ذاكرة مشوبة بالفقد وبشر يعيشون على حافة الغياب

في مجموعتها القصصية "فنجان قهوة بسبعة جنيه" تلتقط الكاتبة "صفاء عبد المنعم" شظايا الحياة اليومية وتعيد ترتيبها بواسطة لغة شديدة الحساسية، تمتزج فيها الذاكرة بالحلم، والواقعي بالغرائبي، ومنذ بداية المجموعة، يتضح أن الكاتبة منحازة إلى التفاصيل الصغيرة وترى فيها جوهرا للحياة نفسها. لهذا يبدو العنوان "فنجان قهوة بسبعة جنيه" معبرًا بدقة عن روح القصص كلها؛ فالقيمة هنا في لحظة إنسانية عابرة قادرة على استدعاء التاريخ والحنين والوعي بالتحولات الاجتماعية، حيث تصبح القهوة طقسا لاستعادة الذات وسط عالم يتغير بعنف.
وفي قصة "حين تغني أسراب النمل" يتحول العادي إلى غرائبي دون افتعال، فالأم التي تسمع غناء النمل تمتلك حساسية مختلفة تجاه العالم، بينما الابنة التي تسخر أولًا من الأمر، تكتشف لاحقًا أنها تسمع الغناء بالفعل. هنا يصبح النمل استعارة للجماعات الهشة التي تواصل الحياة رغم كل شيء.

تتكرر هذه النزعة الإنسانية العميقة في أكثر من قصة، فيتحول صوت المطرب، في قصة "في قلبي غرام مصبرني" إلى مصدر للحنين والفقد.نقرأ فيها: "أخذت الرشفة الأولى من فنجان القهوة، كانت بطعم الحنين. والرشفة الثانية بطعم الفقد. أما الثالثة فكانت بطعم التمني". فهذه تلخص الحركة الداخلية لمعظم نصوص المجموعة؛ إذ تتحرك الشخصيات دائمًا داخل هذا التدرج الوجداني نفسه: تبدأ باستدعاء الماضي بحنين دافئ، ثم تكتشف أن ما تستدعيه صار مفقودًا أو مستحيلاً، فتصل أخيرًا إلى منطقة التمني؛ أي الرغبة المستحيلة في استعادة ما لا يمكن استعادته.
ولهذا تبدو قصص المجموعة كلها وكأنها معلقة بين عالمين وزمنين. هناك دائمًا زمن قديم أكثر دفئًا وحميمية، وزمن حاضر أكثر برودة ووحدة. الزمن القديم ليس فردوسًا كاملاً بالطبع، لكنه الزمن الذي كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر صدقًا، وكانت الأم حاضرة، وكانت الأغاني القديمة تملأ البيوت، وكانت القاهرة تحتفظ ببعض جمالها وهدوئها. أما الزمن الحالي، فهو زمن العزلة والنوافذ المغلقة والزحام القاتل والضجيج والتشوه البصري وفقدان المعنى.

وفي قصة "فنجان قهوة ب7 جنيه"» يتحول السير في ميدان الأوبرا والعتبة وشارع الجمهورية إلى رحلة داخل طبقات التاريخ المصري. فتتأمل الساردة تمثال إبراهيم باشا وكأنها تعتذر له عن الخراب الذي أصاب المدينة والناس معًا. هنا تتداخل الأزمنة بشكل لافت؛ فالقاهرة القديمة تظهر كشبح بعيد يطل وسط الفوضى والزحام والباعة الجائلين.
ومن هنا تصبح الذاكرة طريقة لرؤية الحاضر، فالشخصيات تعيش واقعها من خلال ذكرياتها، فيظل الماضي حاضرًا داخل التفاصيل اليومية، في رائحة القهوة، وصوت الأغاني القديمة، وعمارات وسط البلد، والأمهات العجائز، وحتى في طقوس إعداد الشاي والقهوة أو فتح النوافذ عند الفجر، لكن هذه الذاكرة مشوبة دائمًا بالفقد، وكل استدعاء للماضي يحمل داخله إدراكًا مؤلمًا بأن هذا الماضي انتهى. ولهذا لا يتحول الحنين في القصص إلى نوستالجيا رومانسية خالصة، بقدر ما يثير وعي موجع بالمسافة بين ما كنا عليه وما صرنا إليه.

وربما لهذا السبب أيضًا يختلط الواقعي بالحلمي في كثير من القصص، لذلك نرى الشخصيات تتحدث مع الموتى، أو تسمع غناء النمل، أو تقابل دوستويفسكي في الشارع. إنها محاولات لاستعادة عالم أكثر امتلاءً بالروح، في مواجهة حاضر يبدو هشًا ومفرغًا من المعنى.
ومن اللافت أيضًا أن شخصيات هذه المجموعة تنتمي في أغلبها إلى الطبقة الوسطى المصرية التي تعيش حالة انكسار تدريجي. نساء على أبواب التقاعد، موظفون متعبون، أمهات عجائز، تبدو قصة "أمي لا تعرف هابرماس"، في ظاهرها حوارًا بسيطًا بين شقيقتين عن الفيلسوف الألماني، لكنها في العمق تناقش فكرة الفاعلية والعزلة والخوف من التهميش مع التقدم في العمر، أما الأم فكانت تمارس حضورها الإنساني وفاعليتها اليومية دون أن تعرف شيئًا عن نظريات الفعل التواصلي، وهنا تظهر براعة الكاتبة في مزج الثقافي بالحياتي ببساطة ودون تعالٍ، فالإحالات الفكرية تأتي مندمجة داخل النسيج السردي، وهذا ما يمنح النصوص طبيعتها الإنسانية العفوية.

الكتابة عند صفاء عبد المنعم أيضًا مشبعة بالأنوثة، إنها أنوثة مرتبطة بالحساسية تجاه العالم، والقدرة على التقاط الانفعالات الدقيقة، والنساء يظهرن كحارسات للذاكرة ، الأم، والأخت، والعمة، والمرأة العجوز، جميعهن يمتلكن نوعًا من الحكمة الصامتة. حتى حين تبدو الشخصيات مهزومة أو منهكة، فإنها تظل تقاوم بطريقتها الخاصة: بالغناء، أو بالحكي، أو بفنجان قهوة، أو بمجرد مواصلة الحياة.
كذلك تمتلك صفاء عبد المنعم حسًا سينمائيًا واضحًا في بناء المشاهد. في "مقاطع صغيرة من يوم جميل" مثلًا، تعتمد على تقنية المشاهد المتتابعة، وكأننا أمام فيلم قصير عن امرأتين تتجولان في وسط البلد. التفاصيل البصرية حاضرة بقوة: الأرضية القديمة للمقهى، أكواب الليمون، السيارات الراقدة في الميدان، اللافتات القديمة، حرارة أغسطس، التعب الذي يسكن الجسد. كل ذلك يُكتب بلغة مقتصدة شديدة الإيحاء.

أما اللغة نفسها، فهي من أبرز عناصر التميز في هذه المجموعة، تعتمد لغة صفاء عبد المنعم على على إيقاع داخلي هادئ، يقترب من التداعي الحر أحيانًا، الجمل تتحرك بخفة، لكنها تحمل طبقات من المعنى. ولديها قدرة واضحة على المزج بين الفصحى اليومية والعبارات الشعبية والأغاني والمراجع الثقافية، دون نشاز.
أيضا تحضر ثيمة الموت والفقد بقوة في معظم القصص. الشخصيات تعيش دائمًا على حافة الغياب، أب رحل، أم ميتة، حبيب غائب، زمن ولّى، مدينة تتآكل. لكن اللافت أن الكاتبة تتعامل مع الموت باعتباره حضورًا مستمرًا. فالموتى يعودون في الأحلام، وفي الأغاني، وفي الذكريات، وفي تفاصيل البيت القديم. ولهذا تبدو الكتابة نفسها محاولة لمقاومة النسيان.

في النهاية، يمكن القول إن قصص هذه المجموعة ترصد نماذج للإنسان المصري وهو يحاول الاحتفاظ بما تبقى من حساسيته في عالم يزداد قسوة وضجيجًا. فمثلا، فنجان القهوة هنا، يتحول إلى علامة سردية تختزن الذاكرة والفقد معًا؛ إذ تتشبث الشخصيات بطقوسها الصغيرة كوسيلة لمقاومة التآكل البطيء للعلاقات والزمن والمدينة، والخلاصة أن قصص هذه المجموعة تنحاز إلى التفاصيل الصغيرة، لتطرح من خلالها أسئلة كبرى عن الزمن والهوية والذاكرة والمعنى.
---------------------------
أحمد رجب شلتوت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى