د. عيد صالح - اريج محمد بين مرآة وبحر

اريج محمد
بين مرآة وبحر

حيث تستبد بنا الوحدة والفراغ
نلجأ للهروب في ذلك الجهاز اللعين، علنا نجد العزاء او نوهم أنفسنا باننا وقعنا في إسار الآخر بل نقع في شباك اللغة التي تعزف نفس المشاعر والأحاسيس في سردية الهروب في البدائل الخيالية من الواقع الذي يلح في انتظار كسر الحصار والنظر بحدة في عينى رجل من لحم ودم يجلس في مواجهة النافذة وابتسامته إلتى تصر على أنها بلهاء - لأنها ترفضه واضطرابه للمفاجأة رغم الانتظار وتخيل أنه هو الآخر يواجه مرآة من مرايا محل الموبيليات الذي يملكه ممنيا نفسه بأن الفرسة قد وقعت في الشباك وهى بين حديث خاطف مع ابنتها وتسقط الرسائل فى التليفون - تتعجب كيف وقعت في أسر اللغة لرجل قد لا يكون مهتما بها أو مشغولا بالكتابة في روايته الأخيرة
لكن طقسها وعالمها الذى لا زالت تجد نفسها فيه هو فنجان القهوة والاستعداد له كعروس بالبيجامة الزرقاء والعري للحظة والنظر في المرآة التي تقترب منها ليتلاشى جسدها وتتواجه العينان حيث البحر عتبة النص وزرقته زرقة عينيها وحيث توصف العيون بالبحر باللون والعمق وصخب أمواجه مع زرقة البيجامة ودلالتها ويظهر هو بجانبها في لحظة حلم التمني، لكنها سرعان ما تكتشف بؤسها لأنها وقعت في غياب رجل في لحظة جموح
دعنا نرتب السردية من وجهة نظر السارد العليم والذي قسمها إلى لقطات ومشاهد تسجيلية بكاميرا سينمائية تركز علي الظلال والزوايا التي تعمق أزمة الشخصية والدلالات النفسية للصراع داخل الشخصية وانعكاساتها في تصرفاتها المتناقضة
اللقطة الأولى اكتشافها الوحشه والألفة لهذا الذي تراسله عبر التليفون وتعلقها به لتوافق المشاعر الأحاسيس عبر اللغة
اللقطة الثانية ممارسة الطقوس اليومية في ضجر واضح والسفر عبر خطوات وكأن الخطوات سفر طويل لتسقط الأخبار عبر المجهول - تصل إلى المحطة / انظر إلى السير خطوات ومحطة الوصول ترمز إلي المعاناة في تسقط أخباره في بضع خطوات كأنها سفر لمحطات تصدمها وتعيدها للسؤال الملح " ربما .. وربما - تم تؤكد انها غريبة عنه وليس بينهما تفاصيل "
اللقطة الثالثة - العودة لمن حولها تحادث ابنتها قليلا تطل من الشرقة للحظات وكالعادة تلمح ابتسامة رجل من لحم ودم وليس رجل رسائل عبر اقفاص اللغة " يداعب خيالها ومشاعرها إنه الصراع بين الواقع المحاصر المطارد لها بالنظرات المقتحمة وبين الخيال المطارد لها بالكلمات - وبينهما تظل ضائعة. لا تتخذ قرارا - حتى وهي في أجمل حالاتها في اللقطة الرابعة حيث طقس القهوة والنظر للمرآة كما أسلفنا هربا في حلم البحر وملامسة الموج وهو إلى جوارها -لتفاجأ كم هي وحيدة ضائعة أحبت شبحا ورفضت رجلا ربما بحاسة المرأة استشعرت ذئبيته أو استصغرت أسلوبه المراهق وربما هي لغة القلوب التي لا تخضع لمنطق أو دليل ..!!

كان يمكن أن تنتهى القصة هنا لكن المؤلفة أرادت أن تمارس حقها الذي أعطته لها سرديات ما بعد الحداثة من ميتاسرد وميتانقد وتفسر لنا موقف بطلتها المأزوم
علي لسان السارد العليم " رأت بوضوح كم كانت وحيدة ، وحيدة لدرجة أنها وقعت في غياب رجل خرج في لحظة جموح من متاهات اللغة .." وكأن اللغة وهي سمة الحبيب المؤلف الروائي الذي سحرها باللغة لا بشخصيته مجهولة الأسم والصفات لتؤكد لنا فرضية متاهات اللغة وأقفاصها في معركة نفسية داخل الشخصية الرئيسة الوحيدة الضائعة التي لم تحسم قرارها بعد لكن الإدراك للأزمة كثيرا ما يشير للحل والذي بدأت مع صاحب محل الموبيليا رغم أدائها المفاجئ وادعائها السخرية في محاولة للتماسك في صراعها النفسي الذي أجادت المؤلفة صنعه بلا تقعر أو معاظلة فكرية حتي في إدراكها بالميتاسرد والميتا نقد
كلمة أخيرة تحسب للكاتبة وهي الشاعرة المتحققة استطاعت رغم لغة السرد الرصينة المكثفة والشيقة ألا تسقط في اسار الشعر وكانت واعية بلغة السرد وخصائصها بعيدا عن المتشدقين باللغة الشعرية كميزة للنص أراها قصورا وافتعالا يربك النصوص ويحيلها للوقوف علي حافتي السرد /الشعر ...!!
تحياتي للشاعرة أريج محمد علي قصتها البديعة والمائزة ..!!

د. عيد صالح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى