إبراهيم محمود - تلبيس السرد

-1-
إذا كان السرد في مجهوله المعلوم لا يعدو أن يكون- إجمالاً- بدعة الرجل: الذكَر، فإنه في معلومه المجهول- إجمالاً بالمثل، صنعة المرأة: الأنثى. إن إجراء مسح ميداني، أرشيفي توثيقي لمَا هو مسطور في العصور المتعاقبة وإلى الآن، وإثر ظهور الأديان السماوية، يضعنا في مواجهة نمطية تاريخ يكاد يكون شمولياً في أحادية صوته وكتابته: الرجل، وتلك النفحة المزكّاة والمشتهاة من لدنه: الذكورة بِتيمة الفحولة.
بناء على مفهوم العقل نفسه: هل يمكن الأخذ بكل ما وصل إلينا مما تقدَّم، على أنه هبَة الرجل، صنيعه، أن هذا هو وجه التاريخ وواجهته ووجهته بامتياز، اسمه " الشمسي " وصوته الجهوري، وظله السلطوي، في حضوره المطلق أو شبهه، وغياب شبه مطلق للمرأة؟ أي ما يدفع بنا إلى المصادقة على أن الجاري من سرديات كبرى ممضيٌّ عليها من قبل الذكور؟ أليس لامعقول العقل هنا، دواءه الذي يشخص داءه؟
-2-
إن أي قراءة للتاريخ، وباعتباره سرداً، تخل بمفهومه المسنَد إلى خطاطة تصاعدية، وما يتلبسه خارجاً، لحظة النظر في " أمهات " النصوص التي تشكل مرجعيات رئيسة للتاريخ القديم في الشرقين الأقصى والأدني، وبصمة المرأة في ذلك، وعربياً بصورة خاصة كما الحال مع أسماء : أثينا " الاسم الدال إلى اليوم في عاصمتها جهة اليونان، وأفروديت، وديمتر، وعشتار، وإيزيس...! أكثر من ذلك، ما يخص النص السومري حول السيدة التي أحيت الضلع معنى لاسمها " ننْتي " وهي تعالج " إله الأرض السومري : إنكي " في ضلعه، وكيف حدث انقلاب في غفلة من تاريخ لم يغفل عن هذا القطْع في سرده، وقد شهد سرداً من نوع آخر، ينحّي المرأة جانباً عن مواقع القوة والهيبة لاحقاً !
-3-
ماالذي دفع بالسرد ليكون على ما هو عليه، أي ليجري تقليصه واختزاله بالطريقة التي توحي إلى أنه ولادة ونشأة صنيع الرجل والمرأة تابعة لا مساهمة معه على الأقل في تلوين تاريخنا الطويل حيث يُكتفى بإقرار القليل منه" في بضعة آلاف من السنين طبعاً "؟ لتصبح المرأة المقتدرة، وهي في وضعية حضور مؤثرة في وضعية غياب، وهي منطوقة، ومحمّلة بتصورات مسندة إلى رواية الرجل: سرديته الجنسانية طابعاً !

-4-
في أكثر من مكان ومقولة تخص جاك دريدا " زعيم التفكيك الشهير" ثمة ما يتردد حول أن ليس هناك ما هو خارج النص. أي حيث يوجد النص يمكن الأخذ به، وهو الذي يقودنا إلى الدائر خارجاً. بالصورة التي استوعبتُها من هذه المقولة، أن ليس من نص يؤخَذ بحدود يُغلَق عليها، ليس من نص يمكن أخذه دون تعريض للمساءلة العميقة للحقيقة التي يعرَف به، وهذا يسمح لنا بالقول على أن النص يكون في حالة نقص دائماً" كما الحال في مفهوم الإضافة الدريدي "، أي ما يزيد في تنقيح النص و" فلترته " وإثرائه بما هو خارجه ونزع الحدود الفاصلة بين كل من الداخل والخارج. ألا ما أوسع هذا الخارج الذي ينتظره النص ليتوازن، اعترافاً بواقع حوّر كثيراً .
في السياق نفسه، إذا كان النص يذكّر بالنسيج، والنسيج يذكّر باليد التي أسهمت في تحويله إلى ثوب أو غطاء معين له نجاعته، فإن هذه اليد تكون أقرب إلى أن تكون يد المرأة، حتى لو لجأنا إلى التقابل كمثال بين " بينيلوبي " زوجة يوليسيس في الإلياذة – الأوذيسة " التي كانت تنتظر زوجها وتنسج ثوباً، أي تنهمُّ بالنسيج بمفهومه الزمني، والدال السردي على ما هو زمني، ورحلة الزوج الهوميري: يوليسيس خارجاً، فيكون هذا التعاضد بين الداخل والخارج منفتحاً ومؤلّفاً علاقة توأمية لجعل الحراك ىالملحمي للنص ماضياً في التاريخ .
-5-
يراهن باحثنا الكبير عبدالفتاح كيليطو على مقوله شغلته كثيراً في كتاباته ذات الصلة بالحكاية، وهي أن السرد يرتبط بالسفر، وحيث أن ليس من نص نثري أو شعري إلا وكان حامله الكبير هو السفر، والسفر حركة مؤرشفة زمنياً، وتشهد أحداثاً، والنتيجة المترتبة على مثل هذه المقولة: مريعة، من حيث لم يحتسب لها كيليطو: السرد صنيع الرجل، وليده، وربيبه والناطق باسمه. ثمة " فتنة مشتهاة " حفّزت في كيليطو إرادة الكتابة التأويلية التي يكمون السفر مغذياً لمخيالها الثقافي، والسرد محوَّل إلى الخارج، وفي الخارج هنا ليس سوى الرجال. أين تكون النسوة؟ لا بد أنهن يلامن بيوتهن وفي " غيبهب " الصمت أو ما يرادفه!
متعة قراءة أعمال كيليطو المؤثرة لما هو مكتوب في هذا المنحى لا تخفي حِداد الداخل، طالما أننا نتحرى العلامة الفارقة للسفر، وأسماء المعنيين به. أليست الموضوعات التي ينهم بها كيليطو، وله حضور كبير في الثقافة العربية الحديثة، وشأن في نطاق اللغة التي عرِف بها بداية" الفرنسية " وقائمة العناوين، مدعاة لسؤال أساسي وهو: لماذا الرجال هم الذين يكونون في الواجهة: أبو العلاء المعري أو متاهات القول،من شرفة ابن رشد، لسان آدم،حصان نيتشه..، وضمناً، ومعها عشرات الأسماء المنتمية إلى مجالات ثقافية مختلفة: أرسطو،الجاخظ،الجرجاني، الزمخشري، الحريري، ابن خلدون،ابن عربي، السندبات البري والبحري، مجنون ليلي، بورخيس، أبو العبَر، أبو سهل...إلخ، وحتى بالنسبة لكتابه عن " ألف ليلة وليلة: العين والإبرة " حيث شهرزاد هي محركتها، يكون تسليط الضوء على حكاياتها التي تخص الرجال كثيراً، وفي الوقت الذي يُشَك في جنسية شهرزاد نفسها، ومرجعية لسانها، بوصفها توليفة ذكورة ؟
هل حقاً أن المرأة عاجزة عن السفر، ومكتوب في جينتها: استحالة قيامها بالسفر، حيث الثبات، داخل البيت، وحجبها عن العالم، خاصتها؟
-6-
ماالذي يضعنا في مواجهة سرد يحتفى به وهو في لونه الواحد، أي وهو منمط، حيث بصمة الرجل وسِمة الذكورة لماحة فيه؟ إنها بنية الثقافة الفاعلة والراصدة والمحروسة في لغتها التي تصان ويُراد لها أن تكون تعبيراً معززاً بتلك العلامات التي تبقي الخارج بكل وقائعه وأحداثه، وما يجري وضعه وتصنيفه في عهدة الرجال: الذكور. وللرجل هذا أن يطلق العنان لمخياله ذي المرجعية الذكورية ليسطر ما يحمل هذا البصمة: الخارج المحتكر ذكورياً، والداخل المسوَّر المعلوم: أنوثياً، وليكون كل إجراء لضبطها ثقافياً في هذا المنحى، وما له صلة بالمتعة وهي بأبعادها الدلالية محولاً في بنيته، وحراكه الجنساني من منظور السياق الثقافي الذكوري. أليست كتب الجنس وما يمضي به إلى ما وراء الحسي، أي حيث يكون عالم الغيب، مخدّمة لتعميق هذا التوجه بمحْكم السرد الذي يتكلم الذكورة:
تحفة العروس ومتعة النفوس ، للتجاني- نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب، للتيفاشي- الروض العاطر في نزهة الخاطر، للنفزاوي، وموسّعة السيوطي الجنسية الكبرى...إلخ، عناوين دالة على مدى تجذّر هذا النوع من السرد وذرائعيته المعتبَرة .
-7-
ما نشهد له هذه الأيام هو ذلك التنامي في ظاهرة تعرَف بالنسوية وفي الرواية التي تكتبها المرأة، وفي مفهوم " الجندر " وكيفية تعاطيها، أو النظر في " أمرها " أي حيث لا يعود السرد بالصيغة المألوفة كما هو ، وردود الأفعال التي تمارس تضييقاً للخناق حولها، وفي المنحى الديني، استناداً إلى القوة المفعَّلة باسمه، وما في ذلك من تجييش لوعي جمعي ترسخ في مضمار السرد المشار إليه على مدى مئات السنين. من البديهي أن شياً كهذا يحدث، بغض النظر عمن يحرك أو " يسخن " هذه الظاهرة.، إلا أن الجاري لا ينفصل عن ذلك الغبن التاريخي الملحق بالمرأة، وجرّاء هذه المحكومية الخانقة والمريعة التي أبقت المرأة في " الداخل " لتكون مادة السرد، موضوعه، مغذيته على الهامش، رغم تعرض هذا الهامش نفسه لأكثر من عملية تهشيم، كما هي شهادة الواقع الفعلية. إن النظر في مفهوم " النسوية " أو ما يجري إثارته بصدد " الجندر" كمفهوم ونشأة، لا ينفصل واقعاُ عن بؤس الواقع نفسه، عن جور مستحدث يطال المرأة، لحظة مكاشفة هذه الحيازات لقوى الواقع، وأي دور فعلي يعطى للواقع. إن سرداً تشغله المرأة بصوتها الفعلي، وكيانها الحيوي كامرأة، وليس كما يراد منها أن تكون، إنعاش للمجتمع كمفهوم جسدي، وإيقاظ للرجل من غفلة أثملته كثيراً.
-8-
أن يُطرَح مفهوم السرد من خلال حافظة معينة باعتبار قدسي كثيراً، دون إضاءتها، دون توسيع نطاق الحوار وتعددية المواقع، ينزع عن السرد كل قيمة مسندة إليه، وينفيه عن اسمه ضمناً. يبقيه غياباً، وأكثر من ذلك مغيَّباً، وأخذ العلم من جهة أولي أمره، على أن تعاطيه هكذا، وكما كان الأسلاف ذكورياً، بقدر ما يكون تعرية لخلفية هذا التدني اللافت لمكانة القيم التي تبقي المجتمع في مستوى العصر، واعترافاً بحقيقة كذلك .
إن تلبيس السرد بما ليس فيه، وفيه كل هذا المركَّب الذي يقزّم تاريخاً يجري كيل المديح له، والحيلولة دون تحرره مما عُرِف به، وليس منه، علامة فارقة على موت الزمن، موت التاريخ، موات الحياة والإنسان كقيمة فاعلة لا منفعلة واقعاً، وأن سرداً كهذا يعدِم نفسه ومعه وداخله من يراهنون عليه!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى