محمد احمد طالبي - قراءة في ديوان الزجال رشيد شرقان امحمد ويافا بنت التيه ملحمة زجلية حكواتية.

القصيدة الزجلية المغربية ليست بنت اللحظة ولا صدى عابرا في فضاء الشفاهة، بل هي كيان شعري ينهض من عمق الذات الشعبية، يتأمل ملامحه، ويعيد رسم زمنه، مسجِّلًا عمره في كل ممكنٍ لغوي وتجريبي. إنها كتابة تُنجز ذاتها عبر نبض التجربة، وتتوسل إلى الحياة بلغة نابعة من الأرض، لكنها لا تقف عندها، بل تُحلق نحو الأفق السوريالي، حيث الفعل المرجو يتجاوز الواقع، ليُعيد تشكيله من جديد.

في الزجل المغربي، الكلمات ليست مجرد أدوات تواصل، بل كائنات حية تضرب جذورها في تربة المعنى، تُنبت صورا ومعاني تنفتح على اللامحدود، لا يسبر أغوارها إلا من سكنه التصوف الشعري، ومن استبطن الوجود لا باعتباره معطى، بل كمشروع تأويلي متجدد. إننا أمام مخيلة تمزج بين الحلم والرؤيا، بين اليومي والأسطوري، لتصوغ عهدا آتيا، لا يقاس بالسنوات، بل بطول المعنى وامتداد الحلم.

هنا، تصير القصيدة الزجلية عمارة شاهقة، لا يدخلها إلا من عانقته روح شعرية صادقة، ولامس صدره لهيب بروميثيوس، ذاك الحارق بالمعرفة، المتألم بالحقيقة. وهي، في هذا المسار، ترفض التطفل أولئك الطارئين على العالم الروحي، المتنكرين لجمالية التمرد، والمصطفين في طوابير التنميط.

الزجل المغربي، بهذا المعنى، ليس فقط تعبيرًا عن همٍّ جماعي، بل هو انخراط في صيرورة شعرية لا تهدأ، بحثا عن الذات، واستنطاقا للهوية، وكتابة مستمرة لما لم يُكتب بعد. إنه مشروع إبداعي يحمل بين ثناياه ملامح شعب، ويُعيد عبر اللغة تشكيل مصائره، مفتوحا على كل التجارب، لكنه مخلص لأصل التوهج: الإنسان.

تُعد الملحمة الزجلية الحكواتية شكلا فنيا هجينيا يتداخل فيه السرد الشعبي بالشعر الزجلي في انسجام عضوي، يجعل من الحكاية الشعبية ليست مجرد خلفية للقصيدة، بل قلبا نابضا في بنيتها. فالزجال المغربي رشيد شرقان، بحسه الفطري ووعيه الشفاهي، أدرك أن الحكاية ليست فقط مجالا للحكي، بل وعاء للهُوية والذاكرة الجمعية، تختزن القيم والرموز والتجارب. من هنا، لم تكن استعارة الحكاية فعلا تزيينيا بل عملية إعادة خلق داخل نسيج شعري مشبع بالإيقاع والتكثيف.

تستحضر القصيدة الملحمية الزجلية شخوص الحكي الشعبي، وتلون أمكنته، وتبعث أزمنته الجماعية، دون أن تفقد شعريتها أو تقع في فخ النثرية. وبهذا يصبح الزجال راويا لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يُعيد تشكيلها فنيا، عبر تلوين لغوي، وتقطيع زمني زمن الذاكرة استحضار الطفولة
زمن الحلم يتيارى في مروج خضراء
وزمن الأسطورة زمن متعالي لا يخضع لقوانين الزمن الواقعي هي عفريتة.

وبصور ذات شحنة رمزية. هكذا تتحول القصيدة إلى فضاء جماعي يتداخل فيه الصوت الفردي مع الوجدان الجمعي، وتغدو الحكاية أداة تعبيرية تُثري التجربة الزجلية وتمنحها بعدا دراميا نابضا بالحياة والذاكرة.

ديوان “آمحمد ويافا بنت التيه” تجربة زجلية فريدة في المشهد المغربي، تستلهم عناصر الملحمة والفانتازيا لتعيد تشكيل الواقع من منظور رمزي كثيف.

غير أن الفانتازيا هنا لا تُفهم بالمفهوم الغربي التقني، بل تُوظف كأداة تخييلية شعبية تحاكي الواقع وتعيد تأويله من خلال رموز متجذرة في المخيال الجماعي.
وهنا أشير إلى الخطأ المفاهيمي الذي وقع فيه مقدم الديوان، حين قال “رواية ملحمية أدبية او لنقل فانتازية”، ليكشف قصورا في استيعاب الخصوصية النوعية لهذا النص، الذي لا ينتمي إلى الفانتازيا بالمعنى الأدبي الغربي ولا إلى الرواية الملحمية الأدبية .
لكن شرقان تدارك ذلك حين كتب على واجهة الكتاب ملحمة حكواتية زجلية.

هذا الديوان صاغه من التراث الشفوي ومزج بين السرد الحكائي والشعر الملحمي، مع الاعتماد على اللهجة المحكية الدارجة، وان كان هناك ترويض لبعض الألفاظ من الفصحى ،لإضفاء ذلك الطابع الشعبوي الأصيل، وهذا ما وافق فيه أيضا الإهداء الذي يحمل دلالة عميقة، ليربط بين السرد الحكائي والذاكرة الشخصية للشاعر قائلا: إلى من علمني سرد الحكاية الشعبية الخبير ..والدي ابراهيم.

امحمد ليس مجرد شخصية متخيلة، بل حامل لذاكرة جمعية مهددة، وصوت ذات في مواجهة قوى رمزية طاغية: الغول، والتيه، والعدو. كما أن توظيف الكائنات العجائبية لا يروم الهروب من الواقع، بل تعريته من خلال المفارقة والتناص الشعبي.

يتميز النص ببنية سردية متراكبة وتطور درامي، دون أن يفقد هويته الشعرية، حيث ظل رشيد شرقان وفيا لمقومات الزجل الشفهي، من إيقاع وسخرية وتضمين. لغته، رغم بساطتها الظاهرية، مشبعة بالإيحاء والمجاز، مما يجعل الديوان مفتوحا على تأويلات متعددة. إنه نص شعري-سردي، يؤرخ لواقع مأزوم ويحتفي بالزجل كأداة للمقاومة الرمزية والتخييل الشعبي.
ليختمها قائلا
وما ذي غا حكاية من الحكايات
يا منهو قرا كلامي واستلغاه
مزممة بقلم صاحب الشرقانيات
رشيد بن ابراهيم وشرقان كناه
محمد
ديوان “آمحمد ويافا بنت التيه” ليس مجرد قصيدة طويلة اشتغل عليها الشاعر لعدة سنوات، بل هو عمل سردي درامي حكواتي يتخذ هيئة ملحمة شعرية تنبني على منطق البناء الدرامي والتتابع السردي.

ينقسم العمل إلى مشاهد متتابعة ومترابطة، يُؤسس من خلالها الشاعر لبنية درامية ذات طابع دائري، تبدأ بالتهيئة، ثم تتطور نحو العقدة، فالذروة، لتنتهي بالانفراج. هذا الأسلوب السردي، الذي يحاكي تقنيات الحكواتي والملحمة الشعبية، يعكس وعيا بنائيا ودراميا عميقا لدى الشاعر، كما يشكل انزياحا عن النمط الزجلي التقليدي نحو شكل فني مركب ومتعدد الأبعاد.

وقد تحدث الشاعر رشيد شرقان نفسه عن ديوانه هذا، في كتاب “رحلة في أبعاد الإبداع: سِيَر وآثار” (ص 307–308) قائلا:

ملحمة “آمحمد ويافا بنت التيه” غني بالصور الشعرية، الرموز الأسطورية، واللغة الزجلية الحكواتية ذات الطابع الملحمي الشعبي، مما يجعلها مادة خصبة
قلت عنها هي الولد المشاكس.

البنية الدرامية – من الحكاية إلى الملحمة
البنية السردية:
تُبنى هذه الملحمة على نمط سردي يشبه الحكاية الشعبية من حيث التدرج الزمني والخط الدرامي التقليدي: البداية – الترحال – المواجهة – التحول. البطل “امحمد”، المكنّى بـ”الحشيشي”، يمر من حال التشرد والضياع إلى المواجهة والصدام مع الغول ثم إلى الارتقاء البطولي.

وتمتاز باستخدام لغة عامية ببراعة فنية عالية، هذه اللهجة المحكية تتحول إلى أداة شعرية قادرة على التعبير عن مشاعر عميقة ورؤى إنسانية معقدة،

نلاحظ هذا في مقطع الأول
البلية مرافگاه من اللي كان صغير
عادة اورثها على باه
ما تحلى ليه راحه
حتى يكون السبسي والمطوي احداه

يخلق الشاعر عالما اسطوريا ممزوجا بالواقع حيث تتحول شخصية امحمد الى بطل ملحمي يواجه الغول في صراع وجودي
في يوم من الأيام سلك غابة كبيرة
كان محرزها غول كل يخشاه

هذا المشهد يستحضر تقاليد الملاحم القديمة، حيث يصارع الابطال قوى الشر المتمثله في كائنات خارقة.
هذا التوظيف الملحمي للاسطورة يجعل من الغابة رمزا للإختبار، وهو فضاء مجازي وأيضا مع الغول بمعنى الشر المطلق. المكان المجهول وعلاقته بالذات الأخرى العنيفة، وسنرى أيضا كيف أنها ستكون هذه الرحلة شبيهة برحلة التحرر الصوفي، وهو أمام هذه المعضلة الأخلاقية والوجودية، هل يستسلم؟ هل يواجه؟ هل يتحايل؟

البنية الثنائية للصراع:
هناك صراع واضح بين قوتين:
كأنه صراع الانسان مع قدره.
تمثل شخصية محمد نموذج الإنساني المتمرد على قسوة الحياة حيث يصور الشاعر تحوله من شخص عادي الى مقاتل: امحمد قاتل 99 انسان
اكمالت المية يجيبها علام الغيوب.

هذا التحول يشبه رحلة الأبطال في الملاحم الكلاسيكية حيث يخوض البطل سلسلة من التحديات التي تختبر قوته الأخلاقية
إذن امحمد قد(يمثل الهامش، الإنسان الضائع، التائب، الباحث عن معنى)

الغول (يمثل الشر، السلطة الجائرة، المتسلطة، الخرافة)
ويظهر الحب كقوة تحويلية، إذ تمثل يافا بنت التيه رمزا للأنوثة القوية والجمال المميت حيث يصورها الشاعر كقوة طبيعية جارفة:
هي عفريتة من العاشقات
اتزعطات فيه من يوم راته
وقد شكلت أيضا نمط الشخصية النسائية الغامضة التي تجمع بين الواقع والأسطورة لتمثل أحد المقومات للملحمة،
قالت اسمي يافا بنت التيه
بعويد قبيلتها كفرات 72
فيافا المعنى المأمول، وأرض التيه مجال الإختبار والمواجهه هذه المرأه تمثل التمرد والخروج عن عقال القبيلة، فيافا تختلف عن النمط الذكوري التقليدي.
ونحن أمام امرأة فاتنة كرمز للمعرفة أو للحقيقه، الحلم بالمرأة التي سنجد لها ذكرا جميلا وإبداعا زجليا رائعا، لكن من بعد ما اكثر امحمد
طابا مرادو الكيمية تقساح
ولما قال ايضا
واش طابة وتاد مخي نصلتها
38/40
62/74
ونجد أن هذه المرأة وغيابها المفاجئ يشير إلى مقام الجمال في التجربة الصوفية حيث الحقيقة تتجلى ثم تحتجب. وفي التصوف تمثل المرأة كثيرا الذات الإلهية في تجلياتها الجمال والعشق الروحي الذي يوقد في النفس توقا للحقيقة
شافتو يافا مدهشر وتدخلات
كانت هي بريق العين حاضيه ص 79
وعلاقه يافا وامحمد ما تقطعات
في كل ليلة تاتيه وبحنانها راعيها 81
ويبقى التيه كاستعارة في رحلة امحمد تعكس أزمة الإنسان المعاصر في البحث عن معنى لأن الأدب الحقيقي هنا يظهر تناقضات الوجود فنجد التراجيديا في عنف امحمد وتيهه، أما الكوميديا في انتصار الحب يافا على القبح والغول.
والغول كتمثيل للصراع بين القيم الإنسانية وقوى التدمير. وهو هنا ليس فقط كائنا أسطوريا، بل هو رمز للاستبداد السياسي والاجتماعي، الذي يحتل الغابة ويحكم الناس بالشروط والإتاوات
هنا في الغابة راه مبدل دستور الحياة.
هذا الصراع كما قلنا يعكس أزمة الانسان المعاصر في الحفاظ على إنسانيته وسط عالم متوحش.

هذا التفاعل الدرامي:
نراه في الحوارات بين محمد والغول، ثم محمد والأميرة، التي تعكس تطور الشخصية البطولية تدريجيا، مما يقربنا من البناء الملحمي الشعبي، حيث “الراوي-الحكواتي” يُحوّل حكاية فرد إلى قصة مجتمع
محمد
إذا رجعنا إلى بداية الملحمة نجد امحمد الإنسان الشعبي في مرآة الأسطورة:
وهو صورة للتائه المدمن، العاطل، المُبعد اجتماعيا. لكنه يتحول شيئا فشيئا إلى بطل شعبي يُنتظر منه الخلاص، وتُعلَّق عليه آمال القبيلة.

أما الحلم يبقى كتحول رمزي:
في مشهد وسط الغابة إذ يمثل لحظة تحول نفسي داخلي، يُعلن فيها امحمد عن استعداده لمواجهة مصيره. والحلم يعكس ما نسميه “اللاوعي الجمعي”، حيث تستفيق القوة البطولية داخله.
وهو العقل الكامن .

التقنيات السردية والدرامية
تعدد الاصوات
تتميز الملحمة بتعدد الاصوات والمنظورات السردية حيث نسمع أصوات الشخصيات المختلفة مباشرة دون وساطة الراوي كما في حوار امحمد مع الغول
قال محمد كلامو وسار خلا في قلبه علة.
وهناك أيضا المفارقة الدرامية التي وظفها رشيد ببراعة خاصة في تصوير العلاقة بين امحمد ويافا حيث يتحول الحب من مصدر للبهجة إلى سبب للمعاناة:
وعاشو فهنا السعادة طالياه
وعلاقة امحمد متقطعات

اللغة والأسلوب
بلغة زجلية شفوية غنية بالإيحاءات:
التي تعكس فصاحة الزجل المغربي: إيقاع داخلي، صور حسية، أمثال، وتعابير شعبية.
أمثلة:
“التراب فراشو والسماء وغطاه”:
تصوير شعبي للحالة الإنسانية الدنيا.

“قلنا نضربوا العود واللي جاه يهزهم”: تفكير شعبي فيه دهاء وذكاء طبقي.
كما يبتكر الشاعر صورا شعرية قوية تعتمد على المفارقة والانزياح مثل:
الوجه طالع السر عليه
العيون زورق مهذب شفرها
هذه الصور تخلق عالما بصريا غنيا

مع كثافة الصور البلاغية:
تشبيهات حسية: “كان راكبه الهواس”
مجاز ميتافيزيقي: “من قاهر السباع والفهودة”

الشخصيات والفضاء

1. الشخصيات:
محمد: شخصية متحولة، تتطور من التائه إلى المنقذ.
الغول: قوة قمعية تمتح من الأسطورة والفانتازيا.
الأميرة/ميرتو: تمثل صوت المجتمع الأنثوي، الحلم، والانتظار للخلاص.

2. الفضاء الزمكاني:
الغابة رمز للفوضى واللاشرعية، مجال اختبار وتحول.
القصر رمز للسلطة والشرط والانتقال من الهامش إلى المركز.
ولابد من الاشارة الى هذا الانزياح الدلالي في الانزياح المكاني وهو واد عبقر من التراث العربي يختلط مع أماكن واقعية.
ثم الإنزياح الزمني فزمن الاسطوري غير محدد يتداخل مع الزمن التاريخي.

التناص والتأثر بالحكايات والموروث
حضور قوي لأدب الحكواتي والملاحم الشفهية الشعبية.
تأثر الملحمة بالحكايات المتداولة في الفلكلور المغربي.
بعض المقاطع تقارب أدب الملاحم الصوفية من حيث التوبة، التطهر، والسفر الرمزي نحو النور.
تميزت الملحمة بتنوع ايقاعي بين السرد العادي والزجل الموزون مع استخدام التكرار كتقنية ايقاعية: كلمة شارت في الصفحات 74و 80 و81 وأيضا تكرار صوتي لفظي مثل شقف تابع شقف هذا لإحداث تأثير طقوسي شقف تابع شقف والشقف كبير الصفحة 21 مما يمنح الملحمة إيقاعا داخليا وهناك تنغيم يتعلق بطريقة النطق والاداء ويظهر هذا جليا من خلال القراءة الشفاهية لصاحب الديوان بصوته.
هناك اعتماد لمحسنات اللفظيه مثل تماثل الحروف واختلاف المعاني تميالي لبطالي نبالي بحالي الصفحة 51
أو تضاد في المعاني مفقودة معودة الصفحة 47
موصودة مقصودة الصفحة 47
أيضا الحروف ذات الطابع الموسيقي كاعتماد احرف رخوة مثل الميم الصفحة 29 والنون صاد الصفحة 31 واعتماده احرف انفجارية الباء الصفحة 21

أما البناء الإيقاعي فهو خاضع في إيقاعات مستقرة نابعة من الوجدان الشعبي والقافية التي تحافظ على انسياب السمع وإثارة التوقع لدى المتلقي وانتظام المقاطع بنقلات سلسة وعددها عبر البنية المقطعية. ونجد المطلع والجواب وأيضا القرار.
الإيقاع الداخلي ناتج عن تكرار الاصوات وتنوع التراكيب اللغوية وتكرار الجمل والعبارات ونشير أيضا الى ما قاله في الصفحة 23 .
99 وكمالت المية
وكذلك ما قيل في الصفحة 48
حلت جواها بيد مرعودة
وقرات بسم الله وله الحمد
فهذا يحيلنا الى تأثره بالنص القراني

الوظيفة الاجتماعية والتأويل السياسي
الملحمة ليست فقط حكاية ممتعة، بل هي:
مرآة للواقع المغربي، حيث الهامش يبحث عن ذاته ويواجه رموز الفساد والاستبداد.
ودعوة للوعي والتحرر، حيث الفرد التافه يمكن أن يصير فاعلا في التغيير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى