محمد محقق - الكتابة بوصفها مقاومة للنهاية قراءة بلاغية "في لا شيء ينتهي بإسدال الستارة"*

ليست بعض العناوين مجرّد مفاتيح للدخول إلى النص، بل تكون، منذ لحظتها الأولى، جزءًا من معماره الدلالي، وعصبًا خفيًا من أعصابه الفكرية والجمالية. ومن هذا القبيل يأتي عنوان كتاب "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" لعلي بنساعود، عنوانًا لا يكتفي بإغراء القارئ من جهة صيغته البلاغية، بل يضعه، منذ العتبة الأولى، أمام رؤية كاملة للحياة، وللفعل الإبداعي، وللعلاقة الملتبسة بين الظاهر والباطن، وبين ما يبدو خاتمة وما يظل، رغم ذلك، مفتوحًا على امتداد لا ينقضي.
إن أول ما يستوقف المتلقي في هذا العنوان هو بنيته القائمة على النفي المطلق: "لا شيء". وهذه الصيغة ليست مجرد أداة نفي عابرة، بل هي تأسيس لنبرة فكرية وجمالية معًا. فالنفي هنا لا يطال حادثة جزئية أو وضعًا محدودًا، بل يطال فكرة النهاية نفسها. وكأن الكاتب لا يناقش حدثًا بعينه، بل يراجع أحد أكثر التصورات رسوخًا في وعينا: أن لكل شيء لحظة ينتهي فيها، وأن العلامات الخارجية الكبرى كافية لتقرير هذا الانتهاء. غير أن العنوان يرفض هذا التصور من أساسه، ويقترح، في المقابل، أن النهاية ليست دائمًا حيث نظنها، ولا تقع بالضرورة عندما تسدل الستارة.
ومن هنا، تبدأ القيمة البلاغية للعنوان. فهو يبني معناه على مفارقة ذكية بين ما اعتدنا النظر إليه بوصفه رمزًا للخاتمة، وبين ما يعلنه هو من استمرار يتجاوز تلك الخاتمة. فالستارة، في الوعي المسرحي، هي العلامة الأخيرة: انطفاء المشهد، إغلاق الفضاء، نهاية العرض، وصمت الخشبة. لكن الكاتب ينزع عنها هذه السلطة المطلقة، ويجعل من انسدالها نهاية شكلية فحسب، لا نهاية حقيقية. بهذا المعنى، يتحول العنوان من عبارة تقريرية إلى استعارة وجودية كثيفة: ما يختفي عن العين لا يلزم أن يكون قد انتهى في الوجدان، وما يغيب عن الخشبة قد يبدأ حضوره في الذاكرة.
وهذه الاستعارة المسرحية ليست بريئة ولا مجانية، لأنها تتيح للعنوان أن يتحرك بين مستويين متداخلين: مستوى الفن، ومستوى الحياة. فكما أن العرض المسرحي ينتهي ظاهريًا بانسدال الستارة، كذلك كثير من التجارب الإنسانية تُعلن نهايتها من خلال علامات خارجية: الفراق، الصمت، الرحيل، انطفاء الدور، غياب الشخص، إغلاق الصفحة. غير أن العنوان يلمح إلى أن هذه العلامات لا تملك الكلمة الأخيرة. إذ قد تنتهي الوقائع، لكن آثارها لا تنتهي؛ وقد ينتهي المشهد، لكن معناه يستمر في الداخل؛ وقد تسقط الستارة على الأجساد، لكنّها تعجز عن السقوط على الذاكرة.
ولعل أجمل ما في هذا العنوان أنه لا يقول: لا تنتهي بعض الأشياء بإسدال الستارة، بل يقول: "لا شيء ينتهي". وهذه الصيغة أكثر جذرية واتساعًا، لأنها تنزع عن النهاية طابعها الحاسم، وتحوّلها إلى سؤال. وكأن الكاتب يريد أن يواجهنا بفكرة أن الوجود الإنساني لا يعرف الخواتيم السهلة، وأن ما نظنه منقطعًا قد يكون في الحقيقة قد غيّر فقط شكل حضوره. هنا تبلغ البلاغة ذروتها، لأن الجملة القصيرة تنتج أفقًا تأويليًا واسعًا: ليس الفقد فقدًا كاملًا، وليس الغياب غيابًا تامًا، وليس الصمت دائمًا علامة على الفراغ، بل قد تكون هذه كلها أشكالًا أخرى لاستمرار ما نظنه انقضى.
وهذه القدرة على تحويل المشهد المسرحي إلى مجاز كوني هي إحدى نقاط قوة العنوان. فالكاتب لا يبقي الستارة في حيزها التقني أو الفني، بل يجعلها علامة على كل ما نتصوره نهاية: نهاية الحلم، نهاية الحب، نهاية الدور، نهاية القصة، بل ربما نهاية الإنسان نفسه في تجاربه الرمزية المتكررة. ومع ذلك كله، يصرّ على أن هذه النهايات المعلنة ليست سوى وجوه ظاهرية لحركة أعمق من الانقضاء. وهكذا يصبح العنوان، من الناحية البلاغية، بنية قائمة على الاستعارة والمفارقة والانزياح في آن واحد.
وليس خافيًا أن هذا العنوان يشتغل أيضًا على التوتر بين الخارجي والداخلي. فالستارة تسقط أمام الجميع، أي إن فعلها مرئي وعلني، أما "الانتهاء" ففعل باطني، معنوي، غير قابل للرؤية المباشرة. ومن هنا، تنشأ مفارقة أخرى: ليس كل ما يُرى يعبّر عن الحقيقة، وليس كل ما يبدو ختمًا يحمل سلطة الحسم. إن الحقيقة، في هذا العنوان، لا تسكن المظهر المسرحي، بل تسكن ما يبقى بعده: الأثر، الارتجاج، الندبة، السؤال، وربما الندم. وتلك، في العمق، هي بلاغة الأدب حين يجاور الفلسفة دون أن يفقد حساسيته الفنية.
وإذا نظرنا إلى العنوان من زاوية الإيقاع، وجدناه يقوم على هدوء حاسم. لا زخرفة فيه، ولا تكديس ألفاظ، ولا ميل إلى الفخامة المفتعلة. ومع ذلك، يفرض نفسه بقوة. وهذه سمة العنوان الناضج: أن يكون مقتصدًا في لغته، غنيًا في ظلاله. فالجملة هنا ليست طويلة، لكنها تحمل طاقة دلالية تتجاوز حجمها الظاهر. وهذا ما يجعلها قابلة لأن تُقرأ لا مرة واحدة، بل مرات متعددة، لأن كل قراءة تكشف فيها توترًا جديدًا بين النهاية والاستمرار، وبين الخشبة والحياة، وبين المشهد والأثر.
ومن الناحية التأويلية، يشي هذا العنوان بأن الكاتب يرى الكتابة نفسها بوصفها مقاومة للنهاية. فالنص لا ينتهي عند آخر سطر، كما أن العرض الحقيقي لا ينتهي عند آخر مشهد. بل لعل اللحظة التي تظن فيها أن كل شيء انقضى هي نفسها اللحظة التي يبدأ فيها الأثر الحقيقي للعمل. وهذه نظرة عميقة إلى الأدب، لأنه، في جوهره، لا يعيش في زمن القراءة وحده، بل في ما يخلّفه بعدها. إن النص العظيم لا يغلق نفسه، بل يظل مفتوحًا في قارئه، يواصل تشكيل وعيه، أو يعيد ترتيب ألمه، أو يوقظ فيه أسئلة لم تكن مطروحة قبل القراءة. ومن هنا فإن عنوانًا مثل "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" لا يصف كتابًا بقدر ما يصف، في العمق، فعل الأدب نفسه.
ثم إن اقتران هذا العنوان باسم علي بنساعود يفتح المجال لقراءة تتصل بنظرته إلى الكتابة بوصفها تجاوزًا للحظة الظاهرة. فالمبدع الذي يختار مثل هذا العنوان لا يبدو معنيًا بالحكاية في بعدها السطحي فقط، بل بما يبقى بعدها من رجع، ومن توتر، ومن طبقات معنوية متراكبة. ولذلك، فإن العنوان لا يبدو منفصلا عن مشروع إبداعي محتمل، بل هو، على الأرجح، إعلان ضمني عن نوع من الكتابة لا تنشغل بالحدث المنقضي، بل بالأثر الذي يظل يشتغل في النفس بعد انقضائه.
ومن هنا، يمكن القول إن العنوان ينجح في أن يكون بلاغة رؤية لا بلاغة لفظ فقط. فهو لا يدهشنا لأنه جميل فحسب، بل لأنه يحمل تصورًا للعالم: تصورًا يقول إن الإنسان لا يعيش داخل نهايات حاسمة بقدر ما يعيش داخل آثار ممتدة، وإن الستائر قد تُسدل على العروض، لكنّها تعجز عن إسدال نفسها على ما تتركه التجارب في الكائن من ندوب ومعانٍ. وبهذا يصبح العنوان أشبه بجملة حكيمة، لكن من دون أن يفقد طاقته الشعرية، أو يتحول إلى تقرير ذهني جاف.
إن البلاغة، في هذا المقام، ليست في التزيين، بل في الاقتصاد المشحون. عنوان واحد، صورة واحدة، لكن خلفهما عالم من الأسئلة:
ماذا يعني أن ينتهي الشيء؟
هل النهاية حدث خارجي أم تحوّل داخلي؟
هل ما يغادر الخشبة يغادرنا فعلاً؟ أم أنه يبدأ، بعد انصرافه، حياة أخرى في الوعي والذاكرة؟
وهذه الأسئلة هي ما يجعل العنوان، في حقيقته، أكبر من مجرد عتبة؛ إنه نص صغير قائم بذاته، يوازي الكتاب، ويمنحه من البداية عمقه الفلسفي والوجداني.
وفي ضوء ذلك كله، يمكن القول إن عنوان "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" عنوان موفق بلاغيًا وفكريًا، لأنه يقوم على نفي يفتح بدل أن يغلق، وعلى استعارة تتجاوز مجالها الأصلي إلى أفق وجودي، وعلى مفارقة تبني معناها من خرق المتوقع، وعلى إيقاع هادئ يعرف كيف يرسّخ الجملة في الذهن. إنه عنوان من تلك العناوين التي لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُستعاد، لأن أثرها لا ينتهي عند حدود التلقي الأول.
وهكذا لا يكون الكتاب، من خلال هذه العتبة، مجرد مادة للقراءة، بل دعوة إلى إعادة التفكير في فكرة النهاية نفسها. فالستائر قد تسدل على الخشبات، نعم، لكن الحياة، في جوهرها، أكثر تعقيدًا من أن تنتهي بهذه البساطة. وما نظنه ختامًا قد لا يكون سوى انحناءة أخيرة في مشهد، قبل أن يبدأ المعنى الحقيقي في مكان آخر، وفي زمن آخر، وفي داخل قارئ آخر.
__________
*علي بنساعود: "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة"، مطبعة بلال، فاس 2025


1777676164080.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى