-1-
ثمة جريمة تاريخية سارية المفعول، تُرتَكب من داخل اللغة وباسمها بالتأكيد، ترتد على اللغة نفسها، نعيش آثارها فينا حين نتكلمها، وحين نكتبها، وحين نعبّر عن فرحنا بها، وحزننا بها، ولا يداخلنا أدنى شك بما نعتمده لغوياً، ولعل الجاري ضداً على ضمير " أنا " المتكلم يمثّل سفور هذه الجريمة وتجاهلها.
حيث إننا نعلم جميعاً أن لهذا الضمير حضوراً اعتبارياً وقيمياً ووظيفياً، يعلو كل الضمائر الأخرى. ويتعمق الأثر الصامت والكاوي الجارح لهذا الممثَّل فيه دون حساب، جرّاء غواية الوهم على أنه واقع ، وهو مرحَّب به، ويُثنى عليه، كونه يلغي تمايزاً جنسانياً بين الذكر والمؤنث. أليس الرجل والمرأة يعتمدانه دون تردد، كما لو أنه منصِف في عملية الجمع هذه؟ إنما هل نُظِر في نوعية المكر المتفعل في بنية الضمير ؟
عمل اللغة إجمالاً يستند إلى ما هو غائب، مصطحَباً بشبهة لا تفارقه، لأن اللغة في أساسها تفتقد ذلك الأساس الذي يصادق على أنها حقيقة لا تقبل الطعن، لقد اكتسبت هذا الاسم في لحظة تاريخية يصعب بقدْر ما يستحيل التأكيد عليها، أي عبر اتفاق مسمَّى، ليس هناك من شهود أو شاهد عيان واحد، ولو برواية واحدة فقط، على أنها هي كما يقال فيها أو عنها، لتكون حاضرة بكلماتها: أفعالاً وأسماء، وفي جمل متباينة، ودلالات إجرائية.
ولأنها تكون هكذا، فإن الذين باشروا العمل بها، بمقتضيات حياتية جماعية معينة، وكأنها عيانية، لا يخفون حقيقتها اللاحقيقة، حيث التوقيع المقدَّر على ما ليس له وجود للتأكد منه، ليعيشوا اعترافاً ضمنياً على أنهم، وهم يعرَفون من خلالها، حتى عبر الآثار الدالة عليها، في خطوط أو رسومات، يضمّنون هذه اللغة ما ليس لها صلة بهم، أي على أنهم يقولون صدقاً، بينما الجاري واقعاً، وكما يعلِمنا " حسابه الجاري " أنهم أقرب إلى " التمثيل " على بعضهم بعضاً، وما صراعاتهم التي " تضج " بها اللغة عينها إلا الدليل الدامغ على ذلك.
-2-
حالة الحضور المزعومة التي تُنسَب إلى اللغة إنشاءٌ لاحق على وجود القائمين بها، ليكون هذا الحضور داخلاً في لعبة مستمرة ، وكأن هذا الحضور الموصول ضمناً بما هو خفي نقيض كل غياب .
في هذا الحضور يبرز ضمير المتكلم " أنا " وصيغ اللعبة المتداولة، ومعها لائحة كبرى من سيرورات المخاتلة والمكر التي تترجِم ما يخرج الذات الحية عما يعنيها، وهي في معرض المساءلة عن حقيقتها.
من " المتكلم " هو شخص، وليس أي شخص. شخص له اعتباره، إليه يعهَد بتمثيل ما يبقي اللغة في الواجهة. إنها سلطة رمزية، تُعرَف بمواقعها، وأسماء الذين يقيمون مع بعضهم بعضاً، لا يعود هذا الضمير متخفياً، أو محوَّلاً إلى غياب، إنما يعطى التكوين الذي يجعله محسوساً " من لحم ودم "، نفياً مستمراً للغائب فيه، خضوعاً لتلك السلطة، وما لها من مفارقات تشدها عملياً إلى واقع معين، كما لو أن هذا الضمير لم يكن ضميراً.
وما يقرّبنا من صيغ لعبته، ومن هم صناعها، والقائمون على ديمومتها، تعبيراً عما هو اجتماعي وثقافي، هو في القوة الممنوحة له، وهو يتخفى بما ينزع عنه خاصية الشبهة، عندما يستخدم من هو متنفذ، أي في موقع القوة المحتسبة ضمير المتكلم الجمعي" نحن "، أو في الخطاب المباشر" إنّا " تعزيزاً لصواب محتسَب .
-3-
في النسيج اللغوي الذي يكوّن الرواية، يبرز هذا الضمير" أنا " بتاريخه الطويل جداً، تاريخ مأساته والتي لا صلة له بما يُسنَد إليه من أقوال وأفعال، بوصفه محكوماً بمن أعطيَ مشروعية صوغه في موضوعات شتى.
أنا لا أتحدث عن الإشكال الذي يتلبسه، وإنما عن تلك الطمأنينة التي يجسّدها كاتب الرواية، وهو يدشّن روايته سردياً معطياً له، لـ " أنا " متكلمه الذي يحمل توقيعه، صلاحية بناء نصه دون أي تخوف من مساءلة، تضعه في مواجهة الحقيقة التي يدّعي تمثيلها في كتابته، حقيقة أنه يفكر ويتكلم ويكتب بضمير " أنا:ه" ويوحي على أن ليس في الذي يثيره ما يعنيه كفرد، مجرَّداً من كل نزوع نرجسي، او غاية جانبية .
والرواية لا تسمّي نفسها، وموقعها حيث ينعدم كل موقع يمكن التأكد منه، بدءاً من اللغة التي سيقت عبرها. إنها في مجموعها العام جملة اتفاقات ممضيٌّ عليها اجتماعياً وثقافياً، وهي تشرع لهذا الضمير في أن يسمعنا صوته، أن يمارس " هوايته " في هذا الضرب " الفني " بطابعه الإبداعي، وصفة الجمال الخاصة به .
من منح حق اعتماد ضمير كهذا، وهو في تلبساته الكبرى، وعبر تلك الشخصيات التي يشهدها الورق، في صفحات تترى، بحوارات مختلفة، رجالاً ونساء، أو ذكوراً وإناثاً، وفي المتن، كما يقال، يكون لدينا صوت طاغ، صوت، يستحيل تجاهل نبرته، وقوة المعطى به وله ثقافياً في الصميم، حيث المعرَّف باسم الروائي، وإلى الآن كثيراً، يبدو " أم يظهر؟" أنه محرّر نفسه من كل حالة شك محتملة، عما يستبطن هذا الضمير، ويعرّي المغيَّب فيه على أعلى مستوى، ومن خلال مفهوم " الذاكرة الجماعية " وكيفية نشأتها وإنشائها لعالمها الاجتماعي، وعلى صعيد ذلك المتخيل الذي يكون نص كاتبه هبَة منه، والمأساة التي تتلبسه ؟!
-4-
نقرأ الرواية، ونتحرى خيوط لعبتها، حيث يكون لضمير المتكلم، والذي يكون صوت الكاتب مشدوداً إليه، وهو شخص معروف باسمه الثلاثي، ومجتمعه، وثقافته، فاعلاً ظاهراً، وليس فيه من استتار يستحق الذكر.
رواية تستدعي مجتمعاً معيناً، كبيراً أو صغيراً، وله ثقافته، أعرافه وطقوسه، زمنه الذي يؤرخ فيه تاريخه، وفي الرواية هذه، تمارس الشخصيات المتخيلة حياتها، وبأسماء تميّزها عن بعضها بعضاً، وفي مواقع مشهودٌ لها بالتباين، حيث تتردد أصداؤها هنا وهناك، ويُقبَل على قراءتها، ونادراً ما يتم طرح سؤال كهذا، وهو مصيري، ويستحيل تجاهله: كيف أمكن لروائي، لا يخفي جنسانيته، أن يكتب رواية، كما لو أنه جماع تلك الشخصيات، حقيقتها، وليس من إمكانية للتدقيق في ذلك اليقين الذي دفع به، لأن يفكّر، وأن يتخيل، وأن يحمل قلمه، ويطلق العنان تالياً لخياله، ولما استقرت به وعليه نفسه، وفيه مثل هذه الوفورة" ذكورات وأنوثات!".
بأي صفة، وبناء على أي مرجعية اعتبارية، أو سلطة مخوَّلة بكتابة نوعية كهذه، تسمّي مجتمعاً، تاريخاً، وثقافة، ومعالم قيمية مثلى، وما فيها من ذائقة جمالية، وشعور بمتعة تحفّز في روحه عملاً كهذا؟
أحقاً، لدى كاتب الرواية، ذلك الامتياز النوعي والمتفرد ، وفوق كل شبهة، وهي كغيرها من ضروب الفنون الإبداعية، وكتابات أخرى معروفة بمجالاتها التاريخية ، الاجتماعية، السياسية، التربوية، النفسية، وحتى العلمية طبعاً؟ وهو في تاريخه الطويل لا يخفى فيه اعتباره الثقافي الذي يؤخَذ بما هو جنساني" ذكوري "؟
هل قيّض لدارس فعلي، وهو يعيش، تفاعلاً سوياً، ومن موقع التمايز المطلوب، كما يقول " تعددية أصوات " فعلية، وليس كما هو مشهود له في العقود الأخيرة بالنسبة للرواية المركًّبة بتعددية أصواتها ومغزاها؟
هل لدارس وفيه موهبة معززة ثقافياً، وجرأة المكاشفة، وهو يقتفي حركية الحقيقة الثاوية، في العبارات التي يجري التفوه بها أو تهجئتها، بما لها من تصويت إبلاغي عمّن يكون، وكيف يكون ذكراً وأنثى ؟
هل جرى وضع ضمير الأنا" أنا المتكلم " هذا الذي يقف وراء نشأة الرواية وتطورها، تحت المجهر، ومساءلة السارد الفعلي، وكاتب الرواية حاضر بنوعه فيه" الضمير هذا"، وبناء على أي منظومة قيمية معتبرة ومنشودة، يتعامل الروائي مع " شخوصه "، بناء على أي مرجعية ثقافية قائمة، أو مسماة لديه، ليكافأ بذلك؟
-5-
ثمة قوة ضارية، قوة مرهوبة الجانب تشكّل عجينة هذا الضمير وخميرته، كما يقال، ودون ذلك، لما كان له مثل هذا الحضور، هذا السؤدد والبغددة في الخفاء والتجلى، في المبتغى والمؤجل، في بنية الجملة الفعلية، وكيف ينبري الصوت وفاعله، وأثره بالمقابل،كيف يكون لصوت المرأة حضور لا يختلط مع صوت الرجل، أو ينصهر في بوتقة " القوة " المحولة والمزكاة باسمه؟ كيف ينقسم هذا الضمير على نفسه، ليكون أكثر من ثنائي الفلقة ودون أن يفقد قوة حضوره، وقد تذرر، أو تناثر في شخصيات متباينة بمواقعها وسلطاتها وما يضفي على الرواية من خلال هذا الشخصيات جمالاً يُحتكَم إليه، ومن خلاله، يجري التعرف عليها؟
أين هو هذا الضمير الذي يسلسل الكاتب " الذكري " القياد، وهو يتنوع بأسمائه، بعلاماته، دون هدر لقواه الحية والدالة عليه، وفي اللغة التي يتسع" له " صدرها، بالمكانة المحفوظة واقعاً لا منَّة للمرأة طبعاً؟
لا يزال نعي الضمير هذا، وفي متنه، في تاريخه الذي يدرَك باللغة المكتوبة والمسموعة، مواصلاً مأساته، ويسهل التعرف على وجهه المختلف، وصوته المختلف، وظله المختلف، في حداده الصامت والمصمت معاً حيث نعيش، وحيث الواقع الذي نعيشه، وهو تحت وطأة حضور الممثَّل باسمه، وغياب الجاري تمثيلها شكلاً، تعزيزاً لا يُشك في القوى التي تسهم في تفعيل أثره، والحرص على استبقائه، وبشهادة هذا الضمير نفسه.
-6-
في وضع كهذا، حيث تكون المحكومية التي تعيشها المرأة، باللغة التي أجيزت في تاريخ هو نفسه مبرَّأ من كل ما يعرضه للمساءلة، باعتباره هو الآخر مأخوذاً بهذه المحكومية القابضة، في وضع كهذا، واستناداً إلى ضمير أريدَ له، بسلطان " مبين " أرضياً طبعاً، أن يلحِق به الواقع، كيف يمكن للمرأة أن تتنفس دون أن تأخذ في اعتبارها أن هناك من يحسب عليها أنفاسها، ويتربص بها عن قرب؟ كيف يمكنها أن تعيش حياتها، وداخلها سطوة مثل هذا الضمير المبرَّأ هو الآخر، وقبل أي ضمير آخر، جرّاء حضوراته المتنوعة، وأن تعترف بينها وبين نفسها، بينها وبين " رجلها " وفي مجتمعها، حيث تُرى في أمكنة مختلفة، على أن لها شراكة فعلية، أن لها رصيداً قيمياً، لا يغفَل عنه، في تنوعه الاجتماعي، ومن منظور جنساني، كما هو حقها الطبيعي، وأنها تتكلم، وتكتب، وتكون لها رواية لا أسمّيها، بـ" النسوية " رد فعل على عنف مفعَّل هنا وهناك اجتماعياً، وإنما رواية يكون لها ظل، صوت، صدى صوت، حضور رمزي يؤخذ في الحسبان، مقام في شبكة العلاقات الاجتماعية، وفي صنعة الثقافة، وإحالة عليها، أو تبيّنها في الذاكرة الجماعية المتعددة بأصواتها، أعني بذلك، رواية يكون لضمير" أنا " المتكلم، ما يتكلمها كينونةً مختلفة، وحساباً قيمياً جارياً ومختلفاً، في مجتمع يستحق أن يكون كما هو المنشود مختلفاً،بحضور يفتقد غياب المختلف، وإلى أجل غير مسمى للأسف!
وللواقع أن يقول شهادته، شريطة ألا يُحتكَم إلى " ضمير أنا متكلم " كما هو تاريخه بأحادية لونه كثيراً جداً!