"مطرٌ من الحنين... قراءة خلف المظلة" قراءة انطباعية – د. أيمن دراوشة صاحبة النص – سناء الجزائرية

"مطرٌ من الحنين... قراءة خلف المظلة"

قراءة انطباعية – أيمن دراوشة

صاحبة النص – سناء الجزائرية


السماء في هذا المشهد لا تفرغ فقط قطرات الماء، بل تهمي بشيء أعمق من ذلك بكثير. الحنين يتساقط كضباب خفيف يلامس الروح قبل الجسد. سناء تقف هناك تحت المطر، لكن مظلتها ليست مجرد قطعة قماش تحميها من البلل. إنها بوابة تنفتح على عوالم موازية.

العالم الذي تدخله سناء يشبه تلك المساحة الغامضة بين اليقظة والنوم. إنه يشبهنا تمامًا عندما نسمح لأنفسنا بالسباحة في أحلام لم تعد الواقع يسمح بها. اللغة المستخدمة هنا تتميز بنعومة غير عادية، تشبه ذلك الإحساس عندما يلامس الرذاذ وجهك في يوم شتائي. لكن تحت هذه النعومة يختبئ شيء آخر.

هناك صرخة مكتومة بين السطور. صرخة تأتي من قلب ظل محافظا على براءته في زمن صارت فيه الطيبة كلمة نادرة. الإنسانية أصبحت مجرد شعارًا نرفعه ثم ننساه. المشهد الذي تتخيله سناء خلف المظلة ليس حلمها وحده. إنه توق جماعي نحمله جميعاً في أعماقنا.

نتمنى أن نعيش في عالم تتحول فيه الوجوه إلى حدائق للابتسامات. عالم تتحول فيه المصافحات إلى جسور حقيقية بين النفوس. مكان لا يحكمه قانون القوة، بل تنظمه نبضات القلوب. لكن الحياة لا تستمر بهذا الشكل الرومانسي إلى الأبد. فجأة يتوقف المطر، وتنكشف المظلة.

الواقع يعود بكل ثقله وكأنه يقصد إسقاطنا. لكن المفاجأة أنَّ سناء لا تختار طريق اليأس. تترك لنا فجوة صغيرة في الجدار. نافذة مفتوحة على احتمالات جديدة. هي تهمس بأنَّ الأحلام قد تخبو أحيانا، لكن جذوة الأمل يجب أن تظل متقدة. هذا النص يتجاوز كونه مجرد سرد لحكاية.

إنه يشبه مظلة أدبية تحمينا من عواصف القسوة اليومية. يدعونا لأن نغلق أعيننا قليلا. لأن نسمح لأنفسنا بالحلم ولو لدقائق. ربما لأن هذه الدقائق هي البذرة الأولى لأي تغيير حقيقي.

---

النص:

قصة قصيرة: حُلُمٌ خَلْفَ المِظَلَّةِ


بقلم: سناء الجزائرية

في أحد صباحات الخريف الماطرة، خرجتُ كعادتي متوجهةً إلى عملي. كان المطر يهمي برذاذٍ ناعم، يلامس وجهي الذي لم يعرف القسوة يومًا، رغم عالمٍ بات لا يعرف من الطيبة والإنسانية سوى أسمائهما، عالمٍ يحكمه البطش والتشريد واغتصاب الحقوق.

كنت أحمل مظلتي، وما إن فتحتُها فوق رأسي، حتى شعرتُ كأنني عبرتُ إلى عالمٍ آخر... عالمٍ نقيّ، مشرق، مملوء بالأمل.

رأيتُ الناس يتصافحون ويبتسمون في كل مكان: أمام منازلهم، في الدكاكين، في أماكن العمل، وعلى الطرقات. كانت القلوب شفافة، والوجوه مضيئة، وكأن الشر اقتُلع من نفوس البشر، ليترك مكانه نورًا وسلامًا.

غمرتني سعادة لم أعتدها. تسارعت نبضات قلبي، وارتجفت يداي، وثقلت خطواتي. كان شعورًا يشبه الحنين إلى شيءٍ حلمتُ به طويلًا. قلت في نفسي: ابقَي هنا، لا تغادري. هذا العالم يُشبهكِ، فيه ما كنتِ تتمنين دائمًا.

لكن... فجأة، توقفت زخات المطر.

نزعتُ مظلتي على مضض، فارتدّ كل شيء من حولي إلى سابق عهده. وجوه متجهمة، صمتٌ ثقيل، وواقعٌ يئنُّ من القسوة.

عندها أدركتُ أنه كان حُلمًا... حُلمًا قصيرًا جميلًا، عشته لحظاتٍ خلف مظلتي، قبل أن أجد نفسي واقفةً أمام مقر عملي.

ورغم انطفاء الحُلم، لم ينطفئ أملي.

حدّثتُ نفسي: سيأتي اليوم الذي تتحسن فيه الأحوال، ويتغير فيه العالم. سيولد عالمٌ يُنصتُ فيه الناس لبعضهم، ويتقاسمون الحياة بسلام. عالمٌ لا يحكمه القساة، بل تُحركه القلوب الرحيمة.

كان ذاك أروع حُلم…

حُلمي خلف مظلتي.

انتهى



المغزى:


في عالمٍ يضجّ بالقسوة، يمكن لحلم صغير أن يُحيي فينا الأمل. وقد لا نملك تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نملك أن نبدأ من ذواتنا، من قلوبنا، من مظلاتنا الصغيرة التي نحتمي بها من مطر الواقع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى