هشاشة العمر وصدق التجربة، فيتحوّل الضعف الصوتي ذاته إلى قوة فلسفية، تماما كما يقرّ سقراط بأنّ الحكمة أن تعلم أنّك لا تعلم. لقد غنى عبد الوهاب نفسه ككائن بشري متسائل، لا كفنان مستعرض.
حتىّ الموسيقى لم تكن مجرد مرافقة للنص، بل نصا موازيا له. المقدمة جاءت بطيئة، متأمّلة بإيقاع شبه ساكن، كأنّها تترجم فراغ الحيرة الوجودية بلغة الصوت. أمّا اللّحن فيتحرّك بصفاء وشفافية ...كأنّ السؤال يُطرح بلسان طفل رغم عمق النضوج . كلمة "ليه" نفسها تحولت إلى علامة استفهام موسيقية عبر مدّها في خط لحني صاعد، وكأنّ اللّحن لا يقول فقط بل يسأل. أمّا الأداء الصوتي فكان واعيا بحدوده، إذ لم يسع عبد الوهاب إلى القوة، بل إلى الصدق، فجعل من الهشاشة صوتا للحكمة .
بهذا تغدو قصيدة "من غير ليه" أكثر من أغنية حبّ. إنها بيان أنطولوجي ـــــ موسيقي يبدأ بأسئلة المجيء والمصير، ويجد في الحبّ جوابا مؤقتا وملاذا آمنا من التيه ، ويختم بصوت رجل فيلسوف يغني الحيرة نفسها. لقد جمع عبد الوهاب في هذه التجربة بين الفن والفلسفة، بين الحكمة والحب، بين الحيرة والصفاء، فلم تكن الأغنية خاتمة مشواره الفني فحسب، بل قصيدته الفلسفية الأخيرة، حيث يتحول الصوت إلى سؤال، والموسيقى إلى دهشة، والشيخوخة إلى حكمة مفتوحة على الغموض . فيلخّص معنى الوجود في قصيدة ، كأنّه يترنّم بأسلوب فيلسوف يؤدّي النرفانا فيبوح بحكمة ، أنّ الحبَّ قوّة غامضة ،وقَدَر لا يُعلّل. وبِنوتات ، أنّ البساطة الصافية قد تكون أعمق من أي تعقيد . وتصرخ بإنسانية عالية لتقول : إن القلب لا يعجز، وإن دهشة الحبّ هي آخر ما يبقى للإنسان مهما طال به العمر ،و أنّ سرّ الوجود لا يُجاب عليه باليقين، بل يُعاش بالحبّ والدهشة الأولى التي لا يشيخ القلب عنها.
ليلى تبّاني ـــــ الجزائر