جمعي شايبي - في قبوي... دوستويفسكي .

( الإنسان الصرصار ، رسائل من تحت الأرض ، في قبوي .) إنها ثلاثة عناوين لنص يتيم قرأته بثلاث ترجمات ، جاءت كل واحدة منها غاية في الدقة والروعة والجمال ، مهدت لي كل واحدة منها الطريق للغوص في أعماق النص ومكنتني من الظفر بدرر مؤلفه الملهم العظيم فيودور دوستويفسكي ، والفوز بجواهرأفكاره النورانية المشعة ، وقطف أزاهير مقاصده النضرة من فراديس فلسفته الآسرة ومن رياض إنسانيته الأصيلة الخالصة .
لقد عد الكثير من جهابذة النقد وفطاحتله هذا المنجز أكمل أعمال دوستويفسكي بنية شكلا وفنا ، وعلى أنه أصعبها وأعقدها على الإطلاق ، والحقيقة أن من أدمن أدب هذا الملهم العظيم يدرك أن كل تحف نصوصه الخالدة صروح فنية مشادة بفنية متقنة متكاملة ، لا يشوبها نقص ولا تعتريها هفوة ولا تقصير .
فأي نقص نشعر به مثلا في نص الشياطين أو الأبله أو الجريمة والعقاب أو الإخوة كارامازوف مثلا؟.

1756478480013.png

لاشيئ على الإطلاق ، ولعل ميزة هذا النص تكمن في سرديته المفعمة بتحليل فلسفي فاق كل التوقعات حد الإدهاش والإرباك .
فإذا كان باستطاعة كل واحد منا مصارحة الناس ببعض حقائقه دون كلها ، فهل بإمكان المرء أن يصارح ذاته صراحة كاملة دون مواربة أو تملق ، وأن يسرد سيرته الذاتية دون خوف أو خجل وأن يقيد بالحرف والكلمة حقيقة ذاته الكاملة ، بمحاسن أخلاقها الشريفة ومساوئ رذائلها الحقيرة ، بنبالتها ووضاعتها ، بشجاعتها وجبنها ، بذكائها وحمقها دونما اقتضاب أو تحفظ ؟.
هل بإمكان الإنسان أن يصارح نفسه صراحة تامة مطلقة دون أن يخفيها شيئا وهو يتحدث عن أناه مفصحا لها بحقيقتها الكاملة ؟.
هل هناك فعلا سيرا ذاتية صحيحة وأن الإنسان لا يكذب حتما حينما يتحدث عن نفسه ؟.
وإن لم يكن بمقدوره ذلك فهل أن جان جاك روسو مثلا قد خدعنا بمؤلف اعترافاته ؟.
إن العبقري دوستويفسكي يجيبنا على كل هذه الأسئلة الحائرة المعلقة ، بأن ذلك ليس مستحيلا من خلال مؤلفه الفريد في قبوي ، على لسان راويه وهو قابع لأربعين عاما في غرفته الكئيبة المفزعة على أطراف مدينة بطرسبورغ .
تلك الغرفة التي كانت خما أو قوقعة أو جحرا يزحف ويأوي إليه كفأر مثقلا بتفاهته وحقارته ، دافنا نفسه فيه حيا مجللا بالمهانة والإحتقار ، بعد أن فقد باكرا صلته بالحياة فعاشها بسأم فضيع ورتابة قاتلة ، مذغنا راضخا لبؤسفه القاهر وشقائه المكين .
عاش بانقباره واندفانه في قبوه غارقا قي دهاليز ذاته وأغوارها المعتمة ، مستذكرا كل ما تعرض إليه من إهانات بأخزى تفاصيلها القاسية .
في عزلته المتوحشة يتذكر حاله البائسة بحقارة ملبسه وتعاسته بشكله القزمي التافه تفاهة أي ذبابة خقيرة لا يؤبه لها ، مستعرضا غروره وصلفه وتصرفاته الجبانة الطائشة ودوافغه الهستيرية وانفعالاته الشقية وخطاياه الشنيعة المقززة ، فينهال على نفسه باللعن والتقريع وباستياء حانق حد الإشمئزاز حنقا متصلا وغيظا متواصلا بلا توقف ، مذلا ذاته حاقدا عليها محتقرا إياها حد البغض والكره المقيت ،مسترسلا في سرد أحلام شبابه البعيدة المستحيلة الهاربة ، ومخاوفه المرضية المتأججة ، فينبري للكتابة عن ذاته بصراحة مطلقة وسخرية لاذعة ، لاعنا إياها من فرط خجله من فقره ومن مكبوتاته الدفينة المحبوسة في مرجل صدره .
مختالا فخورا من جرأته وصراحته بعقده وأمراضه بعدما تحولت عذابات الندم لديه إلى عذوبة ولذة لعينة ومتعة وأنسه الوحيد في لياليه الشتوية الطويلة المثلجة .
مرجعا سبب ذلك إلى ذكائه الوقاد وإدراكه المفرط لمستوى الإنحطاط الإجتماعي الذي يحاصره ، دون نجاة من ذلك القصور الذاتي الذي يشله ويمنعه من التغيير .
وإذ سحبه تياره التشاؤمي الجارف لم يعد يرى أي جدوى في احترام الإنسان لذاته ما دام يعي أنه غارق حد آذانه في أوحال القذارة ومستنقعات الحمق والغبآء .
رغم أنه لا توجد مشقة أكبر من الحديث عن النفس بمنتهى الصدق دون تبجح أو تباه ومفاخرة ، فإنه استلذ يأسه واستعذب عذابات أسئلته الحارقة ، واستمتع بشعور مذلة ذاته وحقارتها ، لإقتناعه الراسخ بأن الألم هو السبب الوحيد للشعور والعلة الوحيدة للوعي ، وأنه النبع الأصفى للإلهام والنبوغ ، فعاش متهكما على نفسه مستمتعا بأنينها استمتاعه بالترانيم والغناء .

1756478543204.png

تتكون الرواية من فصلين خصص الكاتب قسمها الأول للشخصية التي اكتفت في هذا الجزء بسرد ذكرياتها وسط بيئتها المهنية الصعبة وخارجها ، وبين صراعاتها النفسية المحتدمة ، ودارت بقية القسم الثاني من الرواية مع انطونوفيتش رئيس الشعبة التي يعمل بها الراوي وسيتوشكين وسيمونوف والضابط زفير كوف وكلهم من أصدقاء الدراسة أيام طفولته الآفلة ، إضافة إلى خادمه آبولون والمومس ليزا التي ختم بقصته معها سرديته وروايته .
لن أخوض كعادتي مع بعض النصوص في تلخيص الرواية وسرد أحداثها ، لأن من أهم ما يستوجبه علي هذا النص كقارئ بسيط هو أن أقاسمكم محاولتي المتواضعة في حلحلة عقده المحبوكة بغرابة مدهشة ، واستنطاق رمزياته ومدلولاته المكثفة ، والكشف عن أسراره الفكرية المخبوءة التي تستعصي على الكثير من العقول والأفهام بشهادة أهل الإختصاص من نخبة النقد الأكاديميين وأرباب الفكر المتنورين .
لقد كان فعلا سارد النص أشد رفاقه ذكاء وأرقاهم ثقافة وأرقهم حسا وشعورا ، مع ما كان يزاوج بين عديد المتناقضات ، لا حقودا كان ولا طيبا كانه اللاشيئ والعدم .
رجل لا يرى في الإنتقام إلا حمقا متجذرا متأصلا ، ولا يعتبر الحب إلا استبدادا وتسلطا روحيا وعبودية عاطفية قاهرة .
رجل تسكن جسده روح متخمة بشعور مخز بالضعة والهوان ، وشعور مشبع بمتعة الألم من خلال التحدث عن انكسارات الروح خيباتها .
مع ذلك فإنه الرجل الوحيد الذي أدرك مدى جبنه دون غيره ممن يعدون جبنهم إدراكا ووعيا .
والرجل الوحيد الذي كابد تداعيات وعي خطير بكامل تجلياته وسط بيئة إجتماعية غارقة في التفاهة والجهل .
إن ما كانت تعانيه هذه الشخصية البائسة من فرط الإدراك وقوة الوعي ورهافة الحس وهشاشة الشعور هو ما مكنها قدرة النفاذ في ذاتها بعمق ، محللة اسرار كوامنها بصراحة مسرفة تتخطى كل حدود الغرابة والدهشة ، وهو ما وهبها قوة رصدها الحثيث لنفسها بكل اختلاجاتها المحمومة الجامحة .
وهي بذلك النقس الواعية الجديرة بنقد واقعها الإجتماعي قاطبة بكل ذواته المعلولة السقيمة .
إن العبقري الملهم دوستويفسكي لا يكتفي بإخبارنا عن كيفية تمكن الإنسان من احتقار ذاته بإرادته وبأشد صور المهانة والإذلال ، إنما يطرح معضلة أكبر وأعقد من ذلك بكثير .
إن اعترافات بطل النص ليست ثرثرة وهذرا ، ولا كانت مجرد نزوة عابرة من النزوات ، ولا يمكن اعتبارها نوعا من السلوى والعزاءات .
إذ يطرح دوستويفسكي من خلال سردية هذه الشخصية المحيرة جدلية عظمى غاية في التعقيد الا وهي مشكلة حرية الإرادة والإختيار في ظل نظرية مادية جائرة يحكمها منطق الأنانية والمصلحة الضيقة .
فماهو الإنسان من دون رغباته ؟، بدون حرية إرادته؟،ومن دون حرية اختياره ؟.
ألا يكون بذلك مجرد حيوان مدجن يمثل أوضع صور القهر والرضوخ والضعف ؟.
إذ أن كل اختيار وفق القواعد وكل إرادة تحكمها النفعية وجداول الحساب ماهي إلا عبودية منظمة صارخة .
إن حياتنا الواقعية بفلسفتها الرأسمالية محنة أليمة ومأساة دامية ، ننزف جراء مخالب مسلماتها المادية وقوانينها الوضعية وقواعدها العقلية الملوثة بنزعة النفعية وأحكامها الجافة الظالمة دم كرامتنا ، مادامت تعوزها العدالة والحرية والأخلاق ودفئ العاطفة وحماسة الشعور .
وهانحن لا نزال نغرق حد آذاننا في واقعية مادية موحشة متوحشة موغلة في أنانية مفرطة ونفعية ضيقة تفرضها الغطرسة والقوة .
إذا ما تحدثت عن سيميائية الشخوص لي أن أعتبر من وجهة نظر شخصية متواضعة شخصية الخادم آبولون ، الشخصية البطولية المحورية رغم حضورها الثانوي ، لكونها تمثل اولئك الذين لا يخسرون مثلهم العليا حتى وإن كانوا في أسفل دركات الإنحطاط .
وهدف دوستويفسكي الأسمى من خلال هذه ابشخصية ومن الرواية كلها هو ترسيخ مبدئ القناعة وعقيدة الإيمان وإن لم يصرح بذلك علانية على الإطلاق .
ولي أن أقاسمكم من خلال قراءتي لهذا النص سؤالين مفادهما :
أيهما أفضل : سعادة مبتذلة وضيعة رخيصة أم آلام رفيعة سامية ؟.
وهل من المعقول أن يناقض الإنسان مصالحه ويتنافى مع منافعه ؟.
أترك لكم الإجابة لإثراء النص بالنقاش .
أخيرا إن رواية في قبوي ليست مجرد نقد ذاتي مؤلم او صراعا نقسيا محتدما ، إنما بحث سيكولوجي فلسفي يطرح باقتدار صدامية العقل والحرية .
وإني ما عرفت طوال حياتي إنسانا إحترم من خلال كتاباته آلامه وآلام اليشرية مثل العبقري الملهم العظيم فيدور ميخائلوفيتش دوستوقيسكي .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى