أدب السيرة الذاتية بهاء المري - جمال عبدالناصر وجزء من سيرتي:

لم يَغِب عن ذاكرتي صباح ذلك اليوم 28 سبتمبر 1970. صَحَوتُ من ‏نومي على بُكاء أمِّي، ودموع خرساء تنحدر على وجهها في صمت، والراديو ‏مفتوحٌ على صوت مذيع، كأنه يبكي، هو الآخر، لم أفهم شيئًا، ولا سببًا ‏لبكائها، ولا للصوت الحزين المتهدج، المنبعث من الراديو، كانت المرة ‏الأولى، التي أسمع فيها اسم عبد الناصر، أما قبل ذلك، كنا نُردده في تحية ‏العَلَم، في طابور الصباح بالمدرسة.‏
رُحتُ أنظر في عَيني أمي، مُنتظرًا أن تقول لي ما الذي يُبكيها، هل أحد ‏من أقاربنا مات، أم ماذا. لكنها لم تقل شيئا، فسألتها: ‏
‏- هل جَدي مات؟ ‏
تَبسَمت رغم البكاء قائلة: ‏
‏- لا يا حبيبي. اللي مات الرئيس عبد الناصر.‏
قالتها وكأني أعرف عبد الناصر شخصيًا. ‏
‏- هل هو من أقاربنا؟ ‏
‏- قريب الناس كلها. هو رئيس الجمهورية، يعني كده زَي العمدة، لكن عمدة ‏لكل البلاد، "موش" بلد واحدة. ‏
وأعتقدُ أنني - ساعَتها - لم أفهم ما الذي تقصده، وما أن انتصفَ النهار ‏تقريبًا حتى سَمعتُ صَوت هتافات تَهدر في الشارع، أعقبها أنْ أخذتني أمي ‏من يدي، وصَعدنا إلى سَطح البيت؛ فأبصرتُ رجالا وشَبابًا يَحملون "نَعش" ‏المَوتَى، ومن خلفهم نسوة يَتشِحنَ بالسواد. النساء يتعالَى صوتهنَّ بما يُقال ‏عليه في الريف "الصُوَات" وهُنَّ والرجال والشباب يهتفون بعبارات ‏متناسقات في القافية، لم أفهم منها إلا عبارة "ناصر. ناصر"، وأخرى لم أفهم ‏منها إلا عبارة "يا جمال... يا جمال"، ففهمتُ أنَّ ما يَحدث لأن رَجلا اسمه جمال عبد ‏الناصر قد مات، ولكن لماذا يفعل الناس ما يفعلون، ولماذا تبكي أمي، وهو ‏ليس من أقاربنا! ‏
في تلك الليلة حضرت عمتاي بعد صلاة العشاء من بيتنا الذي وُلدتُ ‏فيه؛ لتقضيَا السهرة معنا في بيتنا الجديد، كأنهما جاءتا لتعزية أمي أو لتُعزيهما ‏أمي، كان الحديث عن ناصر هو حديث السهرة، مع دموع تنحدر على ‏خدودهنَّ بين الفَينة والفَينة في صمت، وإذا بأخواتي الثلاث الأكبر مِنِّي ‏يشاركنهنَّ البكاء، هل لأنهن يعرفن "ناصر"؟ أم بالعدوى نظرًا لبكاء أمي ‏وعمتاي، لم أدر وقتها. ‏
عاد التعجب يتملكني من جديد، والفضول يدفعني لمعرفة صلتنا ‏بهذا الرجل، الذي يبكي عليه الرجال والنساء في الشارع وذهبوا بالنعش ‏كأنه سيُدفن في مَقابر بلدتنا، فقد رأيتهم يحملون النعش! ‏
لم تغِب هذه الذكريات عن خاطري، ولما بدأتُ في القراءة الواعية في ‏صِباي وشبابي، كانت سببًا في قراءاتي عن ناصر؛ لأعرف مَن هو، وما سِرُّ ‏هذا الحب الذي رأيتُ مظاهره في طفولتي، منها كتاب الرئيس السادات ‏‏"خمس سنوات من المعاناة" وكتابات هيكل الصحفي، وعادل حمودة، ‏وأنيس منصور، وموسى صبري وغيرهم كثير، فوجدتُ من هاجَمه بضراوة، ‏ومَن بالَغ في تمجيده بشراسة. حتى تَشككتُ في مدى صدق هذا وذاك. ‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى