ولسان حالي يردّد حائرا : أيفتقر العرب إلى عبقرية فرد أم هو عجز منظومة ؟
كأنّ العرب يسيرون منذ قرن ونيّف في سديم من الأسئلة التي لا تنتهي: لماذا نخفق؟ لماذا نغيب عن الجوائز الكبرى؟ ولماذا لا يُسمع لصوتنا إلا حين يتغنّى بالماضي أو يندب الحاضر؟ إن سؤال الإخفاق العربي، سواء في الأدب أو العلم أو السياسة، ليس طارئا، بل هو السؤال المؤجل الذي يرافق هذه الأمّة منذ لحظة وعيها بعجزها عن اللّحاق بالعصر. فحين يتكرر الفشل في كل المجالات، من الجامعة إلى المصنع، ومن البرلمان إلى دار النشر، فإن المسألة لا تعود شأنا فرديا، بل تعبيرا عن بنية فكرية ونفسية عميقة تعيد إنتاج نفسها جيلا بعد جيل، مهما تغيّرت الأسماء والشعارات.
إن جائزة نوبل ليست في ذاتها المشكلة، ولكنها المرآة التي تكشف مدى حضور الأمم في الوعي الإنساني. لم يكن فوز نجيب محفوظ بنوبل عام 1988 مجرّد تكريم لأديب مصري، بل لحظة نادرة أطلّ فيها العرب على العالم بثوب الإبداع العالمي، ثم انسحبوا سريعا إلى عزلتهم. لم يتحوّل ذلك الفوز إلى مشروع ثقافي أو مؤسّسي، بل بقي حدثا رمزيا احتفلت به العواصم أيّاما ثم نسيته كما تُنسى الأعراس العابرة. فبعد محفوظ لم تتشكّل منظومة ثقافية قادرة على احتضان المبدعين الجدد، ولا نشأت حركة ترجمة حقيقية تحمل الأدب العربي إلى اللغات الحية. بقي الكاتب العربي يكتب في العزلة، محاطا بالرقابة والخوف من السلطة أو المجتمع، ويعيش في فضاء ثقافي تهيمن عليه المجاملة وتغيب عنه الحرية النقدية. أما الغرب، فهو حين يقرؤنا، يقرؤنا من خلال عدسة سياسية، لا جمالية، فيرى في الأدب العربي انعكاسا لأزمات الشرق الأوسط أكثر مما يراه تجلّيا إنسانيا خالصا.
كيف يمكن للإبداع أن يولد في بيئة مأزومة؟ إن الكاتب العربي يكتب غالبا من موقع فردي احتجاجي، في غياب تام للمؤسسات الثقافية الراعية أو لدوائر النقد المحترفة. المدرسة تُلقّن ولا تُفكّر، والجامعة تكرّر ولا تبتكر، ودور النشر تسعى وراء السهل والمستهلك. في المقابل، تشهد الأمم التي تهيمن على الجوائز العالمية منظومات متكاملة من التعليم والبحث والنقد والترجمة والإعلام، تضع الكاتب في قلب مشروع حضاري واسع. إن الإخفاق العربي في نوبل هو وجهٌ من أوجه العجز البنيوي في الوعي العربي، ذلك الوعي الذي ما زال يتأرجح بين ماض يُقدَّس ومستقبل يُخاف منه، بين سلطة النص التراثي وسلطة السؤال الحر، بين الخوف من التفكير والإيمان بقدرة العقل على الخلق. وحين تتغلب الأيديولوجيا على الفكر، ويتحوّل الإبداع إلى فعل مشبوه بدل أن يكون ضرورة وجودية، يصبح كل إنتاجنا الفني محكوما بالارتباك والقلق.
ثم تأتي مأساة الترجمة لتزيد الطين بلّة. فالأدب الذي لا يُترجم هو كصرح منيف في صحراء مهجورة. كم من روايات عربية عظيمة بقيت حبيسة لغتها، لأنّها لم تجد مترجما قادرا على نقل روحها؟ وكم من نصّ فقد جماله لأنّ ترجمته لم تتجاوز المعنى السطحي للكلمات؟ إن الترجمة عندنا تُدار بعشوائية أو بدافع تجاري، بلا مشروع ثقافي شامل يهدف إلى بناء جسور بيننا وبين العالم. وحين تغيب الترجمة الجيّدة، يغيب الاعتراف، لأن العالم لا يسمع إلا من يتحدث بلغته.
غير أن الإخفاق ليس قدرا أبديا. فالأمم لا تنهض بالجوائز، بل بالتحوّل الداخلي العميق في منظوماتها الفكرية والتعليمية. لن يتخلّص العرب من إخفاقهم إلا حين يدركوا أن النهضة ليست قصيدة تُلقى في مهرجان، ولا مشروعا موسميا، بل مسار طويل من العمل المتواصل على تحرير العقل من الخوف، والتعليم من التلقين، والثقافة من التبعية. حين تصبح الحرية ممارسة يومية لا شعارا، حين يتحوّل الفن إلى ضرورة وجودية لا ترفا نخبويا، وحين يدرك المجتمع أن المثقف ليس كائنا زائدا بل ضمير الأمة، عندها فقط سنكتب نصوصا لا من أجل الجوائز، بل من أجل أن نضيف إلى الوجود معنى جديدا.
إن العرب لا يفتقرون إلى العبقرية، فقد أنجبوا أدباء وشعراء وفلاسفة كبارا، لكنهم يفتقرون إلى النظام الذي يحمي العبقرية، إلى المؤسسات التي تصون الإبداع من العدم، إلى الناقد الذي يقرأ بصدق لا بمحاباة، وإلى القارئ الذي يطلب الفكر لا الترفيه. وحين يولد هذا الوعي الجديد، لن تكون جائزة نوبل غاية ننتظرها بشغف، بل محطة صغيرة على طريق نهضة كبرى. فالمسألة ليست متى نفوز، بل متى نصبح أمة تستحق الفوز.
لنعيد التساؤل مجدّدا : هل نحن أمّة تستحقّ الفوز ؟
ليلى تبّاني ـــــ الجزائر
كأنّ العرب يسيرون منذ قرن ونيّف في سديم من الأسئلة التي لا تنتهي: لماذا نخفق؟ لماذا نغيب عن الجوائز الكبرى؟ ولماذا لا يُسمع لصوتنا إلا حين يتغنّى بالماضي أو يندب الحاضر؟ إن سؤال الإخفاق العربي، سواء في الأدب أو العلم أو السياسة، ليس طارئا، بل هو السؤال المؤجل الذي يرافق هذه الأمّة منذ لحظة وعيها بعجزها عن اللّحاق بالعصر. فحين يتكرر الفشل في كل المجالات، من الجامعة إلى المصنع، ومن البرلمان إلى دار النشر، فإن المسألة لا تعود شأنا فرديا، بل تعبيرا عن بنية فكرية ونفسية عميقة تعيد إنتاج نفسها جيلا بعد جيل، مهما تغيّرت الأسماء والشعارات.
إن جائزة نوبل ليست في ذاتها المشكلة، ولكنها المرآة التي تكشف مدى حضور الأمم في الوعي الإنساني. لم يكن فوز نجيب محفوظ بنوبل عام 1988 مجرّد تكريم لأديب مصري، بل لحظة نادرة أطلّ فيها العرب على العالم بثوب الإبداع العالمي، ثم انسحبوا سريعا إلى عزلتهم. لم يتحوّل ذلك الفوز إلى مشروع ثقافي أو مؤسّسي، بل بقي حدثا رمزيا احتفلت به العواصم أيّاما ثم نسيته كما تُنسى الأعراس العابرة. فبعد محفوظ لم تتشكّل منظومة ثقافية قادرة على احتضان المبدعين الجدد، ولا نشأت حركة ترجمة حقيقية تحمل الأدب العربي إلى اللغات الحية. بقي الكاتب العربي يكتب في العزلة، محاطا بالرقابة والخوف من السلطة أو المجتمع، ويعيش في فضاء ثقافي تهيمن عليه المجاملة وتغيب عنه الحرية النقدية. أما الغرب، فهو حين يقرؤنا، يقرؤنا من خلال عدسة سياسية، لا جمالية، فيرى في الأدب العربي انعكاسا لأزمات الشرق الأوسط أكثر مما يراه تجلّيا إنسانيا خالصا.
كيف يمكن للإبداع أن يولد في بيئة مأزومة؟ إن الكاتب العربي يكتب غالبا من موقع فردي احتجاجي، في غياب تام للمؤسسات الثقافية الراعية أو لدوائر النقد المحترفة. المدرسة تُلقّن ولا تُفكّر، والجامعة تكرّر ولا تبتكر، ودور النشر تسعى وراء السهل والمستهلك. في المقابل، تشهد الأمم التي تهيمن على الجوائز العالمية منظومات متكاملة من التعليم والبحث والنقد والترجمة والإعلام، تضع الكاتب في قلب مشروع حضاري واسع. إن الإخفاق العربي في نوبل هو وجهٌ من أوجه العجز البنيوي في الوعي العربي، ذلك الوعي الذي ما زال يتأرجح بين ماض يُقدَّس ومستقبل يُخاف منه، بين سلطة النص التراثي وسلطة السؤال الحر، بين الخوف من التفكير والإيمان بقدرة العقل على الخلق. وحين تتغلب الأيديولوجيا على الفكر، ويتحوّل الإبداع إلى فعل مشبوه بدل أن يكون ضرورة وجودية، يصبح كل إنتاجنا الفني محكوما بالارتباك والقلق.
ثم تأتي مأساة الترجمة لتزيد الطين بلّة. فالأدب الذي لا يُترجم هو كصرح منيف في صحراء مهجورة. كم من روايات عربية عظيمة بقيت حبيسة لغتها، لأنّها لم تجد مترجما قادرا على نقل روحها؟ وكم من نصّ فقد جماله لأنّ ترجمته لم تتجاوز المعنى السطحي للكلمات؟ إن الترجمة عندنا تُدار بعشوائية أو بدافع تجاري، بلا مشروع ثقافي شامل يهدف إلى بناء جسور بيننا وبين العالم. وحين تغيب الترجمة الجيّدة، يغيب الاعتراف، لأن العالم لا يسمع إلا من يتحدث بلغته.
غير أن الإخفاق ليس قدرا أبديا. فالأمم لا تنهض بالجوائز، بل بالتحوّل الداخلي العميق في منظوماتها الفكرية والتعليمية. لن يتخلّص العرب من إخفاقهم إلا حين يدركوا أن النهضة ليست قصيدة تُلقى في مهرجان، ولا مشروعا موسميا، بل مسار طويل من العمل المتواصل على تحرير العقل من الخوف، والتعليم من التلقين، والثقافة من التبعية. حين تصبح الحرية ممارسة يومية لا شعارا، حين يتحوّل الفن إلى ضرورة وجودية لا ترفا نخبويا، وحين يدرك المجتمع أن المثقف ليس كائنا زائدا بل ضمير الأمة، عندها فقط سنكتب نصوصا لا من أجل الجوائز، بل من أجل أن نضيف إلى الوجود معنى جديدا.
إن العرب لا يفتقرون إلى العبقرية، فقد أنجبوا أدباء وشعراء وفلاسفة كبارا، لكنهم يفتقرون إلى النظام الذي يحمي العبقرية، إلى المؤسسات التي تصون الإبداع من العدم، إلى الناقد الذي يقرأ بصدق لا بمحاباة، وإلى القارئ الذي يطلب الفكر لا الترفيه. وحين يولد هذا الوعي الجديد، لن تكون جائزة نوبل غاية ننتظرها بشغف، بل محطة صغيرة على طريق نهضة كبرى. فالمسألة ليست متى نفوز، بل متى نصبح أمة تستحق الفوز.
لنعيد التساؤل مجدّدا : هل نحن أمّة تستحقّ الفوز ؟
ليلى تبّاني ـــــ الجزائر