العبارة الراسية في ميناء كاليه الفرنسي تبدو بحجمها الكبير كسفينة فضاء نصف غارقة تمد لسانها قنطرة لابتلاع الشاحنات والحافلات السياحية والسيارات الصغيرة في بطنها الكبير.
على مهل، ودون جلبة، تدخل السيارات في العبارة في نفس الوقت الذي تبدأ في زخات المطر الخفيف وكأنها دموع وداع.
يلاحظ المسافر تعايش مفروض بين اللغتين الفرنسية والانجليزية، بترتيب تحدده أرض اللغة، وتنحسر كل لغة وتتراجع للمرتبة الثانية عندما يصل المسافر الضفة المبتغاة، كما تتبدل حركة المرور تبعاً لتبدل اللغة.
السماء رمادية دامعة، ولبحر المانش أمواج خضراء خجولة، تفتقد مياهه الخضرة الواثقة لألوان البحار المألوفة.
للعبارة ثلاثة طوابق؛ أعلاها طابق مخصص للطعام والشراب وبه صالة كبيرة لألعاب الأطفال. مقاعد المطعم المطلة على البحر وثيرة يفصل بينها وبين الخارج زجاج سميك لا يحجب مشاهدة مياه البحر والبر المتباعد والذي يصغر في عين الرائي كلما أوغلت العبارة في البحر. الركاب مشغولون بتناول الطعام والحديث، بينما يصدر الأطفال جلبة وهم يلعبون في صالة الألعاب.
انظر الى المياه وقد اختفى البر الفرنسي تماماً، وأسائل هذه المياه التي تمور في مسافة لا تزيد عن 33.8 كيلومتراً عن شاب وشاب وطفل طوتهم هذه المياه وهم يحلمون بالوصول إلى دوفر، مقدمة البر الإنجليزي المقابل.
في هذه الرحلة التي لا تستغرق الساعة يجلس الركاب وهم مشغولون عن المياه ومساءلتها بالثرثرة والدردشة؛ بينما يلعب الأطفال بصخب – كيف أصبحت هذه الرحلة التي لا يشعر بها ركاب العبارة رحلة حياة أو موت لمهاجر أو مهاجرة وطفل رضيع.
رحلة مسكونة بالرعب ومتدثرة بالأمل. كيف تشعر هذه المياه وقد أصبحت أكفاناً للحالمين ببر انجليزي سعيد؟ هؤلاء الحالمين بإنجلترا، والتي أسماها سكان البر المقابل ب "البيون الخؤون" خانتهم المياه قبل أن يخونهم البر العنيد.
ظن هؤلاء الحالمون والذين لفظتهم أرحام بلدانهم وسافروا على أجنحة المنية المبللة بمياه البحر بأنهم اكتسبوا المناعة والخبرة بركوب أمواج المتوسط العريض.
في سفرهم المعصوب العيون ربما لم يسمعوا بحكمة الشيخ الوقور: ثلاثة لا أمان لهم: الزمان والبحر والسلطان. يظنون أنهم يعرفون أكثر بحكم نار التجربة، فهم ذاقوا جور الزمان، وقهر السلطان؛ والآن يداورون غدر المياه، لكن البحر غدار.
أشعر بأن رحلتي على ظهر هذه العبارة مؤلمة وآثمة؛ فأرواح من قضوا في هذه المياه تحوم حول رأسي كطيور نورس حزينة. أحدق بالمياه أكثر فأكثر علني أجد جواباً طافياً أو أثر مركب غريق. بحارة بلادي يسمون الدلافين لوداعتها "أبو سلامة"، فهل يا تري تسكن في مياه المانش دلافين؟
ويقفز السؤال في صدري كالسمك الطيار: هل يستحق الوصول لهذ البر اللعين هذا الرهان الخاسر مع الماء؟
فتحي عثمان
على مهل، ودون جلبة، تدخل السيارات في العبارة في نفس الوقت الذي تبدأ في زخات المطر الخفيف وكأنها دموع وداع.
يلاحظ المسافر تعايش مفروض بين اللغتين الفرنسية والانجليزية، بترتيب تحدده أرض اللغة، وتنحسر كل لغة وتتراجع للمرتبة الثانية عندما يصل المسافر الضفة المبتغاة، كما تتبدل حركة المرور تبعاً لتبدل اللغة.
السماء رمادية دامعة، ولبحر المانش أمواج خضراء خجولة، تفتقد مياهه الخضرة الواثقة لألوان البحار المألوفة.
للعبارة ثلاثة طوابق؛ أعلاها طابق مخصص للطعام والشراب وبه صالة كبيرة لألعاب الأطفال. مقاعد المطعم المطلة على البحر وثيرة يفصل بينها وبين الخارج زجاج سميك لا يحجب مشاهدة مياه البحر والبر المتباعد والذي يصغر في عين الرائي كلما أوغلت العبارة في البحر. الركاب مشغولون بتناول الطعام والحديث، بينما يصدر الأطفال جلبة وهم يلعبون في صالة الألعاب.
انظر الى المياه وقد اختفى البر الفرنسي تماماً، وأسائل هذه المياه التي تمور في مسافة لا تزيد عن 33.8 كيلومتراً عن شاب وشاب وطفل طوتهم هذه المياه وهم يحلمون بالوصول إلى دوفر، مقدمة البر الإنجليزي المقابل.
في هذه الرحلة التي لا تستغرق الساعة يجلس الركاب وهم مشغولون عن المياه ومساءلتها بالثرثرة والدردشة؛ بينما يلعب الأطفال بصخب – كيف أصبحت هذه الرحلة التي لا يشعر بها ركاب العبارة رحلة حياة أو موت لمهاجر أو مهاجرة وطفل رضيع.
رحلة مسكونة بالرعب ومتدثرة بالأمل. كيف تشعر هذه المياه وقد أصبحت أكفاناً للحالمين ببر انجليزي سعيد؟ هؤلاء الحالمين بإنجلترا، والتي أسماها سكان البر المقابل ب "البيون الخؤون" خانتهم المياه قبل أن يخونهم البر العنيد.
ظن هؤلاء الحالمون والذين لفظتهم أرحام بلدانهم وسافروا على أجنحة المنية المبللة بمياه البحر بأنهم اكتسبوا المناعة والخبرة بركوب أمواج المتوسط العريض.
في سفرهم المعصوب العيون ربما لم يسمعوا بحكمة الشيخ الوقور: ثلاثة لا أمان لهم: الزمان والبحر والسلطان. يظنون أنهم يعرفون أكثر بحكم نار التجربة، فهم ذاقوا جور الزمان، وقهر السلطان؛ والآن يداورون غدر المياه، لكن البحر غدار.
أشعر بأن رحلتي على ظهر هذه العبارة مؤلمة وآثمة؛ فأرواح من قضوا في هذه المياه تحوم حول رأسي كطيور نورس حزينة. أحدق بالمياه أكثر فأكثر علني أجد جواباً طافياً أو أثر مركب غريق. بحارة بلادي يسمون الدلافين لوداعتها "أبو سلامة"، فهل يا تري تسكن في مياه المانش دلافين؟
ويقفز السؤال في صدري كالسمك الطيار: هل يستحق الوصول لهذ البر اللعين هذا الرهان الخاسر مع الماء؟
فتحي عثمان