محمد بشكار - الزِّين الذي عَرَّى بِقُبْحِه أكثر مما يُطيق السِّروال.. !

قد يتحَوَّل الزِّين الذي فينا أو في غيرنا، بكُلِّ ما أوتي من حُسن وجمالٍ،إلى قُبحٍ اجتماعي لا نَقْبَلُه حين ينتقل منا إلى المرآة، لنَرَانا في مواجهة مباشرة مع بشاعتنا التي نتداولها سِرّاً كالعُملة في سوق سوداء ترفض أن تمتد بالأصبع إلى زِرّ المصباح مثلما ترفض نساء الحان أن توقدالأنوار قبل أن تنطلي لُعبة المساحيق وأقنعتها على الزَّبون..!
لِذَا يَجْدُرُ القول إنَّ المُخرج (المغربي) نبيل عيُّوش الذي عَرَّى عن كُلِّ القُبْحِ بالزّين الذي ليس فيه، قد حفظ دروسه كما يليق بتلميذ نجيب في الإبتدائي السينمائي، وَصَعَد إلى السَّبورة ليَنْقُل أو يسْتَظْهِر جُزْءا من الواقع المغربي الذي لا تعْدَمُه كل المجتمعات في العالم منذ أزل التاريخ باعتبار أن الدّعارة أو نِخاسة الجنس أقدم مهنة في الوجود، ولم يُسْقِط عَيُّوش من عدسة الكاميرا طَرْفاً أو نصّاً من واقعنا الأبيض المُتوسط، ولكن سقط منه شيء أهم لا تُقَدَّرُ قيمته بسينما أو مَجْدٍ، هو قلبه كمواطن مغربي قَبِل على بلَده التي تُوصف بالأم أن تُوصف بالعاهرة..!

1756815941080.png

أعلم أن لا أحد إلا ما نَدَرَ، قد رأى فيلم عيُّوش كاملا، وأن كل هذا الجَلْد مُنْصَبٌّ على مشاهد مُجْتزأة من سياقاتها التي قد تُقْنِعُنا بجمالية فنية تكسر الخطاب السينمائي التقريري والمباشر الذي تستدعي بشاعته اللطيف؛ وأعلم أيضا أن هذه اللقطات اللقيطة أو النماذج المُسرَّبة عبر شبكات التواصل الإجتماعي، لا تكفي للإدلاء بحُكْم أو مشنقة؛ ولكن أليس العنوان إذا كان فصيحا ينوب عن قراءة الرسالة التي تصل توّاً ما لم يُغيّر ضميرٌ مقرَّ سُكناه، فبالأحرى إذا كان هذا العنوان فاضحا كما في المشاهد المُهرَّبة من هذا الفيلم الذي دَمَغَهُ صاحبه بعنوان "الزين لي فيك" وهو في الحقيقة كما نقول في دارج مَثَلنا المغربي "لاَزِينْ لامجي بْكري"؛ و مع ذلك أجزم أن الانفعال الذاتي قد يصيب بعض الناس بضغط الدم ويُعمي الأعين عن بلورة رؤية موضوعية لن تتحقق إلا برؤية الفيلم كاملا، لأنه ما أكثر ما يدور الرّحى، ولكنه لا يدور إلا على فراغ وليس على قمح أو حُمُّص، فلا نسمع من الجَدَل إلا صوت ارتطام الحجارة بالحجارة، ولا يَنُوبُ الدِّماغ الذي قد يتحوّل إلى مَعِدة في الرأس، ما يَسُدُّ رمق جوعه الفكري، اللهم جعجعة بلا طحين أو حتى نُخّالة فاسدة لا تعجن خبزاً أو تطعم دجاجاً..!
ليس من حَقّ أي رُكُوبَةٍ سياسية، أن تستغل الدين بامتطائه إيديولوجياِ، وتنتظر أي موجة تلوح في المجتمع لتَصْعَدَ رغوتها تحقيقاً لوجود من عدم، وتُصَعِّدَ بفتنتها الغضب في عروق الناس؛ ليس من حقها أن تستبلد ذكاء المواطن المغربي الذي مثلما يعرف الطريق إلى ما تبقَّى من القاعات السينمائية، يعرف أيضاً اتجاه القِبلة في كل صلاة؛ بل إن الذكاء المغربي قرأ من أدب الجنس ما لا يخْطُر على كاميرا، منذ إيروتيكيات «التيفاشي» في «نزهة الألباب..» ، مروراً بــ
« نزهة الخاطر» للنفزاوي، حتى «الخبز الحافي» لمحمد شكري؛ وحده الذكاء المغربي بما أوتي من إرادة في التفكير، هو القادر على الحكم على أي عمل سينمائي أو أدبي دون أن تحُدَّ حريته ذهنية التحريم التي نأسف أنها صارت تنتهي في زمننا إلى القتل والتجريم.. !
و وحده عيُّوش ينوء بخطإه الذي نتمنّى أن لا يحُوِّله بضربة بروباغندا إعلامية إلى صليب يستدعي بآلامه وبكائياته التي لا تنطلي على عين تعرف معنى الدمع الحقيقي، الشهرة على حساب تشويه سُمعة نساء بَلده، لأن الجائزة الكُبرى على قدر ما تكون مغربياً وليس فقط هوليوديا تنتهي حياته بعد صعود الكتابة للسَّماء في نهاية الفيلم.. !

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم غد الخميس 28 ماي 2015)
..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى