محمد بشكار - وصلتني الرسالة...!

بعض الرسائل الزاجلة، ليست في حاجة لظرف متنبر أو ساعي بريد، كي تصل بَرْقاً إلى أفئدة الناس، وإحدى هذه الرسائل تلكم التي بعثها كِتاباً الشاعرُ المغربي الكبير عبداللطيف اللعبي إلى المواطنين، وحظيتُ بنسخة من قُماشتها الحمراء على شاكلة العَلَم المغربي، مطرزة في القلب، بعنوان نجمة خضراء تُنبئ بـ:»مغرب آخر«؛ وقد ترجم هذه الرسالة / الكتاب من الفرنسية إلى اللغة العربية، الزميل»مبارك مرابط« (منشورات أخبار) اليوم منثوراً بوافر الشكر ..!
نعلم أنه من باب اللياقة والأدب الجواب على الرسائل قبل أن يجف حبرها، لكن أعترف أن كل اللياقات مهما كانت رياضية تنوء بالأثقال، وكل الآداب ما امتدت أسطراً طوالا في النثر أو الشعر، لن تستطيع جواباً على رسالة حاكت دون لف أو دورانِ مِغْزلٍ، على امتداد مائة واثنتي عشرة صفحة، من أدق التفاصيل السياسية والحقوقية والثقافية للمغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، ذاكرة عصيبة لا يستنكف الشاعر عبد اللطيف اللعبي، عن النفخ في جمرها الذي تُسَجِّيه صفقات الرماد، كتعبير من مجنون الأمل، أن كل الأنفاس لا تستطيع أن تطفئ رصاصاً ما زال متقداً في الروح والجسد، ولأنه يوقن أيضا أن الجميع يضيع أدراج السهو والنسيان في درس التاريخ.. !


1758686128122.png

لا يقف الشاعر في هذه الرسالة / الكِتاب، ليُنشد على صَمَمِنا القصيدة، ولكن ليدعونا إلى الإستفاقة من حلمها، بالتفكير في وَضَح الأحداث التاريخية للمغرب الذي يريده أجمل بدستور لا يبقى رهينة الأوراق، وإنما ينزل إلى حيز الحياة، حتى يستشعره المواطن المغربي، يسري مع الماء والهواء وحتى الدواء ما دامت مرارته ستكفل في الأخير، صحة جيدة للبلاد؛ لكن يبدو، رغم كل المصابيح التي استوقدها اللعبي بحرقة في ليل الذاكرة البهيم، عسانا نستبدل السُّكرة بالفكرة، أنه لم يَصُغْ باستدعاء هذه الجَمْهَرة الواقعية والكرونولوجية للأحداث التي تحولت مع تصرُّم الزمن، إلى قواقع جوفاء في خيط التاريخ؛ لم يُصُغْ إلا حُلُماً آخر لا فرق أن ينبع من وسادة القصيدة أو صخرة الواقع، ما دام سيبقى شبيها بالحديث في النوم، لا يصل إلى مسامع تَرَى أن الرشاقة في طول الآذان.. !
أما أنا،
فقد وصلتني رسالتك أيها الشاعر، وصنعت في الفؤاد مغرباً آخر لا يشوبه أي ربيع يؤول في آخر السيف، إلى خريف دموي، ونحلم بغده مستقراً آمنا لنا جميعاً؛ وصلتني رسالتك البليغة في عنفوان جرحها، كمواطن بسيط، لا يتخذ من القلم كعباً يعلو به على الناس الذين سئموا ثقافة من فرط ميوعة قشدتها النخبوية، صارت لا تكتب إلا عَرجاً ولا تنطق إلا غَنَجاً.. !

(ملحق »العلم الثقافي« 2014/ 6/19)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى