كرم الصباغ - رواية "أقبية الحلكة" في ضوء مفاهيم الرواية الجديدة... قراءة نقدية

استهلال:
إذا ما حاولنا قراءة رواية أقبية الحلكة للكاتب خليفة عبد السلام في ضوء مفاهيم "الرواية الجديدة" فإننا سنكتشف أنّها نصٌّ ينهض على التشظي، والالتباس، وانعدام اليقين، ورفض مركزية المعنى، وهي بذلك تقترب من تصورات "الحساسية الجديدة" عند إدوار الخراط، ومن تصورات التأويل عند هانز جورج جادامر ومارتن هايدجر ورولان بارت؛ فرواية " أقبية الحلكة" لا تقدم عالمًا مستقرًّا أو يقينًا نهائيًّا، بل تبني عالمًا متصدعًا تتداخل فيه الأزمنة والأصوات والرؤى، ويغدو فيه الإنسان معلقًا بين الوجود والعدم، وبين المعنى واللا معنى.

Messenger_creation_FFDE66A0-43C2-46F0-B5BF-8A29B715BA7F.jpeg


أقبية الحلكة والازدواج والتشتت وانعدام اليقين:
يتجلى بوضوح في رواية أقبية الحلكة أبرز سمات الرواية الجديدة، وأقصد بذلك انهيار الثوابت، وتفتت الذات، وتحطم العلاقات المنطقية بين الأشياء، وتحول الذات الروائية إلى ذاتٍ مأزومة، لا تملك يقينًا عن نفسها أو عن العالم. ونلاحظ في الرواية أن الراوي المشارك لا يقدم ذاته باعتبارها كيانًا متماسكًا، بل باعتبارها ذاتًا متشظية غارقة في السؤال، حيث يقول الراوي (ص ٦٣) : "فاصبر، واطرح على نفسك السؤال، وقل: من أنا؟. كلما طرحت السؤال، وقلت: من أنا...؟! ضعت في أبجدية الجواب، وتهت في شوارعه، وزدت ابتعادًا في الطرقات".
إن سؤال الهوية هنا لا يقود إلى معرفة، بل إلى مزيد من الضياع؛ فالذات لا تعثر على مركز ثابت، وإنما تتبدَّد داخل اللغة نفسها، وكأن الكلمات فقدت قدرتها على القبض على المعنى. ومن ثم يتجلى "اهتزاز الثوابت" و"حيرة الذات الفردية". يقول الراوي (ص ٤٦ ): "«نحن لأسمائنا؛ لأنها تذكرنا بالفرح الأول، الذي يشبه الأمهات بمطلع فجر الأغنيات!، غرباء أمام أي صباح سيأتي.. أمام الممرات والطرقات.. وأمام المرآة!، وأمام غدنا، إذ جاء! غرباء بقصائدنا، إذ لا تعرفنا الوجهات، وتجهلنا بكل ما تملك من نسيان الكلمات!". كما يتجسد انعدام اليقين في انهيار العلاقة المنطقية بين الأشياء؛ إذ يصبح العبث هو القانون الوحيد الممكن: يقول الراوي (ص ٧٥): " لم تحدث أسماؤها فرقًا، للأسف! ولا دور لترتيبها؛ فاللا معنى صار معنى، واللا شيء أصبح واضحًا تمامًا! فقط، بات لأثرنا تاريخ، حفره الوجع بخيالنا."
وهذا التصور ينسجم مع ما يسمى بجماليات التفكُّك والتبعثُّر، حيث لا تعود الرواية معنية ببناء عالمٍ عقلانيٍّ متماسكٍ، بل معنية بالكشف عن عالمٍ مأزومٍ تتجاور فيه المتناقضات دون تفسيرٍ نهائيٍّ، بل إن الرواية تجعل الإنسان نفسه كائنًا معلقًا بين الحياة والموت، فلا يملك يقين النجاة ولا يقين الفناء. يقول الراوي (ص ٦٢) : "وهل يستحق ما تبقى لنا من أوهام النجاة حقًا؟! بل يخطئني الموت عمدًا، كما أخطأتني الحياة عبثًا!. الوقت: لا أعلم إن كان الحظ يحالفك، أم حظك سيء!"
وهنا يتحول الوجود إلى تجربة اغتراب شاملة، لا يشعر فيها الإنسان بانتمائه إلى العالم، وإنما يعيش قلقًا دائمًا تجاه ذاته والزمن والمصير. يقول الراوي (ص ٣٩): " نكون في المنتصف المتوشح بالعبث...لا نحن نعرف طريق العودة إلينا! ولا نحن نملك أسلوب الاستمرار والمواصلة نحو الأمام!"
أقبية الحلكة وتحطيم الحبكة التقليدية:
تقوم الرواية الجديدة على تفجير منطق الحبكة القائمة على التسلسل والترابط، وكسر مبدأ العلية أو السببية، وهو ما يظهر بوضوح في بنية رواية "أقبية الحلكة". فلا وجود لبداية واضحة أو عقدة أو نهاية بالمعنى التقليدي، بل إن النص يقوم على التداعي والتشظي والانقطاعات السردية. فالرواية عبارة عن مونولوج داخلي طويل ممتد يحدث من خلاله الانتقال من صورة إلى أخرى بصورة مفاجئة، ومن زمن إلى آخر دون تمهيد، ومن صوت إلى آخر دون استقرار. كما تتداخل الأزمنة حتى يفقد الزمن منطقه الطبيعي، تمامًا وفق تعبير إدوار الخراط بأن "الساعة الخارجية توقفت، والزمن له منطقه الحر الذي تعرفه الأحلام"؛ فالزمن في الرواية زمنًا نفسيًا لا زمنًا واقعيًا، والراوي لا يعيش الوقت بوصفه تعاقبًا منطقيًا، بل بوصفه سلطة وجودية خانقة: يقول الراوي ( ص ٥٦): " تأكدت أنك قليل الذكاء، وفاقد البصر، والبصيرة معًا!.. أنا – لا غيري – الوقت.. والكل بفلكي عبيد! أنا كل شيء؛ القادم، وأوانك الحاضر، وما فات في عجل." فالوقت هنا لا يؤدي وظيفة زمنية فحسب، بل يتحول إلى كائن رمزي يمارس الهيمنة على الإنسان. وهكذا تتداخل الفلسفة بالشعر بالسرد، وتتحطم الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية؛ وبناء على ما سبق يصعب الفصل بين الراوي والزمن والليل والذاكرة، لأن النص يقوم على ما يسميه الخراط “التجربة الداخلية”، حيث تتداخل أمكنة الداخل والخارج، والحلم واليقظة، والواقعة والخاطرة.
أقبية الحلكة والتمرد على مفهوم الشخصية التقليدية:
كما تتمرد رواية "أقبية الحلكة" على مفهوم “الشخصية” التقليدية؛ فالشخصيات ليست كيانات اجتماعية محددة الملامح، بل أشياء مجردة، ورموز وتجليات ذهنية، فثمة شخصية الوقت الذي يُعد من أهم الشخصيات الرمزية في رواية أقبية الحلكة، إذ قدمه الكاتب على أنه قوة متسلطة تتحكم بالمصائر، ولم يقدّمه بوصفه زمنًا مجردًا، بل كائنًا حيًّا يراقب البشر ويسخر من ضعفهم. وثمة شخصية العبث الذي يظهر بوصفه شخصية حاضرة داخل السرد، تحاور الراوي وتطارده وتفسر له قسوة العالم. ويقدمه الكاتب بوصفه القوة التي جعلت العالم فاقدًا للمعنى، حتى صار الخراب أمرًا معتادًا، وثمة شخصية الليل التي تحضر بوصفها كيانًا رمزيًّا يرتبط بالغموض والخوف والذاكرة. وهو شخصية تصغي للراوي وتحاوره وتكشف له هشاشته الداخلية، فالليل هنا ليس مجرد زمن للعتمة، بل شاهد على الجراح القديمة، ومرآة للوحدة الداخلية، ويرتبط الليل في رواية " أقبية الحلكة" بالحزن والحنين واستدعاء الذكريات، لذلك يتكرر حضوره كلما اشتدت عزلة الراوي.
وثمة شخصية الأم ورغم الحضور المحدود لتلك الشخصية من حيث الظهور المباشر، فإنها تمثل أحد أكثر الرموز الإنسانية دفئًا في الرواية؛ نظرا لارتباطها بالذاكرة والحنين والبراءة الأولى. وتحضر في الرواية شخصيات جماعية غير محددة الملامح، مثل الجد و الأمهات و الموتى والغائبين والشعوب والعابرين، هذه الشخصيات لا تؤدي أدوارًا فردية، بل تعبّر عن الوجع الجمعي والخراب الإنساني العام.
ولا يمكن إغفال شخصية الراوي المشارك؛ إذ يحتل الراوي مركز الرواية، وهو شخصية قلقة، مثقلة بالأسئلة والذاكرة والفقد، يعيش حالة اغتراب دائم، ويبدو عاجزًا عن التصالح مع الزمن أو الواقع أو حتى ذاته.

Messenger_creation_1A33B4B8-F54B-45C2-AAA0-B2E8ABAEC2F2.jpeg


لغة رواية أقبية الحلكة والتجربة الداخلية:
تقترب الرواية بوضوح من مفهوم “التجربة الداخلية” الذي تحدث عنه إدوار الخراط، حيث تصبح اللغة ذات طبيعة حسية متفجرة، ويحلُّ التداعي والنجوى محل الحوار التقليدي؛ فاللغة هنا ليست أداة نقل أو وصف، بل فضاء نفسي وروحي تنكشف فيه الذات؛ لذلك تكثر الصور الشعرية والانزياحات الرمزية، ويتحول السرد إلى حالة من الهذيان الوجودي. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن كما تتمرد رواية " أقبية الحلكة" على اللغة المألوفة نفسها، إذ تكشف عن عجز الكلمات عن احتواء التجربة، يقول الراوي (ص ٦٥): "الوقت: إذن، كان بالغًا الجرح؛ لينجب لك أوجاعك من الحلكة!. قلت: كان كافيًا، لتئد الكلمات دلالتها!. الوقت: "كأنك دفنت -الآن- فرحًا ما؟!."
فاللغة لم تعد أداة يقين، بل أصبحت جزءًا من الأزمة الوجودية نفسها، والأشياء في الرواية لا تظهر بوصفها أشياء مادية، بل بوصفها حالات نفسية ووجودية أو بوصفها كائنات حيّة أنسنها الكاتب، وأضفى عليها ما يعترك بين ضلوعه من القلق والشعور بالاغتراب أو شخص منها أشخاصا ذوي بطشٍ وسطوة مارسوا القهر والعبث بذات الراوي المعذبة. وهذا ما يجعل الحدود تسقط بين الظاهر والباطن، وبين الشيء والحسّ/الشعور. يقول الراوي (ص ٤١): "كان الليل يراقبنا بصمته الطويل، ويصغي لأنين المدن البعيدة، وكانت الذاكرة كلما حاولت النجاة، أعادها الحنين إلى الخراب الأول.. ليلنا الذي كسرنا، وانكسر.. والوقت يسخر منا، كلما حاولنا أن نرتب ما تبقى من الحنين، كأن العتمة وحدها تعرف كيف تحفظ أسماءنا القديمة." فالليل لم يعد عنصرًا زمانيًا، بل معادلًا شعوريًّا لانكسار الذات، والبحر لم يعد مجرد مكانٍ أصم بل كائنا حيًّا متورطا في جرائم وأد أحلام وجثامين الشباب في جوفه المظلم، وكذلك الريح، يقول الراوي (ص ٤٠) "والليل حين يشتدّ وجعه، يفتح للغرقى أبوابه... بحر يذرف دمعه، ويحفظ عن ظهر قلب والريح تعبر من جهة الخوف، حاملة رائحة الغياب."

Messenger_creation_0B59B737-C09B-4C69-A26E-386E92D284B9.jpeg


أقبية الحلكة وتحطيم الإيهام بالواقعية
من السمات الأساسية للرواية الجديدة تحطيم "الإيهام بالواقعية"، أي كسر وهم أن الرواية مرآة تنقل العالم كما هو. وهذا واضح في الرواية التي لا تقدم واقعًا مباشرًا، بل عالمًا متخيلًا تتداخل فيه الكوابيس والرؤى والهذيانات؛ فالواقع نفسه يتحول إلى شيء متصدع وغامض، وهنا تعلن الرواية بصورة مباشرة خروجها على الواقعية التقليدية، إذ لم يعد الهدف تصوير العالم، بل تفكيكه وإعادة تشكيله عبر الرمز والتداعي واللغة الشعرية. يقول الراوي (ص ٦٩): "والواقعية تتحرر من ملامحها، يراقصها العبث؛ فيورثها طباعه في العلن، دونما خجل أو حياء!" ويقول (ص٧٥): "فقط، بات لأثرنا تاريخ، حفره الوجع بخيالنا" ويقول (ص ٧٢): "وعلى إثر الصدى، ارتطم المعقول باللاممكن، واختنق المعنى في الفوضى، والمفردات تصارع نقيضها مرة، وتبحث أخرى عن مرادفها!"
كما أن الراوي لا يخفي حضوره داخل النص، بل يتدخل ويعلّق ويسخر ويخاطب القارئ أحيانًا، وهو ما ينسجم مع تعمد الرواية الجديدة هدم مبدأ “الإيهام بالواقعية”. يقول الراوي (ص ٧١) :"لو تمهّل قليلًا، وفكر قبل أن يلطّخ الورق بحبر القلم؛ لربما أنصف الأمهات أمام الزمن!" ويقول (ص ٧٣):" لو كان المؤلف ذكيًا حقًا، لأنقذ دلالة المكان، والرمزية من الاحتمال!"
وبنظرةٍ متأنية إلى المقاطع السابقة سوف نكتشف أنَّ رواية " أقبية الحلكة" تذيب المسافة الفاصلة بين المؤلف والراوي من ناحية والراوي والقارئ من ناحية أخرى، وتهدم الجدار الرابع، و تعلن عن ذلك داخل النص؛ فتُسقط وهم الحكاية الواقعية المغلقة، وتجعل القارئ واعيًا بأنه أمام عمل يعيد تشكيل العالم بدل أن يعكسه كما هو.
الإنسان بين الاغتراب والعبثية في رواية أقبية الحلكة
تنهض رواية " أقبية الحلكة" على شعورٍ داخليٍّ عميق بالاقتلاع والوحشة، حيث يبدو الإنسان منفصلًا عن ذاته وعن العالم المحيط به. ولا يظهر الاغتراب في الرواية بوصفه أزمة اجتماعية فحسب، بل يتحول إلى أزمة وجودية تمسّ علاقة الإنسان بالزمن والذاكرة والمكان؛ فالراوي يشعر أنه فقد صورته الأولى، ويشعر بأنّ التجربة القاسية قد غيّرته حتى صار عاجزا عن التعرف على نفسه التي بين جنبيه.
هذا الإحساس بالتيه يقود إلى حالة عبثية كاملة، إذ يفقد الواقع منطقه، ويتحول الإنسان إلى كائن محاصر باللاجدوى، ويزداد هذا الشعور حدة كلما تهاوت القيم والمعاني تحت ضغط الحرب والفقد، ويصل العبث ذروته حين يشتهي الإنسان الموت أكثر من إقباله على الحياة. يقول الراوي (ص ٥٨):" كان العبث يقود ضحاياه – لأي سبب – نحو الهلاك في عجل! كان الموت قريبًا منا أكثر من نبضنا متوشحًا طموحه، يخبرنا: أننا سنألفه من العادة والتكرار." ويقول (ص ٧٥، ٧٦) فقط، بات لأثرنا تاريخ، حفره الوجع بخيالنا؛ فتأكدنا، وقلنا: "كلنا موتى، حتى حين...! الليل: كأنك تحمل جرحك، وجرح الآخرين؟!"
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ الكاتب قد نجح في تجسيد العزلة النفسية للراوي المشارك في صورة الفراغ الذي يحاصر الذات ويبتلعها، ومن ثمَّ يتحول الراوي إلى غريبٍ حتى عن ملامحه القديمة كما أشرت سابقًا؛ لذلك لم يكن من المستغرب أن تتكرر أسئلة الهوية والوجود بصورة ملحة، لكنها أسئلة لا تقود إلى إجابة شافية بل تقود إلى مزيدٍ من التشتّت والضياع لإنسانٍ مهزومٍ أمام الزمن والحرب والغياب، يعيش حالة من الانكسار الوجودي عاجز عن الإمساك بمعنى ثابت للحياة. يقول الراوي (ص ٤٠): "غرباء أمام أي صباح سيأتي.. أمام الممرات والطرقات.. وأمام المرآة!" و يقول (ص ٦٣): " كلما طرحت السؤال، وقلت: من أنا، هاهنا؟! ضعت في أبجدية الجواب، وتهت في شوارعه، وزدت ابتعادًا في الطرقات!" ويعزز هذا الإحساس بالتيه قوله (ص ٦٣): "هل أنا ذا، الذي هو -أنا- أمامي الآن!"
الرمزية في الرواية الجديدة
تعتمد الرواية على شبكة رمزية كثيفة، تجعل الأشياء والشخصيات تتجاوز معناها المباشر إلى دلالات نفسية وفكرية أعمق. فالليل، والوقت، والبحر، والفراغ، ليست مجرد عناصر سردية، بل كيانات رمزية تتحرك داخل النص بوصفها قوى فاعلة في تشكيل المأساة؛ فالوقت يظهر في الرواية بصورة المستبد المتحكم في مصائر البشر يقول الراوي: "أنا — لا غيري — الوقت.. والكل بفلكي عبيد!" و يتضح هنا أنّ الزمن قد تحوّل إلى سلطة قاهرة تبتلع الإنسان وتسحقه. أما الليل في رواية " أقبية الحلكة" فيمثل الحزن الجمعي والذاكرة المثقلة بالهزائم، في حين يكتسب البحر دلالة رمزية مرتبطة بالموت والحداد والذاكرة، ويتحول “الفراغ” إلى صورة رمزية للعدم الداخلي الذي يعيشه الإنسان يقول الراوي: "الفراغ، هو التفاصيل حين تكوَّن المكان."
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنَّ الرواية تستخدم الرموز لتصوير انهيار المعنى نفسه؛ لذلك تتكرر الإشارات إلى ضياع الدلالة وعجز اللغة، يقول الراوي: "كان كافيًا، لتئد الكلمات دلالتها!"
ومن اللافت للنظر أنّ الرواية تمنح “العبث” حضورًا مجسدًا، حتى يتحول إلى شخصية تتحاور مع الراوي. وهذا الأسلوب يمنح النص بعدًا تجريديًا وفلسفيًا يتجاوز الواقعية المباشرة.
تمرد الرواية على التصنيفات التقليدية
تتمرّد الرواية على البناء التقليدي للرواية العربية في مستويات متعددة، أولها تحطيم الحبكة الكلاسيكية. فالنص لا يقوم على حدث رئيسي متدرج، بل على التداعي الحر والتأملات الداخلية والانفعالات النفسية، كما تتداخل اللغة الشعرية مع السرد، فتقترب الرواية أحيانًا من قصيدة النثر، ويظهر التمرد كذلك في تفكيك الشخصية الروائية؛ فالشخصيات ليست نماذج اجتماعية واضحة، بل أصوات متشظية ورموز ذهنية. أمّا الواقع نفسه فلا يُقدَّم بصورة مباشرة، بل عبر لغة حلمية ورؤيوية، حتى تصبح الواقعية مهددة بالانهيار، وتكشف الرواية أيضًا عن وعيها الذاتي بفعل الكتابة، إذ تناقش المؤلف والناقد واللغة داخل النص نفسه أو ما يطلق عليه الميتاسرد: “لو تمهل قليلًا، وفكر قبل أن يلطخ الورق بحبر القلم؛ لربما أنصف الأمهات أمام الزمن!”
كما تعلن الشخصية صراحةً تمردها على المألوف؛ لهذا لا تنتمي الرواية إلى الشكل الواقعي التقليدي، بل إلى الرواية الجديدة التي تكسر الحدود بين الشعر والسرد، وبين الحلم والواقع، وبين الفلسفة والحكاية.
القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى وخلق العالم وتأويله
بعد تأملٍ سوف نكتشف أن رواية " أقبية الحلكة" يتجلى فيها بقوّة، ما يراه رولان بارت وآيزر وجادامر، حيث يرون أن القارئ شريكٌ أصيلٌ في إنتاج النص، لا مجرد متلقٍ سلبي؛ إذ لا يقدم نص رواية "أقبية الحلكة" معنى نهائيًا مغلقًا، بل يترك فراغاتٍ واسعةٍ وفجواتٍ سرديّةٍ عديدةٍ تستدعي مشاركة القارئ؛ فالكثير من المقاطع تعتمد على الإيحاء والتشظي والغموض، الأمر الذي يدفع المتلقي إلى ملء الفراغات وتأويل الرموز. وتظهر هذه النزعة بوضوح في حضور شخصيات تجريدية مثل “الوقت” و“الليل” و“العبث”، وهي كيانات لا يمكن التعامل معها بوصفها شخصيات واقعية، بل بوصفها رموزًا تحتاج إلى قراءة تأويلية. كما أن الرواية نفسها تشير إلى دور القارئ والناقد في إعادة تشكيل المعنى؛ فالناقد هنا لا يكتفي بتلقي النص، بل يعيد اكتشاف العالم داخله. يقول الراوي (ص ٧١): " وربما صادف الناقد وجعًا ما، أخذ بيده نحو خطوط يد سيدة عربية، وملح نزيفها وهي تخيط جراح الأرض، بعد كل حملة عسكرية؛ ولتغير معنى في السياق، وأدرك أن كل أسمائها لم تكن كافية لوصف صفاتها! لكان -الآن- يبني بقارعة الأثر نصبًا، يسرد -بتجريد متعالٍ على المستحيل وجهًا آخر للحكاية!
ونكتشف من المقطع السابق أنَّ الرواية التي بين أيدينا لا تشرح رموزها، ولا تقدم تفسيرًا مباشرًا لما يحدث، وإنما تترك القارئ أمام شبكة من الإشارات والاحتمالات، التي تدفع القارئ إلى المشاركة التأويلية عبر الفراغات والصمت والمسكوت عنه، لا عبر ما يقال صراحة. ولهذا تقترب من التصور التأويلي الذي يرى أن "النص يعيش بما لم يقله". ونستخلص مما سبق أن المعانى في رواية أقبية الحلكة لا توجد جاهزة داخل النص بل تتولد من الحوار بين النص والقارئ.
الأمر الثاني الذي يجعل القارئ شريكا في إنتاج النص أن الرمزية في رواية "أقبية الحلكة" قائمة على "الاحتمال"، لا على التحديد؛ وبالتالي يتشكل المعنى وفق أفق القراءة، وهو ما ينسجم مع مفهوم "انصهار الآفاق" عند جادامر؛ إذ لا يكرر القارئ قصد المؤلف، بل يعيد خلق النص داخل تجربته وثقافته الخاصة. يقول الراوي (ص ٧١): "أو ربما وجد بين الأنين والأنين صمتًا، يلهمه؛ فيقتفي أثرًا، أو صوتًا خافتًا أربكه قرع خطى الجنرال، فيعصره؛ ليخرج منه منطقًا، ويعطي للسياق مغزى في الرواية! لو تمهّل قليلًا، وفكر قبل أن يلطّخ الورق بحبر القلم؛ لربما أنصف الأمهات أمام الزمن، ولو كان حياديًا بما يكفي؛ لتحررت المفردات.."، ومن المقطع السابق سوف يتضح لنا أن الرمز لا يمتلك معنى نهائيًا، بل يظل مفتوحًا على احتمالات القراءة المختلفة، ويتضح لنا أيضًا أن الرواية تتعمد إرباك القارئ عبر كسر التسلسل المنطقي، وتداخل الأزمنة، وتشظّي الأصوات، وكسر مبدأ العلّية والسببية؛ بحيث يصبح القارئ مطالبًا بإعادة بناء النص بنفسه؛ لهذا لا تستهدف رواية "أقبية الحلكة" كما هو ظاهر للعيان القارئ الخامل المستهلك، بل القارئ اليقظ القادر على إنتاج المعنى وإعادة خلق العالم الروائي بطريقته الخاصة.
أقبية الحلكة وإشكالية التلقي
تمثل رواية "أقبية الحلكة" مغامرة إبداعية جديدة، وكشأن المغامرات والتجارب الجديدة ربّما تجد رفضا من فريق من المتلقين والنقاد، وربما تجد توجسا من فريق ثانٍ، وربما تجد تحمُّسًا وتأييدًا مطلقًا من فريق ثالثٍ، ومن وجهة نظري أنه لن يكون من الحصافة في الحالات الثلاث السابق ذكرها إغفال إشكاليات التلقي التي سوف تطل حسب ظني برأسها متى بدأت القراءة الذي عول عليها ياوس وأيزر في بث الحياة في أوصال النص الأدبي بتعدد تأويلات القراء، سوف تلح إشكاليات التلقي حسب توقعي في طرح الأسئلة عن قدرة القارئ العربيّ في التعاطي مع نص رواية "أقبية الحلكة" لا باعتباره نصًّا يمثل روايةً تنتمي إلى الحساسية الحديدة بل باعتباره نصًّا غارقا في التجريد والرمزية التي تتخطّى حدود الغموض الفني إلى الإبهام والاستغلاق والتشظي والتمرد على التطبيق الحكائي لدرجة الانسلاخ عنه إلا من بعض الشذرات المتناثرة في المتن الروائي، أو بعض العناصر التي تنتمي على استحياء إلى عناصر البنية السردية، تلك العناصر التي قدمها الكاتب بصورة مغايرة تمامًا عما استقرّ في أذهان المتلقين العرب على اختلاف مشاربهم، أنا هنا لا أحجر على إبداع الكاتب، وحاشا لي أن أفعل، أنا فقط أتعاطى مع أسئلة إشكاليات التلقي المتوقعة، وأولها: هل يستطيع المتلقي العربيّ التعاطي مع مثل هذه النصوص بحميمية لا تحرمه متعة القراءة والانفعال الشعوري والتأثُّر العاطفي؟ وحتى لا أكون واهما فقد ذكرت سابقا أن رواية "أقبية الحلكة" التي تحتاج متلقٍ من نوع خاصّ، متلقٍ يستطيع تتبع شبكة الرموز والعلامات والإشارات؛ كي يتمكن بعد الانتهاء من القراءة المتأنية صياغة نصّ موازٍ في مخيلته، وبناء علي ذلك سأعيد السؤال على هذا النحو: هل سينجح المتلقي العربيّ النموذجي ذو الخبرة والحسّ والبصيرة والثقافة الواسعة في مهمته تلك، أم ستحول كثرة وتشتت وتبعثر وتناقض العلامات والإشارات والرموز دون ذلك؟
أما عن السؤال الثاني فيتمثل فيما يلي: هل وضع المؤلف المتلقي العربيّ في حسبانه وراعى عند الكتابة الاختلاف الشاسع والتفاوت الجليّ بين السياقات الاجتماعية والثقافية والمعرفية التي ينتمي إليها هو نفسه أي المؤلف الذي يحيا في وطنٍ بديلٍ، والسياقات الاجتماعية والثقافية والمعرفية التي ينتمي إليها المتلقين العرب باختلاف مشاربهم؟ أما السؤال الثالث فهو: هل لماذا اختار المؤلف اللغة العربية والمتلقي العربي صاحب تلك اللغة كي يوجه له هذا النصّ الذي سيصدم مع ذائقته حسب ظني، مع الوضع في الاعتبار إجادة المؤلف اللغة الفرنسية التي كانت ستسعفه بلا ريب في توجيه ذلك النص الذي يتفق مع المتلقي الذي ينتمي للسياقات التي يحياها الكاتب؟ ويجدر بي أن أشير بعد طرحي لتلك الأسئلة أن الكاتب أراد أن يشرك القراء العرب من بني جلدته في معاناته وأن يبث إليهم آلام اغترابه، كنوع من الحنين والنوستولجيا، و كمحاولة للتشبث بهويته المهترئة، ولكننا في الآن ذاته لا ينبغي أن نتجاهل العلاقة التشاركية بين المؤلف والمتلقي، والتي تفرض على الكاتب أن يستحضر المتلقي المستهدف عند الكتابة، خاصة ذلك المتلقي الذي اختار الكاتب طواعية أن يكتب بلغته الأصلية، لا أن يصل إليه النص مترجما. ودعني أتساءل: هل من حقنا أن نأخذ بعين الاعتبار في هذا الموضع نظرية موت المؤلف ل(رولان بارت)، التي تغل سلطة الكاتب بعد إخراج نصه إلى المتلقي، والتي تنحي الكاتب من المعادلة ولو إلى حين، ومن ثمّ تنحّى السياقات والمرجعيات التي أثرت في الكاتب عند كتابة نصه، تفعل ذلك؛ لتفسح المجال للعلاقة المباشرة بين النص/ الأثر الأدبي من ناحية والمتلقي من ناحية أخرى؟ والسؤال الأخير: كيف سيستقبل المتلقي العربي النموذجي لا العادي هذا النص إذا ما انبت وانقطعت صلته بسياقاته ومرجعياته؟ في ظني الأمر يحتاج إلى تأمل وتفكير.
كلمة أخيرة
تكشف رواية أقبية الحلكة عن انتمائها الواضح إلى أفق "الرواية الجديدة" أو "الحساسية الجديدة"، من خلال اعتمادها على التشظي، وتفكيك الحبكة، وتمردها على التسلسل الزمني، وتغليبها للتجربة الداخلية، ورفضها للمعنى الأحادي المغلق؛ فالإنسان فيها ذات ممزقة، فاقدة لليقين، تعيش اغترابًا وجوديًا داخل عالم عبثي متداعٍ، واللغة نفسها تصبح جزءًا من الأزمة، بينما يتحول القارئ إلى شريك في إنتاج الدلالة عبر فعل التأويل والحوار مع النص؛ لهذا فإن الرواية لا تُقرأ بوصفها حكاية مكتملة، بل بوصفها تجربة وجودية مفتوحة، تتأسس على الشك، والاحتمال، وانهيار اليقين، والسعي الدائم إلى اكتشاف المعنى المختبئ خلف ظلال اللغة والصمت.
إنها رواية تتمرد عن عمدٍ على النوع الأدبيّ والتصنيف، والحكاية، وتحمل تجربة روائية حديثة تنشغل بأسئلة الإنسان المعاصر في مواجهة الزمن والحرب والعدم. وقد استطاع الكاتب أن يجعل الاغتراب والعبثية جوهرًا لبناء النص، مستعينًا بشبكة رمزية كثيفة ولغة شعرية متوترة. كما منحت الرواية القارئ دورًا محوريًا في إنتاج المعنى، وتمردت على القوالب التقليدية عبر التشظي وكسر الحبكة وتفكيك الشخصية واللغة، لتصبح الرواية أقرب إلى رحلة داخل الوعي الإنساني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى