شريف محيي الدين إبراهيم - من ومضة المشهد إلى أفق الأسطورة بين ماركيز وسارتر- بقلم : محمد محمود الفخرانى

في زمن تتقاطع فيه أصوات السرد العربي مع نبض الحكاية العالمية، يطل شريف محيي الدين كصوت يوازن بين جذور الشرق وفضاء الإنسانية الرحب. كتابته ليست مجرد انعكاس لبيئته، ولا استنساخًا لتيارات عالمية، بل هي حوار متكافئ بين ضوء الإسكندرية ودفء لغتها، وظلال ماركيز، وكافكا، وسارتر، وهِسّه، وإيشيغورو، وبورخيس.
هنا، النص ليس مرآة وحسب، بل كائن حي، يتنفس ويخفق ويقاوم الفناء.

كل نص عنده يولد من رحم سؤال، وكل سؤال من ندبة لا تلتئم.
من الكتكوت، التي تفتح عشّها الصغير على أسئلة الفقد، إلى الحافلة، حيث يتحوّل المشهد العابر إلى مرآة للروح، نراه يكتب بعين صائغ يلمح الخيط الذهبي قبل أن يتوارى، وبحساسية من يعرف أن رائحة الخبز الطازج، أو ظل نافذة في آخر النهار، قد يحملان المعنى كله.

في شرف حكيم الجبل، يخرج العجائبي من قلب المألوف، كما لو أن التراب نفسه يهمس بالأسطورة، لتتحول الرحلة إلى طقس عبور بين زمنين، صلاة تمتد من صلابة الأرض إلى نعومة الغيم. وهنا يلتقي شريف مع ماركيز لا في التقليد، بل في روح الواقعية السحرية التي تصنع المعجز من الحكاية اليومية.

القطار يفتح بابًا آخر، باب هِسّه، حيث يتحوّل السفر الخارجي إلى صدى لسفر داخلي. شخصياته تمشي بين المقاعد كما لو كانت تعبر بين غرف ذاكرتها، وتترك على النوافذ أنفاسًا باهتة، علامة على أن الطريق أهم من الوصول.

ثم تأتي العذاب المجاني ولا حب بعد الآن، لتكشف أثر إيشيغورو في صمتهما الموجع؛ شخصيات تنكسر بلا صرخة، والخذلان يتسرب إليها كنسيم بارد من شق نافذة، حتى تغدو الخسارة حدثًا داخليًا بلا شهود.

من جانب آخر، تلمع لمسات كافكا في بعض نصوصه، حيث يتحوّل المألوف إلى غريب، والمشهد الواقعي إلى كابوس مبطن، كما في الحافلة التي تحمل الركاب في مسار يبدو عاديًا لكنه ينفتح فجأة على متاهة نفسية. إنّ العبث عند شريف ليس صخبًا، بل تيارًا خفيًا يربك التوقعات ويترك القارئ أمام سؤال لا جواب له.

أما أثر سارتر، فيظهر في البنية الوجودية لبعض شخوصه؛ أبطال يعرفون أنهم أحرار حتى في مواجهة العدم، وأن المعنى يُصنع لا يُمنح. في قصصه، الحرية ليست شعارًا، بل عبء ثقيل، والاختيار فعل يضع صاحبه في مواجهة نفسه قبل مواجهة العالم.

ميراث القلب وخرج ولم يرحل، دعوة بورخيسية للتأمل في الزمن الدائري؛ الماضي يلتف حول الحاضر كما يلتف وشاح صوفي حول رقبة العابر، في نص يعرف أنه مرسوم على خريطة متاهة.

وفي تحتمس، يتلاقى البعد التاريخي مع البعد الأسطوري؛ برديات وعرش ومقابر صامتة تستيقظ في السرد، لتذكّر أن الأسطورة ليست ظلًّا بعيدًا عن الواقع، بل قلبه الخفي النابض.

أعمال شريف تتحرك بين شوارع حديثة تلمع بأضواء النيون، وظلال أساطير تومض تحت جلد الزمن. بين أماكن ملموسة وأخرى متخيلة، لكنها جميعًا تدور في فلك واحد: البحث عن المعنى كأنما هو بوصلة وحيدة في ليل طويل.

أسلوبه يعتني بالجملة كما يعتني بزهرة في إناء ضيق؛ يمنحها ماءها بقدر، ويقص عنها ما يثقلها، حتى تبقى مشدودة بالإيقاع وهادئة بالموسيقى. هو لا يكتب ليفسر، بل ليترك القارئ في حيرة جميلة، كما لو خرج للتو من نصه وفي يده سؤال جديد أو ندبة ترفض الالتئام.

وهذه فرادته: التأثر عنده ليس خضوعًا، بل حوار بين العوالم، ينتج صوتًا لا يشبه إلا صاحبه.

هكذا، من الكتكوت حتى تحتمس، يمضي شريف من ومضة المشهد إلى أفق الأسطورة، حاملاً مزيجًا نادرًا: عين الصائغ، وروح الفيلسوف، وجذور الشرق التي تتجاور مع أصداء ماركيز وكافكا وسارتر وهِسّه وإيشيغورو وبورخيس في أرض الحكاية.
كأن نصوصه تقول: "هنا، عند تلاقي الطرق، يبدأ الحكي… ولا ينتهي"، تاركة للقارئ وعدًا بأن القادم أعمق وأكثر دهشة.

خاتمة نقدية:
في لحظة يسعى فيها الأدب العربي إلى تثبيت موقعه في الخريطة العالمية دون أن يفقد هويته، يقدم شريف محيي الدين مسارًا مغايرًا؛ نصوصه لا تكتفي باستعارة ملامح الآخر، بل تعيد تشكيلها بروح محلية تملك سعة العالم.
إنه كاتب يعيد تعريف "العالمية" بوصفها امتدادًا للمحلية، لا نقيضًا لها. وربما، بعد أعوام، سنكتشف أن كثيرًا من خرائط السرد العربي الحديثة قد بدأت من هنا، من حكاية تجرؤ على أن تكون جسراً، لا جدارًا، بين الثقافات والأزمنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى