أحمد رجب شلتوت - "عزلة الذات وانفصام الوجود في ديوان "أنت لا تخصني.. وأنا لا أخصك"

"عزلة الذات وانفصام الوجود في ديوان "أنت لا تخصني.. وأنا لا أخصك"
أحمد رجب شلتوت
يأتي ديوان "أنتَ لا تَخُصُّني.. وأنا لا أَخُصُّكَ" للشاعر "مؤمن سمير" كصرخة مكتومة في فضاء قاحل من العلاقات الإنسانية، ليطرح من خلال عتباته النصية والبصرية إشكالية جوهرية تتمحور حول العزلة، والانفصام، وانهيار جسور التواصل بين الذات والآخر.
لا يمكن المرور على عنوان الديوان كمجرد عتبة، بل يجب قراءته بوصفه عقدة نصية تتحكم في مسار القصائد، وتوجّه قارئها نحو فهم محدد للعالم الشعري الذي يُبنى داخله. فالعنوان، بصيغته المزدوجة والمتبادلة، يُعلن عن حالة من التباعد المتبادل والنهائي. واستخدام صيغة المضارع "لا تَخُصُّني / لا أَخُصُّكَ" يُضفي على هذا الإعلان طابعًا حاضراً ومستمراً، وكأنه قانون طبيعي أو قدر محتوم، ليس مجرد موقف عاطفي عابر.
إنه نفي متبادل للانتماء يخلق فراغًا من الحميمية، من التشارك، ومن الأمل في أي شكل من أشكال التواصل أو التفاهم العميق. وهذا ما يضع القارئ مباشرة في قلب الإشكالية التي يدور حولها الديوان، وهي صراع الفرد بين حاجته للآخر وخوفه من أن يبتلعه أو يفقد ذاته فيه.
القرب والمسافة
يُعدّ الديوان محاولة شعرية جادة لتفكيك الثنائية التقليدية بين "الأنا" و"الآخر". ففي الشعر الغنائي الكلاسيكي غالبًا ما يكون الآخر (المحبوب، الوطن) هو المحور الذي تدور حوله الذات، وهو الغاية التي تسعى إليها. أما في ديوان مؤمن سمير، فإن الآخر يُقدَّم كـ"شبح" أو "ظل" أو كـ"فكرة" مجردة لا يمكن الإمساك بها أو التواصل معها بشكل حقيقي. فالقصائد لا تُخاطب الآخر بوصفه كائنًا حيًا قابلاً للحوار، بل تُخاطبه كفكرة ميتة أو كذكرى مؤلمة.
أيضًا يحفر الديوان في طبيعة العلاقات الإنسانية المليئة بالتناقض، فهناك حنين إلى الماضي والعائلة، لكن يصاحبه إحساس بالاغتراب عنها. ففي "بديل حياة باردة" يصف الشاعر علاقته بجده وأمه بلهجة يختلط فيها الحنين بالألم: "جدي هو قريب إسحق الموصلي وروحه التي كانت طوال الأحقاب خفيفة تهفهف"، و"كذلك الأم التي نسيت الكلام من ربع قرن". لكنها علاقات غالبًا ما تكون محبطة أو متخيلة، كما في "دخان وغيوم": "يتشنج فمي وأنا أقبّل حبيبتي، ثم يتشنج ذراعي وأنا أتركها عند المقبرة وأمضي".
الذات وركام الماضي
يتكون الديوان من 96 صفحة تضم أكثر من خمسين نصًا شعريًا قصيرًا إلى متوسط الطول، تتخللها بعض النصوص النثرية الأطول مثل "حفائر تحت مقبرة بيسوا". هذا التنوع في الشكل يعكس تنوعًا في الأصوات والموضوعات. فالقصائد لا تتبع نظامًا موحّدًا في الترقيم أو الشكل، مما يعطي انطباعًا بمذكرات شعرية أو تدفق للوعي أكثر منه بناءً صارمًا.
تشير عناوين القصائد مثل "بديل حياة باردة"، "ذبائح خضراء"، "ضربة روح"، إلى ثيمات متكررة، منها البرود العاطفي، الجسد، الروح، والوجود الخالص.
وتُعدّ الذاكرة الشخصية الأخرى المحورية في الديوان؛ إذ تتحول إلى مصدر للألم والضياع. يستحضر الشاعر صورًا من الطفولة، منزل العائلة، الأجداد، لكنها مشوشة ومتقطعة. ويبلغ هذا التناقض ذروته في "رمال العائلة" حيث يقول:
."أنا لا أخصك وأنت لا تخصني... حياتي كلها موزعة في صور وأفلام الغرباء"
هنا تتحول الذكريات العائلية الأكثر حميمية إلى "صور وأفلام غرباء"، مؤكدةً اغتراب الذات حتى عن ماضيها. كما ينتقل الشاعر بحرية بين الماضي والحاضر، بين الذكرى واللحظة الراهنة، بما يعكس طبيعة عمل الذاكرة نفسها.
الاغتراب والوجود
يعكس الديوان إحساسًا عميقًا بالاغتراب، ليس فقط عن الآخرين، بل عن العالم نفسه. فالقصائد ترسم حياة حضرية ميكانيكية مليئة بالباصات، والأحياء، والحراس، والناس المندمجين في أدوارهم. ويشعر الشاعر نفسه غريبًا، كما في قصيدة "كلي العالم الجديد" حيث يشبه نفسه بالكلب الوحيد بين زملاء عمل هم "أسود وذئاب". العالم الحديث يبدو باردًا، وغير مرحِّب بالروح الشاعرية الحساسة.
ويكرس مؤمن سمير مساحة كبيرة لاستكشاف ثنائية الجسد والروح. ففي "ضربة جسد" نقرأ نصيحة الجد للأب: "لا تترك عيون ولدك تقع إلا على كل قبح، حتى إذا أشرقت عينه أشرق قلبه وعرف الله". هنا يكون الجسد (العين) بوابة لتطهير الروح (القلب). بينما في "ضربة روح" يصبح الجسد سجنًا: "واقتراب روحي من السجن بين نورين". هذا الصراع بين حاجات الجسد وأسرار الروح يخلق توترًا شعريًا دائمًا.
سمات فنية
تتميز لغة مؤمن سمير بالتكثيف. فهو يستخدم استعارات ومجازات غير مألوفة تخلق عالمًا شعريًا فريدًا. ففي قصيدة "هيام" يقول: "جسد حبيبتي ينضج ويلف الغابات بالريش". وفي "تعقّل" يقول: "صرت هواءً أخف من الأحلام".
وهو بذلك يسعى لالتقاط لحظات شعورية يصعب التعبير عنها باللغة المباشرة. كما يميل الإيقاع العام إلى الهدوء والتأمل، مع استخدام مدروس للترقيم (أو غيابه أحيانًا) بما يخلق إحساسًا بسيولة الأفكار.
والقصائد غنية بالصور المؤثرة التي تعلق في ذهن القارئ: "نور في النافذة"، "غيوم على نافذة القطار"، "طيور غائرة في الحائط".
ويُوظَّف التكرار كتقنية إيقاعية وموضوعية، مثل تكرار كلمة "رماد" في "هواء شرقتنا الجديدة" مما يخلق تأثيرًا تراكميًا يعكس ثقل الماضي والفقدان. كما تأخذ بعض القصائد شكل حوار داخلي أو مع آخر غائب، مما يضفي بعدًا دراميًا على النصوص، كما في "بساطة الحكاية"، ويختتم الديوان بقصيدة موجزة جدًا بعنوان "هناك" تؤكد مجددًا على العزلة والوجود الخالص:
."رأسي فارغ/ نظرتي فارغة/ إذن أنا هنا/ إذن أنا حي"
وأخيرا يمكن قراءة الديوان كوثيقة إنسانية عميقة تعكس أزمة الإنسان المعاصر في عالم يزداد تعقيدًا وانفصالًا. ففي عصر شبكات التواصل الاجتماعي التي توهمنا بالتواصل، يكشف الديوان عن عمق العزلة التي نعيشها. وهذه الرؤية القاتمة ليست دعوة لليأس، بل هي دعوة للصدق، إذ تحثّنا على التخلي عن الأوهام الرومانسية حول الحب والاندماج، والاعتراف بحقيقة وجودنا كجزر منعزلة في محيط شاسع.
















تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى