مخيمات صبرا وشاتيلا صارت مسرحًا لمذبحة تُرتكب على مرأى العالم، نساء يُسحبن من بيوتهن، أطفال يُقتلون في أحضان أمهاتهم، شيوخ يُذبحون تحت ضوء القنابل المضيئة. آلاف الأرواح صعدت إلى السماء، فيما الجناة يمرحون في الأزقة، والمدينة تصمت. كان ذلك الصمت شريكًا في الجريمة، والخذلان العربي غطاءً، والمجتمع الدولي شاهد زور لا يهتز ضميره.
الخروج الفلسطيني من بيروت لم يكن مجرد انتقال عسكري، بل بداية مرحلة الشتات الجديد. السفن التي أقلّت المقاتلين إلى تونس والجزائر والسودان واليمن، ومن بقي إلى سوريا عبر البقاع، حملت معها عيونًا دامعة وبنادق مثقلة بالخذلان. الثورة توزعت على منافي بعيدة، الحصار المالي خنقها، التجويع نخرها، لكن الدم ظل حاضرًا: يصرخ أن غياب البندقية يعني حضور السكين.
لكن قبل بيروت، كان الدم طريقًا مفروشًا منذ النكبة.
دير ياسين، حيث قُتل أكثر من مئة إنسان بدم بارد، النساء والأطفال أولًا.
الطنطوره، حيث أُعدم الرجال في مقابر سرية، وسُقت النساء بعيدًا عن بحرهن.
اللد والرملة، حيث تحولت المساجد إلى ساحات قتل، وخرج عشرات الآلاف في مسيرة عطش لا تنتهي.
الدوايمة، حيث قُتل المئات في تشرين، بعضهم أطفال رُضع.
ثم قبية بقيادة شارون 1953، واللاجئون في البريج الذين طاردهم الرصاص في نفس العام، وخان يونس ورفح عام 1956، حيث سقط المئات برصاص الاحتلال، وكفر قاسم التي تحولت شوارعها إلى مقبرة في ليلة واحدة.
هذه لم تكن ردود أفعال. كانت نهجًا: تفريغ الأرض من أهلها، ليُزرع فيها المستوطنون.
حتى الكاميرا شاركت في الجريمة.
"الفيلم الأول عن فلسطين" (1911): أنتجه موراي روزنبرغ، أحد رموز الحركة الصهيونية البريطانية، أظهر فلسطين كأرض خصبة بلا فلاحين.
"حياة اليهود في فلسطين" (1913): صوّر المهاجرين اليهود يبنون ويزرعون، وغاب الفلسطيني عن الكادر كأنه غير موجود.
"سابرا" (1933): فيلم بولندي–فلسطيني مشترك، المستوطن فيه بطل، والفلسطيني عائق.
"أرض الوعد" (1935): إنتاج الوكالة اليهودية، يصور فلسطين كأرض فارغة تنتظر الهجرة.
الكاميرا مهّدت للرصاصة، الصورة مهّدت للمجزرة، والدعاية صاغت الغياب كأنه حقيقة.
ثم جاء أوسلو 1993. التصفيق في البيت الأبيض كان مشهدًا عالميًا، لكن خلفه كانت الخديعة الكبرى: عودة ناقصة إلى جيوب متناثرة، تقسيم الأرض إلى مناطق A وB وC، واعتراف بشرعية الاحتلال على أكثر من 80% من فلسطين التاريخية. أوسلو لم يكن سلامًا، بل إعادة إنتاج للهزيمة تحت اسم "الحل الواقعي".
وفي غزة، المشهد أكثر وضوحًا وقسوة. منذ 1967 طُرحت خطط لترحيل السكان إلى سيناء، وفي 2023 ظهرت وثائق رسمية من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تقترح "النقل الكامل للمدنيين". غزة تحولت إلى سجن كبير منذ 2007، محاصرة بالبحر والبر والجو، مع ثلاث حروب كبرى دمّرت كل شيء (2008–2009، 2012، 2014)، وحروب متكررة لم تترك بيتًا إلا جُرح. الآن، تحت القصف تتهاوى البيوت فوق ساكنيها، وتحت التجويع تُحاصر الأمهات بأطفالهن بلا خبز ولا ماء. في المستشفيات التي لم تعد مستشفيات، يسقط الجرحى بلا دواء، والمرضى بلا علاج. غزة مختبر مفتوح للإبادة، تُقصف وتُجوَّع وتُحاصر، كي يُدفع أهلها نحو التهجير القسري.
وفي الضفة، لا يختلف المشهد. اجتياح مخيم جنين مرارًا، طولكرم المحاصرة، نابلس التي يُدمر مخيم بلاطتها وعسكرها، رام الله التي لم تُعفَ من الهجوم: الأمعري والجلزون، كل المخيمات مستهدفة بالدهم والهدم. الهدف ليس القتل وحده، بل محو الذاكرة، محو المخيم كرمز للنكبة، دفن حق العودة تحت الركام، وإلغاء حتى صورة اللاجئ من الوجود.
لكن المخطط لم يعد خفيًا. لم يعد تحت الطاولة. صار يُعلن على الملأ، برعاية أمريكية وبوقاحة إسرائيلية.
سوريا دُمّرت، وجنوبها محتل، والطريق إلى الفرات مفتوح.
لبنان يُستنزف، الهدف نزع سلاح المقاومة واحتلال الجنوب وانتزاع مياه الليطاني.
اليمن يُقصف لتُشل خاصرته البحرية عند باب المندب.
إيران تُضرب مواقعها العسكرية والعلمية.
تونس تتعرض لتدخلات مباشرة وغير مباشرة.
وفي الأمم المتحدة، يعلن ممثلو الاحتلال تهديدهم لقطر ولدول عربية وإقليمية بلا خجل.
اليوم، يقف نتنياهو جنبًا إلى جنب مع وزير خارجية الولايات المتحدة، ليكرر الأكذوبة الكبرى: أن ما يجري منذ عامين سببه هجوم 7 أكتوبر. وكأن دير ياسين ورفح وخان يونس وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا لم تكن موجودة. وكأن حصار غزة لم يبدأ قبل عقدين. وكأن تهويد القدس وضم الجولان لم يحدثا إلا قبل عامين فقط.
هذا التزوير العلني للتاريخ ليس مجرد خطاب سياسي؛ إنه جريمة ثانية تُضاف إلى الجريمة الأولى. فالمذبحة لا تُرتكب بالرصاص وحده، بل أيضًا بالكلمة المضللة. عندما يقف رئيس وزراء كيان الاحتلال مهددًا باغتيال قيادة المقاومة "أينما وُجدوا" ويعترف بمحاولة استهدافهم في قطر، ولا يجد من وزير خارجية أمريكا سوى الصمت، فإن الشراكة في الجريمة صارت علنية.
أي حديث عن "التحالف" مع قطر أو غيرها لا يلغي حقيقة أن إسرائيل تقصف وتُهدد في الدوحة التي تحتضن أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة. هذه ليست ازدواجية معايير، بل تواطؤ كامل: أن يلوّح القاتل بسكينه داخل بيت الحليف، ثم يُصفّق له الحليف ذاته.
لكن الحقيقة أبعد من كل هذه المسرحيات. المخطط الصهيوني لم يبدأ مع 7 أكتوبر، ولا حتى مع وعد بلفور. لقد بدأ قبل ذلك بكثير، في الفكرة الخبيثة: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". فكرة جرى تسويقها في المنشورات، وفي الأفلام الدعائية التي صوّرت فلسطين كأرض فارغة، خصبة، تنتظر الغزاة. ثم جاء وعد بلفور عام 1917 ليكرّس هذا المشروع على الورق، ويمنحه شرعية استعمارية دولية بغطاء الإمبراطورية البريطانية. لم يكن البداية، بل كان وثيقة تثبيت لمخطط وُضع قبلها بعقود، ثم جرى تنفيذه بالدم والمجازر والتهجير.
كل من يردد أكذوبة أن حرب الإبادة الحالية وُلدت مع 7 أكتوبر إنما يشارك في الجريمة. 7 أكتوبر ليس السبب، بل الذريعة. أما السبب الحقيقي فهو المشروع نفسه: من مقولة "أرض بلا شعب" إلى وعد بلفور، من المجازر الأولى إلى صبرا وشاتيلا، وصولًا إلى غزة اليوم. كلها حلقات في خطة منظمة لإزالة فلسطين وشعبها من التاريخ.
هذه ليست حربًا على "إرهاب"، بل حرب على الوجود الفلسطيني، وعلى الذاكرة، وعلى العدالة نفسها.
من يقول إن ما يحدث وليد 7 أكتوبر يتواطأ مع القاتل في تزوير التاريخ. فكل المجازر من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، من رفح إلى جنين، كانت قبل هذا التاريخ بعقود طويلة.
الصمت موقف، والحياد خيانة.
إذا سقطت غزة، سقطت العواصم.
إذا صمدت غزة، سقط المخطط كله.
ولذلك، ستظل فلسطين تكتب تاريخها بالدم والرماد، لا بالحبر وحده.
وستظل الذاكرة جرحًا مفتوحًا وصرخة لا تموت.
يحيى بركات – مخرج وكاتب سينمائي
الخروج الفلسطيني من بيروت لم يكن مجرد انتقال عسكري، بل بداية مرحلة الشتات الجديد. السفن التي أقلّت المقاتلين إلى تونس والجزائر والسودان واليمن، ومن بقي إلى سوريا عبر البقاع، حملت معها عيونًا دامعة وبنادق مثقلة بالخذلان. الثورة توزعت على منافي بعيدة، الحصار المالي خنقها، التجويع نخرها، لكن الدم ظل حاضرًا: يصرخ أن غياب البندقية يعني حضور السكين.
لكن قبل بيروت، كان الدم طريقًا مفروشًا منذ النكبة.
دير ياسين، حيث قُتل أكثر من مئة إنسان بدم بارد، النساء والأطفال أولًا.
الطنطوره، حيث أُعدم الرجال في مقابر سرية، وسُقت النساء بعيدًا عن بحرهن.
اللد والرملة، حيث تحولت المساجد إلى ساحات قتل، وخرج عشرات الآلاف في مسيرة عطش لا تنتهي.
الدوايمة، حيث قُتل المئات في تشرين، بعضهم أطفال رُضع.
ثم قبية بقيادة شارون 1953، واللاجئون في البريج الذين طاردهم الرصاص في نفس العام، وخان يونس ورفح عام 1956، حيث سقط المئات برصاص الاحتلال، وكفر قاسم التي تحولت شوارعها إلى مقبرة في ليلة واحدة.
هذه لم تكن ردود أفعال. كانت نهجًا: تفريغ الأرض من أهلها، ليُزرع فيها المستوطنون.
حتى الكاميرا شاركت في الجريمة.
"الفيلم الأول عن فلسطين" (1911): أنتجه موراي روزنبرغ، أحد رموز الحركة الصهيونية البريطانية، أظهر فلسطين كأرض خصبة بلا فلاحين.
"حياة اليهود في فلسطين" (1913): صوّر المهاجرين اليهود يبنون ويزرعون، وغاب الفلسطيني عن الكادر كأنه غير موجود.
"سابرا" (1933): فيلم بولندي–فلسطيني مشترك، المستوطن فيه بطل، والفلسطيني عائق.
"أرض الوعد" (1935): إنتاج الوكالة اليهودية، يصور فلسطين كأرض فارغة تنتظر الهجرة.
الكاميرا مهّدت للرصاصة، الصورة مهّدت للمجزرة، والدعاية صاغت الغياب كأنه حقيقة.
ثم جاء أوسلو 1993. التصفيق في البيت الأبيض كان مشهدًا عالميًا، لكن خلفه كانت الخديعة الكبرى: عودة ناقصة إلى جيوب متناثرة، تقسيم الأرض إلى مناطق A وB وC، واعتراف بشرعية الاحتلال على أكثر من 80% من فلسطين التاريخية. أوسلو لم يكن سلامًا، بل إعادة إنتاج للهزيمة تحت اسم "الحل الواقعي".
وفي غزة، المشهد أكثر وضوحًا وقسوة. منذ 1967 طُرحت خطط لترحيل السكان إلى سيناء، وفي 2023 ظهرت وثائق رسمية من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تقترح "النقل الكامل للمدنيين". غزة تحولت إلى سجن كبير منذ 2007، محاصرة بالبحر والبر والجو، مع ثلاث حروب كبرى دمّرت كل شيء (2008–2009، 2012، 2014)، وحروب متكررة لم تترك بيتًا إلا جُرح. الآن، تحت القصف تتهاوى البيوت فوق ساكنيها، وتحت التجويع تُحاصر الأمهات بأطفالهن بلا خبز ولا ماء. في المستشفيات التي لم تعد مستشفيات، يسقط الجرحى بلا دواء، والمرضى بلا علاج. غزة مختبر مفتوح للإبادة، تُقصف وتُجوَّع وتُحاصر، كي يُدفع أهلها نحو التهجير القسري.
وفي الضفة، لا يختلف المشهد. اجتياح مخيم جنين مرارًا، طولكرم المحاصرة، نابلس التي يُدمر مخيم بلاطتها وعسكرها، رام الله التي لم تُعفَ من الهجوم: الأمعري والجلزون، كل المخيمات مستهدفة بالدهم والهدم. الهدف ليس القتل وحده، بل محو الذاكرة، محو المخيم كرمز للنكبة، دفن حق العودة تحت الركام، وإلغاء حتى صورة اللاجئ من الوجود.
لكن المخطط لم يعد خفيًا. لم يعد تحت الطاولة. صار يُعلن على الملأ، برعاية أمريكية وبوقاحة إسرائيلية.
سوريا دُمّرت، وجنوبها محتل، والطريق إلى الفرات مفتوح.
لبنان يُستنزف، الهدف نزع سلاح المقاومة واحتلال الجنوب وانتزاع مياه الليطاني.
اليمن يُقصف لتُشل خاصرته البحرية عند باب المندب.
إيران تُضرب مواقعها العسكرية والعلمية.
تونس تتعرض لتدخلات مباشرة وغير مباشرة.
وفي الأمم المتحدة، يعلن ممثلو الاحتلال تهديدهم لقطر ولدول عربية وإقليمية بلا خجل.
اليوم، يقف نتنياهو جنبًا إلى جنب مع وزير خارجية الولايات المتحدة، ليكرر الأكذوبة الكبرى: أن ما يجري منذ عامين سببه هجوم 7 أكتوبر. وكأن دير ياسين ورفح وخان يونس وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا لم تكن موجودة. وكأن حصار غزة لم يبدأ قبل عقدين. وكأن تهويد القدس وضم الجولان لم يحدثا إلا قبل عامين فقط.
هذا التزوير العلني للتاريخ ليس مجرد خطاب سياسي؛ إنه جريمة ثانية تُضاف إلى الجريمة الأولى. فالمذبحة لا تُرتكب بالرصاص وحده، بل أيضًا بالكلمة المضللة. عندما يقف رئيس وزراء كيان الاحتلال مهددًا باغتيال قيادة المقاومة "أينما وُجدوا" ويعترف بمحاولة استهدافهم في قطر، ولا يجد من وزير خارجية أمريكا سوى الصمت، فإن الشراكة في الجريمة صارت علنية.
أي حديث عن "التحالف" مع قطر أو غيرها لا يلغي حقيقة أن إسرائيل تقصف وتُهدد في الدوحة التي تحتضن أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة. هذه ليست ازدواجية معايير، بل تواطؤ كامل: أن يلوّح القاتل بسكينه داخل بيت الحليف، ثم يُصفّق له الحليف ذاته.
لكن الحقيقة أبعد من كل هذه المسرحيات. المخطط الصهيوني لم يبدأ مع 7 أكتوبر، ولا حتى مع وعد بلفور. لقد بدأ قبل ذلك بكثير، في الفكرة الخبيثة: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". فكرة جرى تسويقها في المنشورات، وفي الأفلام الدعائية التي صوّرت فلسطين كأرض فارغة، خصبة، تنتظر الغزاة. ثم جاء وعد بلفور عام 1917 ليكرّس هذا المشروع على الورق، ويمنحه شرعية استعمارية دولية بغطاء الإمبراطورية البريطانية. لم يكن البداية، بل كان وثيقة تثبيت لمخطط وُضع قبلها بعقود، ثم جرى تنفيذه بالدم والمجازر والتهجير.
كل من يردد أكذوبة أن حرب الإبادة الحالية وُلدت مع 7 أكتوبر إنما يشارك في الجريمة. 7 أكتوبر ليس السبب، بل الذريعة. أما السبب الحقيقي فهو المشروع نفسه: من مقولة "أرض بلا شعب" إلى وعد بلفور، من المجازر الأولى إلى صبرا وشاتيلا، وصولًا إلى غزة اليوم. كلها حلقات في خطة منظمة لإزالة فلسطين وشعبها من التاريخ.
هذه ليست حربًا على "إرهاب"، بل حرب على الوجود الفلسطيني، وعلى الذاكرة، وعلى العدالة نفسها.
من يقول إن ما يحدث وليد 7 أكتوبر يتواطأ مع القاتل في تزوير التاريخ. فكل المجازر من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، من رفح إلى جنين، كانت قبل هذا التاريخ بعقود طويلة.
الصمت موقف، والحياد خيانة.
إذا سقطت غزة، سقطت العواصم.
إذا صمدت غزة، سقط المخطط كله.
ولذلك، ستظل فلسطين تكتب تاريخها بالدم والرماد، لا بالحبر وحده.
وستظل الذاكرة جرحًا مفتوحًا وصرخة لا تموت.
يحيى بركات – مخرج وكاتب سينمائي