هل تساءلنا لماذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدم وفضلهم وميَّزهم على كثيرٍ من مخلوقاته؟

هذا التَّكريم والتفضيلُ والتَّمييز أشار لهم، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 70 من سورة الإسراء : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

هذه الآية الكريمة تتألف من أربعة أجزاء التي هي :

1."وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…" (التَّكريم)
2."...وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ…"(تسهيل التَّنقُّل من أجل إعمار الأرض)
3."...وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ.."(التمكين من الحياة بمعناها البيولوجي وبِمعناها الواسع، كذلك، من أجل إعمارِ الأرض)
4."...وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (التَّفضيل)

بعد تحليلٍ مُتدبَّرٍ فيه لهذه الآية الكريمة وتقريب أجزائها الأربعة، بعضها من البعض الآخر، واضِحٌ أن ما قصدَه الله، سبحانه وتعالى، من خلال هذه الآية، هو، أولاً وقبل كل شيء، إعطاءُ قيمةٍ للإنسان، عبر تكريمِه وتفضيلِه على سائر المخلوقات الحية الأخرى، وخصوصا، الحيوانات. بل إنه، عزَّ وجلَّ، فتح له ( أي الإنسان) الأبوابَ ليسيرَ في الأرض، برّاً وبحرا ومكَّنه من الاستمتاع بخيرات البر والبحر، أي أن هذه الآية الكريمة فيها تكريمٌ وتفضيلٌ للإنسان وفيها سيرُه في البر والبحر وفيها، كذلك، تمكينُه من خيرات الأرض.

وهذا التَّحليل المُتدبر فيه، يفرِض عليَّ طرحَ ثلاثةِ أسئلةٍ، أعتبِرها، أنا شخصيا، من الأهمية بمكان. وفيما يلي، إليكم هذه الأسئلة :

1.بماذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، الأنسانَ وفضَّله على كثيرٍ من مخلوقاته؟

2.لماذا حملَ اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدم، في البر والبحر، أو بعِبارة أخرى، لماذا يسَّرَ اللهُ، عزَّ وجلَّ، سيرَ الإنسان في البر والبحر،؟

3.ما هي الطيبات التي مكَّن اللهُ، سبحانه وتعالى، الإنسانَ منها؟

قبل الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة، أريد أن أثير الانتباهَ أن كلامَ اللهِ، سبحانه وتعالى، موجَّهٌ للبشرية جمعاء وليس لفئة بشرية دون أخرى. وهذا يعني أن تكريمَ بني آدم لا علاقةَ له بالمُعتقدات الدينية.

كما أثير الانتباهَ أن أفعالَ هذه الآية الكريمة، الأربعة (كَرَّمْنَا، وَحَمَلْنَاهُمْ وَرَزَقْنَاهُم وَفَضَّلْنَاهُمْ) كلها أتت على صيغة أفعال ماضية. لكن ما يجب الانتباهُ إليه، هو أن آياتٍ كثيرةً في القرآن الكريم، أفعالها مصاغة في الماضي. وهذه الأفعال الماضية، إما تدل على أحداث وقعت في الماضي وانتهت، مثلاً، "...وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ" (السجدة، 7). وإما تدل على أمور وقوعها حتمي inévitable في الماضي والحاضر والمستقبل. مثلا، عندما نقرأ، في القرآن الكريم، "وكَانَ اللهُ غَفوراً رَحِيماً"، فهل هذا يعني أن المغفرة والرحمة الإلهِيتين لم يعد لهما وجود في الحاضر والمستقبل؟ لا أبداً! ما دام وجود الله مستقل عن الزمان والمكان، فمًغفرتُه ورحمتُُه موجودتان، أي تتبعانِه خارج الزمان والمكان، وبالتالي، بالنسبة لنا نحن البشر، هاتان المغفرة والرحمة موجودتان في الماضي والحاضر والمستقبل.

والآن، سأجيب، بالتَّتالي، على الأسئلة الثلاثة، المشار إليها أعلاه.

فيما يخصُُّ السؤال الأول، أي "بماذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، الأنسانَ وفضَّله على كثيرٍ من مخلوقاته"؟، أقول :

اللهُ، سبحانه وتعالى، كرَّم بني آدم وفضلهم على كثير من مخلوقاته، بالعقل والنطق والمشي على رجلين وجعل اليد قادرة على المسك la préhension وذلك، بجعل الإبهام le pouce مقابلاً لباقي الأصابيع الأربعة opposable aux autres quatre doigts، أي السبابة والوسطى والبنصر والخنصر.

العقل ليكون الإنسانُ واعيا بوجودِه ومسؤولا عن تصرُّفاته، و واعياً بوجود الأشياء المحيطة به. النطق ليعبِّر عن أفكاره، وبالأخص، لربط علاقات مع أنداده، وبالتالي، للتعاون وللتساكن والتعايش داخل المحتمعات. المشي على رجلين bipède لتبقى الأطراف العلوِية حرة les membres supérieurs libres، علماً أن هذه الأطراف العلوِيةش هي امتداد للعقل، وبفضل امتدادِها للعقل، فَبِهَا يغيِّر الإنسانُ وسط عيشه، وذلك بخاصية المسك التي أشرتُ لها أعلاه.

والعقل والنطق والمشي على رجلين وخاصية المسك la préhension كلها تسعى لتحقيق هدفٍ واحدٍ، وهو إعمارُ الأرض، أي ما نُسمِّيه بلغة العصر الحاضر ب"التنمية" التي انتقلت فكريا وفعلياً من تنميةٍ أنانية développement égoïste إلى تنمية مستدامة إيثارية développement durable altruiste.

أما فبما يخصُّ السؤال الثاني، أي "لماذا حملَ اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدم، في البر والبحر، أو بعِبارة أخرى، لماذا يسَّرَ اللهُ، عزَّ وجلَّ، سيرَ الإنسان في البر والبحر"؟، أقول :

اللهُ، سبحانه وتعالى، حمل بني آدمَ في البر والبحر، أي سخَّرَ لهم وسيلةً يركبونها للسَّيرِ في البر والبحر.، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (العنكبوت، 20). والسَّير، في هذه الآية الكريمة، ليس هو التنقُّل المحض من مكان إلى آخر.، بل تنقُّلٌ يتطلَّب إحضار العقل لاكتشاف ما خلقه الله، سبحانه وتعالى، من مُكوِّنات حية وغير حية. والله، عزَّ وجلَّ، لم يقل سيروا في مكان معين، بل قال "...سِيرُوا فِي الْأَرْضِ…"، برمَّتِها براُ وبحرً.، وشغِّلوا عقولًكم لتكتشِفوا ما أراده الله، سبحانه وتعالى، لكم من خيرٍ.

وما يجب الانتباهُ له، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، تحدَّث، في هذا الجزء من الآية، عن السَّير في البر والبحر دون أن يوضِّح لنا ما هي نوعية هذين البر (اليابسة) والبحر، علما أن العلمَ الحديث يقول لنا بأن البراري (جمعُ بَر) والبِحارَ (جمعُ بحر) أنواع مختلفة حسب مواقعها في الكُرة الأرضية. ودون، كذلك، أن يوضِّحَ لنا ماهية وسائل السير في البرِّ والبحر. لماذا؟

لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 4 من سورة التَّغابن : "يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…". وفي هذا الجزء من الآية، حرف "ما" ينوب عن كل ما يحدث "...فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…"، من تطوُّر فكري وعملي، أي أن اللهَ، عزَّ وحلَّ، على علمٍ بأن العقل البشري سيتطوَّر évoluera وسيخترع وسائل تنقُّل تناسب ما وصل إليه الإنسانُ من تقدُّم فكرى وما تم اكتشافُه مما سخَّره الله لعِبادِه من خيرات. وهذا هو ما حدث ماضياً وحاضراً وما سيحدث مستقبلا، إذ تنوَّعت وسائل النقل والتَّنقُّل.

أما فيما يخص السؤالَ الثالثَ، أي "ما هي الطيبات التي مكَّن اللهُ، سبحانه وتعالى، الإنسانَ منها"؟

ما أثار انتباهي، في هذا الجزء من الآية رقم 70 من سورة الإسراء، هو : لماذا استعمل، سبحانه وتعالى، كلمة "الطَّيِّبَاتِ"، عوض "الخيرات"؟

استعمل، سبحانه وتعالى، كلمةَ "الطَّيِّبَاتِ" لأنه، عزَّ وحلَّ، لا يريد أن يقع عبادُه فيما هو حرام. ولهذا، فكلمةُ "الطَّيِّبَاتِ" تشمل كثيرا من الأشياء التي أحلَّها اللهُ، جلَّ عُلاه، وفيه منفعةٌ للناس كالطعام والشراب والادوية وكل ما يحافظ على الصحة…. و"الطَّيِّبَاتِ" لا تشمل، فقط، كل ما هو مادي. بل تشمل كل ما هو فكري من أخلاقٍ حميدة وأعمال صالِحة… وهذا هو جوابي على السؤال الثالث، المشار إليه أعلاه..

بقي أن أجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل تساءلنا لماذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدم وفضلهم وميَّزهم على كثيرٍ من مخلوقاته؟

انطلاقا من قولِه، سبحانه وتعالى. في الآية رقم 115 من سورة المؤمنون : "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ". واضحٌ، في هذه الآية الكريمة، أن الله لم يخلق الإنسانَ ولا أي شيءٍ عبثا. بل في خلق الإنسان والأشياء حكمةٌ وغاية أو غايات. بمعنى أن أي شيء خلقه الله، في الكون وفي الأرض، بما في ذلك، الإنسان، خلقَه لِلَعِبِ دور أو أدوار يستفاد منها وتُفيد. والغاية الأولى والأساسية، هي عبادة الله والامتثال لأوامره واجتناب نواهِيه (المحرمات المادية والمعنوية).

أما التّكريم والتَّفضيل والتمييز والطيِّبات والسير في الأرض… فقاسِمهم المشترِك leur fil conducteur هو العقل la raison الذي هو نِعمةٌ من الله، قد يٌحسن الإنسانُ استعمالَها، فيستفيد ويُفيد. وقد يُسيء الإنسانُ استعمالَها، فيَحِيد عن ما أراده اللهُ من خيرٍ لعباده.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى