الله يرى يا همرين

لماذا تنظرين في عينيّ أنا

لا علاقة لي بهذا العالم

لا بِماضيهِ السيّئ

ولا بِمستقبلهِ العقيم

لا علاقة لي

بما قد ينجم عن اصطدام كوكبين

في مدار الزهرة

لا علاقة لي بحياتي أنا

ولا بكِ أنتِ يا همرين







س لماذا لا تضعين يدكِ على رأسي



كي أعود أصغر منكِ ولو لبضعة دقائق



أخبّئُ وجهي خلف فستانكِ



وأستريح في طفولتي



بتُّ بأمسِّ الحاجة لأمٍ صغيرة



فلم أكن واعياً حين كنتُ الطفل الصغير



وكانت أمّي شابةٌ مثلكِ

لا أصدقاء لها

كانت بحاجة لأن أفسّر لها طبيعة الرجال

لماذا يغيبون

لماذا لا يعودون

ويتركون أولادهم لدور الأيتام



لا علاقة لي بكل ما حدث



منذُ الثالثة عشر وإلى الآن



أعيشُ حياةً ليست لي



حياة كائنٍ يعاقب ذاته



أستعير ثيابه وأصدقاءه



أقضي مشاويره وأتأخر عن بعضها فيعذبني ضميره



أعامل أخوته كأخوتي



وأختلف معه في فكرة الإنتماء



فكرة أن تعيش ضحية



وتُنجب أطفالاً يدرسون البكاء







يعذبني هذا الكائن يا همرين



مثلكِ



مثل أزهار الجبل



لا عشب ليموّه طفولتها



أزهار الجبل مكشوفة مثلنا يا همرين



تنبتُ بمشقةٍ كبيرة ما بين الصخور



و في لحظة العبور

تأكلها قطعان الأيل







لا علاقة لي بالجبال سوى أنني



حملت أنينها



أنين الهاربين والنازحين



أنين الأمهات يرضعن أطفالهن بين الصخور



أنين الصخور تحت وابل النيران







لم أكن أنا يا همرين ،



كانت روحُ رحّالةٍ حطّت بي



أبحرتُ كي أرمي فتات الخبز للذين ضلّوا دروبهم في البحار

وابتلعتهم لهفة العبور



وعلى الشاطئ رأيتُ الحيتان



رأيتهم يجلسون في المطاعم الفاخرة



ولا يرمون فتات الخبز للفقراء



صدّقي يا همرين

لا علاقة لي بالدروب ،



كنتُ أُجرّب أن أصير عدّاءً



فالتفّ على خاصرتي شريط النهاية

وأخذته معي كل تلك السنين .





لماذا لا تضعين عينكِ في عيني

لا تخافي مني يا همرين



لن أقع في حبكِ أكثر مما أنا عليه



فلا علاقة لي بهذا الحب



إنه هو



لا علاقة لي بكل ما يخصُّ البشر



لا علاقة لي بأبي

ساعدته في تربيتي فقط



وأمّي



ساعدتها على التحمُّل ،

بكيت معها في كل مناسبة للبكاء



لا علاقة لي بأمبراطوريةٍ كانت قبل ألفي عام



وملكٌ تخّت عظامه



لا علاقة لي بنفسي







جرّبتُ أن أكون سعيداً ، سافرت



جربتُ أن أكون حيادياً ، تألمت



لم أُجرب يوماً أن أكون أنا



ولا أنتِ أنتِ يا همرين



كنتِ تضحكين في السابق مثل زنبقة الله



تنتظرين منه أن يسقيكِ



الله لا ينسى يا همرين



لكنه يمهل



يتركها تجف



ثم يحييها في السماء







الله لا ينسى



يسجّل كل ما يحدث بدقة إله



يسجّل لحظة الفكرة



وبدءُ النوايا



يسجّل الحديث الكامل بينهم وبين الوسواس الخنّاس



يسجّل دخولهم غرف نومنا



وخروجهم غانمين



يسجل أحاديثهم وهم يتقاسموننا

أختي للأمير

ولأخي صرخة صغيرة

( الله أكبر )

خلف الساتر الترابي



الله يوثق كل شيء بالصور



صورنا ونحن نستعيذ به



صورنا ونحن نحمل إليه الرصاص

في جماجمنا من الخلف

صور أطفالنا في بؤبؤ العين



وصورة القاتل مبتسماً

وهو يرفع مفتاح الجنّة

الله يسهّل كل شيء يا همرين



فلا تخافي من الموت



سنموت دون أن نعرف أننا متنا



على حجارة الطريق

ونحن متكئين سنغفوا



سنسمع اسماءنا يترحم عليها الأحياء



ونحن نعبر النفق إلى جوهرة السماء



سندخل الجنة يا همرين



ولن تكون الأماكن غريبة علينا



سنشعر بأننا كنّا هنا



وغادرنا للحظات ثم عدنا



سنعرف الطريق إلى ديارنا وغرف نومنا



سنرى الأشياء التي بدأنا فيها قبل الولادة ولم نكملها



ألعابنا ،



حيواناتنا الألفية



أصدقاءنا الطيور



وسنتذكّر الملائكة من وجوههم



لقد كنّا هنا يا همرين



قبل أن نصير على هيئاتنا هذه

قبل أن نحمل صفات البشر ونُقتل

كنا هنا



كنا ننتظر أمهاتنا



حتى تجهزن لنا الرحم والأسماء



ومكاناً سعيداً للولادة



أنا ولدتني أمي في البيت



وأنت أيضاً ولدتكِ أمكِ في البيت



لكن الأمير الجريح



ولدته أمه في وادي الخابور



وضعته وهي واقفة تتلفت حولها



وسنابل القمح تغطّي جسدها حتى أكتافها



هناك تعلّم الأمير الطيران

من عشرات التلال المحيطة بالوادي

تعلم حياة الطيور

وفي العاصمة البعيدة



كبر الأمير بلا اسم



ولم نعثر عليه يوم ضاع



من الصعب العثور على الذين بلا أسماء



الشرطة لا تفتح محضراً بلا اسم



مؤذن المسجد لا ينادي على ضائع بلا اسم



جميعهم يعرفون الأمير



أكلوا من قمحه



لكنهم لا يلفظون اسمه



خوفاً من دماء أمه في وادي الخابور



سندخل الجنة يا همرين



ولن يتغيّر شيءٌ علينا



حقائبنا المدرسية ستكون قد سبقتنا

دفاترنا

دفتر الديون

على صفحة التاجر الأرمني

دفتر المذكرات

على الصفحة العشرون بعد المئة / أبي لم يعد /

ودفتر التربية الإسلامية

على الصفحة

سورة الأنفال

وسنرى

طبيخ الأمهات الذي بقي تحت الأنقاض سيكون على الطاولة



طاسة الحمّام وصابون الغار



كلُ شيء سيكون في مكانه



كما لو أننا البارحة تركناه



سأرى أبي وأمي



سأرى طفولتها في حضن جدتي فاطمة



سأرى جدتي عارفة وجدتها



سأراها مثلي حفيدة



وأنتِ يا همرين



سترين كل أجدادكِ



سترينهم في صباهم وهم يزرعون الزيتون



في سهول الكتخ ووادي تيران



وهناك يا همرين



سأمسك يدكِ تحت شجرة التوت الأحمر



الحب حلالٌ هناك



الحب ابتسامة الله في وجوهنا



لن يقتلنا أحد



لن يذبح العم صبري أبنته لأنها أحبّت غريباً



ولن يقتل عمر آغا شقيقته

لأنها أخذت وردة

من عاملٍ في موسم الحصاد



الحب فعلٌ رباني يا همرين



يُغضب الله إذ نخفيه

وكان مبديه



الحب جزءٌ من التقوى يا همرين

و الله يحب المتقين

الله يعرفنا

والملائكة ستعرفنا

من آثار دموعنا في نقي العظام



كلُّ شيء حلال هناك





إلا تلك الشجرة



لا تقربي تلك الشجرة يا همرين



كي نبق هنا



لا أريد العودة للأرض



هناك يقتلون الحب والمحبين



هناك يمثلون دور الله

يعلنون القيامة تلوَ القيامة

لكن الله يسجّل كل شيء يا همرين

الله لا ينسى



يترك زنابقه تجف من العطش



تُطحن تحت عجلات المجنزرات



يبعث ريحاً تنثر غبارها



ثم يحييها وهي رميم



سندخل الجنة يا همرين

أنا ولدتني أمي في البيت

وأنت أيضاً ولدتك امك في البيت

لكن الأمير

ولدته أمه في وادي الخابور

وماتت

فاعتقد أنّه أبن الأنهار

ومن يومها وهو يجري

ويجري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى