عبدالقادر وساط -رسائل إلى أدباء العصور القديمة ورسائل منهم (1--3)

1 - رسائل إلى أدباء العصور القديمة و رسائل منهم (1) رسالة من ابن قُتَيبة إلى أحمد بوزفور



من أبي محمد عبدالله بن مسلم بن قُتَيبة الدِّينَوْري، الأديب النحوي اللغوي
إلى الأديب القاص الألمعي الأستاذ أحمد بوزفور
السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته،
وبعد،

فقد سُررتُ غاية السرور لما بلغني أنك من المعجبين بكتابي( الشعر والشعراء). وهو كتابٌ أتحدثُ فيه عن الشعراء وأزمانهم، وعما يُستحسَن من أخبار كل شاعر، وما يُسْتجادُ من شعره. وأنتَ تَعرف جيدا، يا سي أحمد، وأنت أستاذ الأدب القديم، والمطلع على أسرار الشعر العربي والعليم بخفاياه، أن أجْمَلَ الشعر هو ما حَسُنَ لفظه وجادَ معناه، مثل قول الحَزين الكناني في أحَد بني أمَيّة:
يُغْضي حَياءً ويُغْضى منْ مَهابَتهِ = فما يُكَلَّمُ إلا حينَ يَبْتسمُ
و مثل قول أوس بن حجر :
أيتها النفسُ أجْملي جَزَعا =إنّ الذي تَحْذَرينَ قدْ وَقَعا
و مثل قول أبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها = وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ
ومثل قول حُمَيد بن ثور:
أرى بَصَري قد رابَني بعْدَ صحَّة = وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصحَّ وتَسْلَما

فتأمل معي - يا صاحب ديوان السندباد
- هذه الأبيات. هل قال أحد في الهيبة مثل قول الحزين الكناني؟
- وهل ابتدأ أحد مرثية مثلما ابتدأها أوس بن حجر؟
- وهل وصف أحد رياضة النفس كما وصفها أبو ذؤيب؟
- وهل قال أحد في الكبر أحسنَ من قول حُمَيد بن ثور؟

لقد كان همي الأول، إذن، عند تأليف ذلك الكتاب، هو السمو بالذائقة الشعرية لدى الناس، كما تقولون أنتم في قرنكم الميلادي الواحد والعشرين. ولا يخفى عليك، وأنت من أنت، أنني ألفتُ كتبا أخرى عديدة، منها كتاب (معاني الشعر) وكتاب (عيون الشعر) و(عيون الأخبار). كما أنني لم أقتصر في تصانيفي على الأدب، فقد كنتُ عالما لغويا كذلك، آجمع بين المذهبين البصري والكوفي، مثلما كنتُ قاضيا في الدينَوْر، مما جعل الناسَ يسمونني الدينوري. ورغم اشتغالي بالقضاء، وكثرة مصنفاتي في علوم القرآن والحديث، فإن إسهامي في المناقشات الكلامية - وما كان أكثرها في زمني! - قد جعل بعض المتعالمين يتهمونني بالزندقة ويطالبون بقتلي.
أما رجال العلم الحقيقيون، فإنهم يعترفون بقيمتي ويشيدون بمكانتي. وقد أثلجَ صدري ما بلغني عن العالم ابن خلدون، الذي قال عني في مقدمته: ( وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين، هي: "أدب الكاتب " لابن قُتيبة، و "الكامل" للمبرد، و" البيان والتبيين " للجاحظ، و"النوادر" لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبعٌ لها وفروع عنها...)
وها هو كتابي ( الشعر و الشعراء) لا يزال يلقى الإقبال من أبناء عصركم، رغم أنني رحلتُ عن دنياكم منذ اثني عشر قرنا من الزمان! إذْ كانت وفاتي، كما تعلم، سنة 276 للهجرة، وأنا في الثالثة والستين من العمر.
ويبدو أنني متُّ نتيجة لحالة تسمم، كما يقول أطباءُ زمنكم. إذْ يحكي البعض أني أكلتُ هريسة فأصابتني منها حرارة شديدة، فصحْتُ صيحة عظيمة، ثم أغْمِيَ عليّ إلى الظهر واضطربتُ ساعة ثم هدأتُ، فما زلتُ أتشهد إلى أن أدركَتْني الوفاة عند السَّحَر...
بينما يَزعم آخَرون أن وفاتي كانت مفاجئة، إذْ أغمي عليّ بغتة فلم أفقْ من إغماءتي تلك،
وفارقتُ الدنيا، دون أن أشتكي من علة أو نحوها. والله تعالى أعلم بالحقيقة.
وحرر ببغداد العامرة،

توقيع : ابن قتيبة الدينوري.

***


2- رسائل إلى أدباء العصور القديمة ورسائل منهم (2) رسالة من أبي النجْم الراجز إلى محمد بن علي



من الفضل بن قُدامة بن عجْل، المعروف بأبي النجم إلى محمد بن علي، المعروف بالرباوي
السلام عليك ورحمة الله وبعد،
أبعث إليك كتابي هذا من موضع يقال له الفِرْك، بسواد الكوفة. وذلك في فجر الاثنين، الثامن من حزيران، من سنة 747 للميلاد، أي في زمن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.
وما إخالني في حاجة إلى تقديم نفسي إليك، وأنتَ الشاعر المفلق والأستاذ الباحث، الخبير بالشعر العربي القديم... إنك تَعرف دون شك مكانتي في الرجز ومنزلتي بين الشعراء، وتعرف أني أنا صاحبُ الأرجوزة التي أولها ( الحَمْدُ لله الوَهُوب المُجْزِلِ)، وهي أجود أرجوزة للعرَب، وتَعرف أني أنشدْتُها هشامَ بنَ عبدالملك، وأنه كان من شدة استحسانه لها، يصفق بيديه وأنا أنشدها... ثم حدثَ ما حدثَ أثناء الإنشاد، حين شاء لي سوءُ حظي أن أصفَ الشمسَ في هذه الأرجوزة بقولي:
صَغْواءَ قدْ كادتْ ولمّا تَفْعَلِ = فَهْيَ على الأفْق كعَيْن الأحْوَلِ
إذْ غاب عني، عندئذ، أن الخليفة هشامَ بن عبدالملك أحْوَل!
فلما سمعَ قولي هذا، ظن أني أعرّضُ به، فأمرَ بوَجْءِ رقبتي وإخراجي. وقد استعمل الكاشحون هذه القصة المؤسفة للنيل من شاعريتي والحطِّ من قدري، مع أن أباعمرو بن العلاء نفسه قد شهدَ أني أبْلَغُ في النعت من العَجّاج.
والذي حزّ في نفسي، يا ابنَ علي، هو أنك انضممتَ أنتَ الآخر إلى جماعة الساخرين الهازئين، وشرعتَ تنشر نصوصاً تَهزأ فيها مني وتَزعم أنني لا أبلغ شأو غيري من الرجاز. كأنك نسيتَ أو تناسيتَ أني أنا صاحب الأرجوزة المشهورة ( تَذَكَّرَ القلبُ و جَهْلاً ما ذَكَرْ)، والتي أقول فيها:
إنّي و كلُّ شاعرٍ منَ البَشَرْ = شَيْطانُهُ أنْثى وشيْطاني ذَكَرْ
ثم إنني لستُ كغيري من الرّجّاز، الذين اكتفوا بالرجز ولم يُحْسنوا أنْ يُقَصِّدوا، فأنا أقَصِّدُ فَأُجِيد، كما يشهد محمد بنُ سلّام الجُمَحيّ نفسه، في كتابه (طبقات فحول الشعراء). ولا شك أنك تبتسم الآن وأنتَ تقرأ اسمَ ابن سَلّام الجُمَحي، لأنك تَعلم حق العلم أنه أهانني وأزْرى بي، حين وضعني مع ثلاثة من الرجاز الآخرين، وهم الأغْلَب العجْليّ والعجّاج وابنه رُؤْبَة، في الطبقة التاسعة من فحول شعراء الإسلام! وهكذا حشرنا نحن الأربعة في الدرك الأسفل، بينما أغفل الرجاز الآخرين إغفالا تاما، فلم يشر إليهم لا من قريب ولا من بعيد... ومنهم دُكَيْن الراجز، الذي لا يكتفي هو الآخر بالرجز، بل ينظم القصائد أيضا فيجيد... وكيف لا وهو القائل:
إذا المرء لم يدْنسْ من اللؤم عرْضُهُ = فكلُّ رداء يرتديه جميلُ
أعرف أنك ستقلص ما بين حاجبيك، حين تقرأ هذا الكلام، لأن معاصريك ينسبون هذا البيت للسموأل...
ومن الرجاز الآخرين، الذين ترَفّعَ ابنُ سلام حتى عن ذكرهم في كتابه، هناك أبو نُخيلة، الذي كُني كذلك لأن أمه ولدَتْه إلى جنب نخلة، وهو الذي هجاه رؤبة فوصفه بالخياط في قوله: ( فقلْ لذاك الشاعر الخيّاطِ)، والخياط في لغتهم، كما لا يخفى عليك، هو الدعي، المنتسب إلى قوم ليس منهم....
ومن الذين أغفلهم ابن سلام كذلك، الراجز عمر بن لجأ، الذي كان بينه وبين جرير شرٌّ ومهاجاة...
وإني لأرجو منك، يا أخي الرباوي، في ختام هذا الكتاب، أن تكفّ عما أنتَ فيه من تشنيع بالرجاز، وبي أنا على وجه الخصوص وإلا فسوف ألجأ للسلاح الوحيد الذي أمتلكه، كي أدافع عن حرمتي وأذود عن شرفي، وهو الرجز...
وبه الإعلام والسلام...

***

(3) رسالة من الملك مرداس بن الأسود و رسالة إليه


<> من مرداس بن الأسود ، ملك بلاد الكشتبان، إلى المستبد بالله طاغية نجدان
السلام عليك أيها الطاغية المُهاب ، و بعد

فإنّا نَحْن معاشر الملوك قد أسبغَ علينا الله سبحانه و تعالى من فضله و غمرنا بإحسانه و أعطانا العزة في الدنيا و وعدَنا الثوابَ في الآخرة ، و حكّمنا في مصائر الناس، و أناط بنا أمرَ حماية الأوطان و الذود عنها . و قد أخبرني من أثق فيه أنّ عدو الله أنطونيوس السابع عشر- عظيم الروم - قد جمع الجموع لغزو مملكة الكشتبان ، و أنه ينوي - إن هو ظهر علينا و احتل بلادنا- أن يتوجه بعد ذلك غازيا إلى مملكة نجدان . و سمعتُ أن ضخْم اللغاديد هذا قد قال لقادة جنده : " قاتلوا رعاة الشاء ، أكلة الشيح و القيصوم ، فإما الانتصار أو الموت ."
و اعلم أيها الطاغية المبجل أننا سنلقى ابنَ الكافرة بالمشرفية و العوالي ، كما كان أجدادُنا يَلقون أجدادَه في القرون الخوالي. فما من واحد منا إلا و يتمثل بقول صريع الغواني ، مسلم بن الوليد ، في مدح داوود بن يزيد

( يجودُ بالنفس إذْ ضنَّ الجوادُ بها / و الجودُ بالنفس أقصى غاية الجود.)

و كتابي إليك - أيها المستبد الهمام - كي تُوَجه إليّ مَدَداً من جيشك الظافر ، يَلقى معنا أعداءَ الله في وقعة مهولة تترك الشجاع مذهولا . و اللهَ أسأل أن يمدنا بنصره حتى نهدَّ أركان المشركين و نقطعَ دابرهم فلا نَسمع لهم ذكْراً أبد الآبدين .
و السلام عليك و رحمة الله و بركاته .

******

<> من المستبد بالله طاغية نجدان إلى مرداس بن الأسود، ملك بلاد الكشتبان

السلام عليك و بعد
فاعلم أني قرأتُ كتابك و أعدتُ قراءته ، فعجبتُ كيف تخطئ في اللغة و أنتَ ملك و ابن ملك و من سلالة عريقة في المُلك .
فقد وصفتَني بأني طاغية مُهاب ، و الصواب هو " مَهيب" ، لأنه مِنْ هابَ يهابُ هيبة .
و قلتَ إن الله سبحانه و تعالى حكّمَنا - نحن معاشر الملوك - في مصائر الناس، و كان ينبغي أن تقول " مصاير" ، بالياء، لأنّ الياء في كلمة مصير أصلية و ليست زائدة . و قد سمعتُ ملوكاً غيرك يخطئون في مثل هذا فيقولون " مشائخ " و " مكائد " و " معائش" ، و الصواب أن يقولوا " مشايخ " و " مكايد " و " معايش."
و قلتَ إن الله قد أناطَ بنا حماية الأوطان ، و كان ينبغي أن تقول " ناطَ بنا " ، لأن الفعل هو ناط يَنوطُ نوطاً .
و أما عن قول عدو الله لقادة جنده " فإما الانتصار أو الموت " ففيه خطأ واضحٌ بَيّن ، لأن " إما "- التي تفيد التخيير أو الإباحة أو الشك أو الإبهام أو التفصيل - يلزمها التكرار . و كان على الكافر الفاسق أنطونيوس السابع عشر أن يقول : " فإما الانتصار و إما الموت." و قد قال عزّ من قائل ، في سورة التوبة ( إما يعذبهم و إما يتوب عليهم ) و قال في سورة الإنسان ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا و إما كفورا ) و قال سبحانه في سورة الكهف ( قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب و إما أن تتخذ فيهم حُسنا.) و هذا شاعرنا أبو الطيب لم تغب عنه هذه القاعدة حين قال في مقصورته الشهيرة ، متحدثا عن إبله
( ضربتُ بها التيهَ ضرْبَ القمار / إما لهذا و إما لذا ).
و الأمثلة الشعرية كثيرة لا تحصى في هذا الباب. و أما من يحتج بورود ( إما ) غير مكررة في بعض كلام علي بن أبي طالب أو الحسن البصري ، فذلك في رأينا من غلط النساخ .
و جاء في كتابك إليّ ، أيها الملك الهمام ، أنك تتوعدُ الكفرة بوقعة " مهولة " . و إني لأعجبُ كيف استعملتَ اسم المفعول في موضع اسم الفاعل ، و ما كان ينبغي لك ذلك ، لأن الصواب هو أن تقول : " وقعة هائلة " . و ذلك من قولنا : هالني الأمر يَهولني فهو هائل.
و كتبتَ أن الشجاع سيبقى مذهولاً ، و الصحيح هو أنه سيبقى " ذاهلاً " ، لأن الفعل هو ذَهلَ يَذْهَلُ .
أما عن بيت صريع الغواني ، في مدح داوود بن يزيد ، فالصواب هو أن تكتب" داود " بواو واحدة .
و السلام عليك و رحمة الله و بركاته .

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى