خالد محمد مندور - فيض الخاطر: الدولة المحورية ومشاريع النهضة وافاق المستقبل

منذ زمان بعيد يدور نقاش بين المثقفين و المتعلمين ملئ بلوم النفس و الوطن و التندر حول " خيبتنا الوطنية " عن كيف عجزنا عن تحقيق التقدم بحيث تصبح بلادنا بلدا من ضمن البلاد المتقدمة سواء اكانت بلدا متقدما رأسماليا او اشتراكيا (عندما كان هناك ما يسمى بالبلدان الاشتراكية) في حين ان بلدا مثل اليابان كانت أكثر تأخرا عنا و ارسلت وفود الينا ، في القرن التاسع عشر، كي تتعلم كيف تقدمنا.
وفى الحقيقة ان هذه المقارنة ظالمة و قاصرة، فهي لا تدرك ان اليابان تقع فى اخر الكرة الارضية الى الحد انها ان سقطت منها، في ذلك الزمان ، بافتراض ان الكرة الارضية مسطحة، لن يدرك أحدا انها كانت موجودة، في حين ان بلادنا تقع فى صرة العالم و اى تغير فى حالتها لابد وان تكن لها نتائج واسعة النطاق ليس فقط على منطقتنا، بل ايضا على اوضاع التوازنات ومصالح القوى العظمى ناهيك عن انعكاس ذلك على اوضاع منطقتنا.
لقد أدركت القوى العظمى ذلك بشكل شديد الوضوح منذ بداية القرن التاسع عشر ودار الصراع بينها حول مصر و دورها منذ ذلك الزمان بشكل شديد الوضوح وما زال مستمرا الى الان و ان كان بأشكال مختلفة، و لكن الهدف الأساسي هو الدور المصري في المنطقة و في العالم.
واذا توقفنا عند تجربة محمد على، فسنجد ذلك شديد الوضوح ، حيث تكالبت القوى العظمى ، في ذلك الزمان علية ، كي تضمن تطابق السلوك السياسي لنظامه بما يتلاءم مع مصالحها ، كل حسب وزنة النسبي و رؤيته طبقا لموازيين قوى ذلك الزمان ، وهو ما اسفر ، في النهاية ، عن هزيمة مشروعة و اكتفائه بتأسيس ملكية وراثية لذريته ، و بالقطع فان اكبر عوامل الهزيمة كانت في الطبيعة الطبقية للنظام و مقاومة الشعب المصري للأعباء الهائلة المادية و فى الارواح التي عانى منها لحساب طموحاته التي تجاوزت حدود قوته و لمصالح طبقة اجتماعية جديدة تشكلت تدريجيا بقيادة الباشا و عائلته ، لذلك انهارت تجربته واكمل الهزيمة خليفته ، عباس الاول ابن طوسون .
وتتكرر التجربة مرة اخرى في عهد اسماعيل، وتحل الهزيمة علية بعزلة و لا يدعمه الشعب، برغم الانجازات التي حققها و الباقية الى الان، على الاقل في القاهرة الخديوية، لان الاعباء الكلية لمشروع اسماعيل، الملى بالمثالب، القى عاتقها الفادح على عاتقة، و لكن الشعب دافع عن نفسه ما امكنة ذلك، الى ان هزم في التل الكبير و احتلت مصر بشكل مباشر.
و تدرك القوى العظمى ان أحد الضمانات الهامة لضمان حسن سلوك مصر لا يمكن اختصاره في الاحتلال العسكري المباشر، الذى سيزال ان عاجلا او اجلا، بل لابد من وجود هراوة اقليمية يمكن استخدامها عند اللزوم لهذا الغرض و فى نفس الوقت تشكل حاجزا امام امتدادات التأثير المصري في المنطقة، فإنشات اسرائيل.
و تتكرر التجربة مرة اخرى في الزمن الناصري، و برغم اختلافها الكبير عن تجربتي محمد على و اسماعيل في ان الكثير من نتائج مشروع النهضة، بصرف النظر عن طبيعته الطبقية، هل هو اشتراكية عربية ام رأسمالية بيروقراطية ام طريق نمو غير رأسمالي، قد استفاد منها الشعب وايدها، الا انها تتعرض لهزيمة كبيرة تسفر عن ان الخليفة يقوم بإكمال الهزيمة بالتخلي عن عناصر قوتها وقيادة عملية التغيير في الاتجاه المعاكس.
ان العنصر الأساسي لهزيمة هذه المحاولات تكمن في انها كانت لمصلحة طبقات اجتماعية حاكمة و ألقيت اعبائها على عاتق الطبقات الشعبية، و حتى عندما استفادت الطبقات الشعبية من انجازاتها، في الزمن الناصري، فإنها لم تتملك عناصر القوة اللازمة للدفاع عن نتائجها و تطويرها، ليس لخطيئة اخلاقية بغياب الديمقراطية، بل نتيجة للطبيعة الطبقية للنظام.
ان اى محاولة حقيقية للنهضة لابد وان تكون مستقلة، اى تتمحور على التكامل الداخلي الاقتصادي الاجتماعي، و هو ما لن يسمح به أحد الا " بضرب القداد “، لأننا، اى مصر، دولة شديدة الاهمية الاستراتيجية، او كما كتب مجموعة من المفكرين السياسيين الامريكيين بقيادة بول كنيدي، دولة محورية.
هذه النهضة، بصرف النظر عن طبيعتها الطبقية، لابد وان تتطلع الى مجالها الحيوي، القريب في أضعف الايمان، و لذلك لابد و ان تتخذ موقفا حازما من هراوة القوى العظمى في المنطقة، و لا يمكن لها ان تتم نهضتها، بنجاح و استدامة، الا بقيادة شعبية حازمة و مدركة للدور المحوري لمصر و لطبيعة التوازنات الدولية، و غير ذلك يكون ترويجا للأوهام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى