◙ "قال الضابط: ما هو عنوانك؟ قلت: ليس لي عنوان. تطلَّع إليَّ في دهشة: إلى أين ستذهب أو أين تقيم؟ قلت: لا أعرف، ليس لي أحد. قال لي الضابط: لا أستطيع أن أتركك تذهب هكذا. قلت: لقد كنتُ أعيش بمفردي. قال: لا بد أن نعرف مكانك لنذهب إليك كل ليلة، ليذهبْ معك عسكري. وهكذا خرجنا إلى الشارع أنا والعسكري، وتلفتُّ حولي في فضول، هذه هي اللحظة التي كنتُ أحلم بها دائمًا طوال السنوات الماضية، وفتَّشتُ في داخلي عن شعورٍ غير عادي، فرحٍ أو بهجة أو انفعالٍ ما، فلم أجد، الناس تسير وتتكلم وتتحرك بشكلٍ طبيعي كأنني كنتُ معهم دائمًا ولم يحدُث شيء".
بهذه السطور، كرصاصة، تنطلق رواية "تلك الرائحة" للكاتب الكبير صنع الله إبراهيم الذي رحل عن عالمنا في أغسطس الماضي، لتقص حكاية رجل خرج من السجن حديثًا، ولا يزال خاضعًا للرقابة القضائية التي تستلزم وجوده في المنزل من غروب الشمس إلى الشروق.
ونحن هنا، سنحاول استلهام أسلوب الأستاذ، لندعو إلى فكرة محددة، وكم هي مهمة عسيرة، سواء الاستلهام أم الدعوة.
"تلك الرائحة" رواية مكثفة، جملها قصيرة، حادة، صريحة، صادقة، مثيرة للاشمئزاز أحيانًا، صادمة غالبًا. الرواية رغم قصرها لاهثة، لا تتجاوز 56 صفحة، الصفحات الثلاث الأولى منها جاءت في فقرة واحدة، متصلة!
قال عنها صنع الله: لم أندم أبدًا على النهج الذي اتخذته في التعبير. الإنصات للصوت الداخلي، والاغتراف من صلب الواقع الحقيقي دون مراعاة للمشاعر البرجوازية أحيانًا أو لبعض الاعتبارات المرحلية؛ ما زلتُ أعتمدهما أساسًا لعملي.
وقال أيضًا: كان التمرد وقود المرحلة (في الستينيات)، والتجربة شعارها. لماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض؟
أراد صنع الله استخدام القبح للتعبير عن القبح الظاهر في الواقع، بكل مظاهره. ولهذا ربما كتب العنوان في البداية هكذا: "الرائحة النتنة في أنفي"، قبل أن يعترض عليه يوسف إدريس، ويتوصلا معًا إلى "تلك الرائحة".
الرواية، بكلمات إدريس في مقدمته لها، ليست قصة، بل صفعة أو صرخة أو آهة مُنبهة قوية تكاد تثير الهلع، إنها ثورة.
والآن نتساءل: ألا نحتاج إلى ثورة جديدة في الكتابة؟ ألا نحتاج إلى العودة بقوة إلى الكتابة الواقعية؟ لا أحد تقريبًا ما زال يكتب عن "جمال الزهور وروعة عبقها"، لكن كثيرين يغرقون في بحار أدب الغرائب والخوارق والثرثرات النفسية، فيما يعرف بالمدارس الحداثية وما بعدها. أما كفى؟!
الكاتب حر، والقراءة ذائقة. أعرف. ولا أنكر محبتي بعض هذه الأعمال، لكنني أستنكر الإفراط في التهويمات الغامضة؛ فلا يبقى منها في نفس القارئ شعورٌ أو معنى أو فكرة، لا يفهم شيئًا، ورغم ذلك يخشى الإفصاح عن رأيه، كي لا يُتهم بقصور الوعي وقلة الثقافة، فينضم مجبرًا إلى مواكب التهليل والإشادة، كيف لا؟ فقد حصل العمل الأدبي الخارق على جائزة كبرى!
"تلك الرائحة" تندرج ضمن إطار ما يُسمى بـ"تيار الوعي" في الكتابة. هذا التيار يستخدم تقنية التداعي الحر في سرد الأحداث كما تأتي على لسان البطل كيفما اتُّفق. الهدف هو كشف خبايا النفس ودهاليز صراعاتها الداخلية. لكن صُنع الله طوَّر الأسلوب - متفوقًا على رواده- كي يناقش قضية، وليس ليقدم محض ثرثرة نفسية.
من رواد "تيار الوعي" الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف. وروايتها "السيدة دالاوي" المنشورة عام 1925 مثال له. قبل أشهر قليلة كتبتُ عن رواية جديدة لأديبة عربية. قلت إنها تتفوق على رواية "وولف" لأنها لم تُغرقنا بجزئيات صغيرة متشظية من الأحداث مثلما فعلت الكاتبة الإنجليزية مع بطلتها "كلاريسا دالاوي". ويبدو أن الكلام لم يعجب الكاتبة العربية نفسها. يا للعجب! كأن التقديس واجب لهذه المدارس وروادها!
ورواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم أيضًا، تتماهى مع مدرسة "الواقعية السحرية" في الكتابة. الرواية ذات إطار غرائبي واضح؛ فماذا تكون هذه اللجنة التي يتقدم البطل بإرادته إليها؟ ولأي غرض تَقدَّم؟ ماذا سينال منها؟ ومن أعضاؤها؟ ماذا يملكون؟ وما سلطتهم؟ وما سر غرابتهم؟ لكن الرواية في الوقت نفسه تقتحم قضايا الواقع في مصر والمنطقة والعالم بوضوح وجرأة. لا تقدم تهويمات غرائبية مُحلقة بادعاء أن هذه هي الرمزية!
لذلك أتساءل: هل تفي مدارس الحداثة وما بعدها بالقدرة على التعبير عن الواقع العربي المتشظي اليوم؟ لقد صارت الحقائق الواقعية الآن أغرب من غرائب الحداثة.
أيكون مستساغًا أن يكتب أديب سوري مثلًا عن كائنات غريبة تنزل إلى الأرض فتثير الفزع بينما يُذبح الناس في بلده على الهوية؟ أيجب أن نصرخ عندئذ إعجابًا بالفن والرمزية؟ هل يكفي أن يعبِّر أديب مصري عن رجال يطيرون في السماء ونساء تختفين في جوف الأرض، بينما تعاني الطبقة الوسطى في المجتمع اقتصاديًّا فتتغير الأخلاق ويتبدل السلوك من حوله؟
لا نطالب أحدًا بواقعية سوداء، ليس هذا هو القصد، إنما المقصود هو أولوية الغوص في قضايا المجتمعات العربية، بعمق ورؤية وروية، باستخدام أدوات الأدب وتقنياته المختلفة. أليس هذا هو الفن؟ ولا ندعو أحدًا إلى التوقف عن أدب الخوارق أيضًا، فنحن أبناء "ألف ليلة وليلة"، إنما نطلب المعنى، الفكرة، بالحكي والجذب لا بالتهويم والرمز، فهل هذا صعب؟ ألا نحتاج الآن إلى استعادة "رائحة" صنع الله؟ أما كفى ثرثرة نفسية وغرائبية؟!
بهذه السطور، كرصاصة، تنطلق رواية "تلك الرائحة" للكاتب الكبير صنع الله إبراهيم الذي رحل عن عالمنا في أغسطس الماضي، لتقص حكاية رجل خرج من السجن حديثًا، ولا يزال خاضعًا للرقابة القضائية التي تستلزم وجوده في المنزل من غروب الشمس إلى الشروق.
ونحن هنا، سنحاول استلهام أسلوب الأستاذ، لندعو إلى فكرة محددة، وكم هي مهمة عسيرة، سواء الاستلهام أم الدعوة.
"تلك الرائحة" رواية مكثفة، جملها قصيرة، حادة، صريحة، صادقة، مثيرة للاشمئزاز أحيانًا، صادمة غالبًا. الرواية رغم قصرها لاهثة، لا تتجاوز 56 صفحة، الصفحات الثلاث الأولى منها جاءت في فقرة واحدة، متصلة!
قال عنها صنع الله: لم أندم أبدًا على النهج الذي اتخذته في التعبير. الإنصات للصوت الداخلي، والاغتراف من صلب الواقع الحقيقي دون مراعاة للمشاعر البرجوازية أحيانًا أو لبعض الاعتبارات المرحلية؛ ما زلتُ أعتمدهما أساسًا لعملي.
وقال أيضًا: كان التمرد وقود المرحلة (في الستينيات)، والتجربة شعارها. لماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض؟
أراد صنع الله استخدام القبح للتعبير عن القبح الظاهر في الواقع، بكل مظاهره. ولهذا ربما كتب العنوان في البداية هكذا: "الرائحة النتنة في أنفي"، قبل أن يعترض عليه يوسف إدريس، ويتوصلا معًا إلى "تلك الرائحة".
الرواية، بكلمات إدريس في مقدمته لها، ليست قصة، بل صفعة أو صرخة أو آهة مُنبهة قوية تكاد تثير الهلع، إنها ثورة.
والآن نتساءل: ألا نحتاج إلى ثورة جديدة في الكتابة؟ ألا نحتاج إلى العودة بقوة إلى الكتابة الواقعية؟ لا أحد تقريبًا ما زال يكتب عن "جمال الزهور وروعة عبقها"، لكن كثيرين يغرقون في بحار أدب الغرائب والخوارق والثرثرات النفسية، فيما يعرف بالمدارس الحداثية وما بعدها. أما كفى؟!
الكاتب حر، والقراءة ذائقة. أعرف. ولا أنكر محبتي بعض هذه الأعمال، لكنني أستنكر الإفراط في التهويمات الغامضة؛ فلا يبقى منها في نفس القارئ شعورٌ أو معنى أو فكرة، لا يفهم شيئًا، ورغم ذلك يخشى الإفصاح عن رأيه، كي لا يُتهم بقصور الوعي وقلة الثقافة، فينضم مجبرًا إلى مواكب التهليل والإشادة، كيف لا؟ فقد حصل العمل الأدبي الخارق على جائزة كبرى!
"تلك الرائحة" تندرج ضمن إطار ما يُسمى بـ"تيار الوعي" في الكتابة. هذا التيار يستخدم تقنية التداعي الحر في سرد الأحداث كما تأتي على لسان البطل كيفما اتُّفق. الهدف هو كشف خبايا النفس ودهاليز صراعاتها الداخلية. لكن صُنع الله طوَّر الأسلوب - متفوقًا على رواده- كي يناقش قضية، وليس ليقدم محض ثرثرة نفسية.
من رواد "تيار الوعي" الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف. وروايتها "السيدة دالاوي" المنشورة عام 1925 مثال له. قبل أشهر قليلة كتبتُ عن رواية جديدة لأديبة عربية. قلت إنها تتفوق على رواية "وولف" لأنها لم تُغرقنا بجزئيات صغيرة متشظية من الأحداث مثلما فعلت الكاتبة الإنجليزية مع بطلتها "كلاريسا دالاوي". ويبدو أن الكلام لم يعجب الكاتبة العربية نفسها. يا للعجب! كأن التقديس واجب لهذه المدارس وروادها!
ورواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم أيضًا، تتماهى مع مدرسة "الواقعية السحرية" في الكتابة. الرواية ذات إطار غرائبي واضح؛ فماذا تكون هذه اللجنة التي يتقدم البطل بإرادته إليها؟ ولأي غرض تَقدَّم؟ ماذا سينال منها؟ ومن أعضاؤها؟ ماذا يملكون؟ وما سلطتهم؟ وما سر غرابتهم؟ لكن الرواية في الوقت نفسه تقتحم قضايا الواقع في مصر والمنطقة والعالم بوضوح وجرأة. لا تقدم تهويمات غرائبية مُحلقة بادعاء أن هذه هي الرمزية!
لذلك أتساءل: هل تفي مدارس الحداثة وما بعدها بالقدرة على التعبير عن الواقع العربي المتشظي اليوم؟ لقد صارت الحقائق الواقعية الآن أغرب من غرائب الحداثة.
أيكون مستساغًا أن يكتب أديب سوري مثلًا عن كائنات غريبة تنزل إلى الأرض فتثير الفزع بينما يُذبح الناس في بلده على الهوية؟ أيجب أن نصرخ عندئذ إعجابًا بالفن والرمزية؟ هل يكفي أن يعبِّر أديب مصري عن رجال يطيرون في السماء ونساء تختفين في جوف الأرض، بينما تعاني الطبقة الوسطى في المجتمع اقتصاديًّا فتتغير الأخلاق ويتبدل السلوك من حوله؟
لا نطالب أحدًا بواقعية سوداء، ليس هذا هو القصد، إنما المقصود هو أولوية الغوص في قضايا المجتمعات العربية، بعمق ورؤية وروية، باستخدام أدوات الأدب وتقنياته المختلفة. أليس هذا هو الفن؟ ولا ندعو أحدًا إلى التوقف عن أدب الخوارق أيضًا، فنحن أبناء "ألف ليلة وليلة"، إنما نطلب المعنى، الفكرة، بالحكي والجذب لا بالتهويم والرمز، فهل هذا صعب؟ ألا نحتاج الآن إلى استعادة "رائحة" صنع الله؟ أما كفى ثرثرة نفسية وغرائبية؟!