محمد علي - رسالة اليوم الخامس من رحلة الصمود إلى غزة

محمد علي - نائب بمجلس الشعب التونسي وناشط حقوقي


تحدثوا عنهم
‏Tell Them of Us
في عام 2014، خرج إلى النور فيلمٌ بريطاني بعنوان “Tell Them of Us” – أو “تحدثوا عنهم” – يروي القصة الحقيقية لجندي شاب يدعى ويليام روبيرتس، ذهب إلى الحرب العالمية الأولى ولم يعد. لم يكن وحده، بل كان واحدًا من ملايين الشباب الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لصراعات لا يعودون منها إلا في قصص ذويهم أو في سطور النسيان. لم يكن الفيلم عن معارك وانتصارات، بل عن الصمت والانتظار والفقد والحاجة الملحة لأن نتحدث عن من رحلوا لأن الصمت موت ثانٍ.
من خلال رسائل متبادلة بين الجندي وعائلته، ومن خلال معاناة شقيقته غريس، رأينا الوجه الإنساني للحرب: كيف ينهار العالم بهدوء حين يُنسى أبطاله. وجّه الفيلم رسالة صريحة:
“تحدثوا عنهم… لا تدعوهم يُنسَون.”
هذه الرسالة تتجاوز الحرب العالمية، وتتخطى الحدود الجغرافية والزمنية، وتصلنا اليوم في مشهد مختلف، لكنه يتنفس المعاناة ذاتها.

1758532740101.png

اليوم، وبين أمواج البحر الأبيض المتوسط، تتحرك سفن أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة الصامدة في مهمة ليست عسكرية ولا استعراضية بل إنسانية خالصة: رجال ونساء من شتى أنحاء العالم ومن خلفيات سياسية وفكرية وأيديولوجية وثقافية مختلفة اجتمعوا على قرار واحد : ان لا يصمتوا
اختاروا أن يحملوا أرواحهم على أكفّهم، ويبحروا لكسر الحصار المفروض على غزة، ذلك الحصار الذي حول الحياة إلى سجن مفتوح والماء إلى رفاهية والدواء إلى أمنية والخروج من الموت إلى معجزة.
ركاب هذه السفن ليسوا عساكر ولا جنودًا، بل ناشطين مدنيين قرروا ألا يكونوا متفرجين على مأساة مستمرة منذ أكثر من 17 عامًا. يدركون تمامًا ما ينتظرهم:
التهديد و الاعتراض والاعتقال وربما الأسوأ، ومع ذلك يبحرون.
انه يجب أن نتحدث عنهم،
لأنهم ببساطة يسيرون في خط النار نيابة عن العالم الصامت.
كما دعا فيلم “تحدثوا عنهم” إلى عدم نسيان الجنود الذين خاضوا حربًا لم يعودوا منها، نحن اليوم أمام جنود ضمير، لا يحملون سلاحًا، بل قلوبًا تنبض بالعدالة.
تمامًا كما خشي الفيلم من أن يُنسى “ويليام”، نحن نخشى أن يُنسى هؤلاء الشجعان الذين يواجهون البحر والسلاح من أجل أن يفتحوا نافذة حياة لمليونَي إنسان محاصَر.
يجب ان نتحدث عنهم لان الصمت خيانة للمبدأ والنسيان دفنٌ معنويٌّ لهم وهم أحياء، ولأن تضحيتهم إنسانية خالصة، لا تقودها حكومات بل تحرّكها القيم، ولأن المعركة التي يخوضونها لا تُقاس بالبندقية، بل بالشجاعة والإصرار ووضوح البوصلة.
في ثقافتنا العربية اعتدنا على تمجيد من يستشهدون في المعارك والخروب لكن ما نحتاجه اليوم هو أن نمجّد من يختار أن يعيش من أجل الآخرين، من يركب البحر لا طمعًا ولا تهورًا، بل التزامًا أخلاقيًا أمام معاناة شعب لا يملك حتى حق التنقل أو الدواء.
“تحدثوا عنهم” ليس مجرد شعار، بل دعوة مفتوحة:
• للصحفيين: اكتبوا أسماءهم.
• للمعلمين والأساتذة : اذكروا قصتهم.
• للآباء والأمهات : احكوها لأبنائكم.
• للمتعاملين مع المنصات الاجتماعية: انشروها في كل اللغات.
• ولنا جميعًا: لا نمرّ على قصتهم كما نمرّ على الأخبار العاجلة؛ بل نقف ونفكر ونحكي.
ان ويليام لم يذكر في الحرب حتى جاء من يُخلّد قصته بعد مائة عام، أما أبطال أسطول الصمود، فهم الآن وسط البحر، يخاطرون بحياتهم لأجل ضوء في نفق غزة، فهل يجب ان ننتظر مائة عام لنتحدث عنهم؟ فلنبدأ الآن.
‏“Tell them of us…”
“تحدثوا عنهم…”
صدى هذه العبارة لم يعد حكرًا على فيلم بريطاني، بل بات أمانة على أعناقنا ورسالة من كل مقاوم وكل محاصَر وكل من حمل قضية فلسطين كجرح لا يلتئم ووكل من قرر أن يقف في وجه الظلم بلا سلاح بل بقوة الموقف.
تحدثوا عن أسطول الصمود.
تحدثوا عن الذين يواجهون العالم بالسفن الخشبية.
تحدثوا عن الذين يحملون شرف الكلمة وراية الكرامة وصورة غزة في أعينهم.
تحدثوا عنهم، لأنهم صوتنا في زمن الصمت

‎ 22 سبتمبر 2025
  • Like
التفاعلات: سهام ذهني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى