العربى عبدالوهاب ـ (نقوش صغيرة محفورة بعناية) قراءة فى ديوان "كأنى الساكن الأصلى" للشاعر مدحت منير

يطوَّف بنا الشاعر من خلال ذاته ، حول الدنيا وحول عوالمه الشعرية المميزة، وفى الثلث الأخير من الديوان، نراه يلملم حكاياته الصغيرة بعناية معلنا على قارئه الرحيل، عن المشهد.

من هو الشاعر الذى يحفر بقصائده هذه النقوش الصغيرة؟!!! .. نقوش مسَّها الوجد والحنين، والوجع، فهامت فى محيطات الخيال البكر، حيث نلاحظ الاعتماد الكلى على (عنصر التخييل) الذى يعمل كتقنية مركزية فى الديوان، ومن خلاله يمكننا قراءة ديوان "كأنى الساكن الأصلى" للشاعر مدحت منير(*)؟.

هو أحد مؤسسى القصيدة العامية المصرية الجديدة، واحد من أبناء جيل التسعينات، ذلك الجيل الذى ضم بين جناحيه ، على سبيل المثال لا الحصر؛ كل من الراحل (مجدى الجابرى، مسعود شومان، يسرى وحسان، إبراهيم سلامة، مدحت منير، جمال حراجى، حاتم مرعى مصطفى الجارحى، إبراهيم حامد، عزت ابراهيم ، عبده الزراع، السعيد المصرى، أيمن سراج، محمد جودة، محمود رمضان وصلاح يوسف) والقائمة تطول..

يأتى من قبلهم كى يمهد الدرب، الراحل طاهر البرنبالى، وفاروق الأفندى فى الثمانينات.. وهنا لا أعنى أم موجة التجديد هلت تباشيرها مع هؤلاء الشعراء، فى الثمانينات، بل إن التجديد فى العامية المصرية، ممتد وله باعه الطويل فى تراثنا الشعرى العامى، ويبدو جليا فيما قدمه عميد، بل ومؤسس حركة التحديد، فؤاد حداد، ثم الأبنودى وسيد حجاب وماجد يوسف، حتى أحمد فؤاد نجم فى أغنياته السياسية برفقة رفيقه الشيخ إمام .

ويأتى من بعدهم فى مطلع الألفية الثالثة من الشرقية فقط (محمود البنا وعلى أبوالمجد، وعمرو البطل، وناجى نعيم وياسمين الشاذلى) وغيرهم من شعراء العامية الطالعين من رحم المعاناة ، أصوات شعرية مورقة تفوح من نصوصها روائح الطرح الشعرى الجديد، مما يطمئننا على مسيرة وتطور شعر العامية، يقدم الشعراء تجارب تطرب لها الأرواح ، فى كافة ربوع مصر، حاملين مشاريعهم الشعرية الكبيرة الواعدة..و ناسجين تجاربهم بتأن ومهارة فائقة.. وغير مسبوقة.. وتحتاج إلى الدرس والتحليل.

ماذا قدم لنا مدحت منير فى طرحه الجديد، (كأنى الساكن الأصلى)؟

قدم للقارئ عبر ثلاث موجات شعرية هى على هذا الترتيب (القلب، الدنيا، حاجات كتير).. يقول الإمام على ( داؤك منك ومـــــا تبصر *** دواؤك فيك ومــــا تشعر / و تحسب أنك جـــرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر)

من خلال الذات يرى الشاعر عالمه، ومن خلالها أيضا، يتمكن من أن يصنع بخياله ما لم يتمكن من الوصول إليه على أرض الواقع، وهو فى سعيه لاكتشاف ذاته، يتخلى عن حاجات كثيرة، أشياء يفتقدها مرغما، وهو مضطر ـ أحيانا ـ لعقد صفقة مع الحياة، كاتما غضبه فى صورة من الضحك الساخر، كأنه المصرى الساخر، الصبور ، خليفة الفلاح الفصيح الذى أصر على تقديم شكواه ؛

نرى ذلك جليا فى قصيدة وصفة لكتم الضحك " ادّيهم فُرصة / يتخايلوا بجرايمهم / استقبل أقصى عقوبة / وكأنك بتنشّف عرقك / حتى لو هايدقوا المسامير فى ايديك / ويسرحوا فى الشوارع / يكدّبوا خرافتك / اعترف / بكل التُهم المنسوبة / واكتم ضحكك / للآخر " تلك الدعوة للذات من خلال جعلها تارة فى هيئة المسيح، وتارة فى هيئة المخلص، لكنه فى كل الأحوال هو الشاعر الذى قدمه فى هيئة إنسان مصرى يسخر من معاناته بالضحك وهو يبطن السخرية، أما عن تنويع الشاعر فى إستخدام الضمائر هنا حين إعتمد تقديم قصيدته باستخدام ضمير المخاطب، والمخاطب هنا هو/ الشاعر أيضا فى تجليات الذات، من خلال اللعب على تبديل الضمائر، ليكسب نصوصه القدرة على التنوع.

ولعل ما جاء فى قصيدة أنا المهرج، والتى تسبق تحديدا الوصفة السابقة مبعثها، عدم القدرة على إحتمال آلام المشاهدات البصرية للمعاش واليومى، وقسوتها؛ لذلك نراه يكتب فى آخر مقطع " فى الحرب اللى جايّه / هاختار أكون عصفور / واقف يزقزق / فى الحصار"

وكأن القصيدة مقدمة لما سنراه من مشاهدات أكبر قادمة، ومن ثم سيكون الضحك كالبكاء، وبالرغم من أن كتابة أى نص، لا تقدم تبريرا لنص آخر، لكن التبرير هنا يساعد على الترابط العضوى الذى يخلق الانسجام بين توزيع القصائد ويعمل على تساوقها ومزجها فى لحمة واحدة، لانتاج الدلالة الكلية للديوان.. فالحياة مثل حرب أنهكت الشاعر، وهو فى النهاية يراهن على الغناء، وعلى البقاء فى نقاء روح العصفور، وإستكمالا لمسيرة الزقزقة، والكتابة، والشعر.

ويتأمل الشاعر بخياله تفاصيل دقيقة مبعثرة بين جوانحه، يضمها ويحنو عليها ويستخرج من أعماقها تجارب وإبداعات تتميز برهافة الحس، وإلتقاط الرؤية بدقة، والتعبير عنها باقتصاد شديد فى اللغة، لغة الديوان مكثفة، معبرة، عميقة الدلالات، موغلة فى مسَّ تفاصيل الواقع الحميمة، بعناية بالغة.

يعتمد الشاعر فى تقديم قصائد ديوانه على مداخل ثلاثة تعمل كإفتتاحيات، أو أيقونات دلالية لموجات، أو حركات ثلاث ينبنى عليها الديوان، بخلاف المفتتح الاستهلالى (والدنيا ... زى القلب / مافيهاش حد / اسمه / الساكن الأصلى ).

ثمة إستغناء وعدم رسوخ للوجود الانسانى، طالما يدخل الانسان فى مقارنة مع الدنيا بتحولاتها وتقلباتها المرعبة، ولعل مفردة (مافيهاش حد) التى تعكس النفى، مضافا إليها مفردة (حد) / (أحد) هو الوحيد المفرد، النكرة، بالطبع يكون مهمشا وغائبا أمام الدنيا بجبروتها.

(1) يقول فى إفتتاحية القصائد التى يتصدرها عنوان "القلب": (كانت عنيكي / يادوبك / مقطوفين من حلم / وكأنها الإسكندرية / على مرمى البصر) .. عيناها هما الحلم، والاسكندرية، هى الحلم الآخر الملهم لخيال الشاعر، الباعث على الحب والمغامرة.

(2) ويقول فى مفتتح الموجة الثانية المعنونة بـ "الدنيا" : (كانوا / طالعين / من الحى القديم / فى إيدين خيال / ماشى / بيصفّر لوحدُه / لريح توسّع له الطريق ) .. هنا نلاحظ أن الافتتاحية جمعتْ بين صيغة الماضى فى ( كانوا) وتيمة المكان فى (الحى القديم) وهذا الخروج لمواجهة ريح، بالطبع هى ريح الدنيا بجبروتها؛ ولكننا نلحظ أن المقطع يحتوى بين جوانحه ثغرة، تيسر لهؤلاء الطالعين للدنيا، محصنين بالخيال (فى إيدين خيال / ماشى / بيصفر لوحده) .. هل يتمكن الماشى أن يواجه ريحا بسرعتها؟ وهل سنرى أن الريح/ الدنيا .. ستقوم بافساح الطريق للخيال/ للانسان.. أظن أن هذا المقطع يعمل كمحفز سردى، كى نخوض غمار هذه الموجة المعنونة بـ (الدنيا) والتى جاءت فى (9) قصائد قصيرة.

(3) هل يتمكن الشاعر من مسح ما خلفته الدنيا على روحه؟!!، يقول فى إفتتاحية الموجة الثالثة (ماشى / أمسح خطوط / حفرِتها الليالى / بدِقة الظلم السعيد / على قد ماتسمح / أستيكة الأيام) طبعا هو يداعب الظلم بوصفه له (الظلم السعيد) ويعنى توفر القدرة على إحتماله، وجملة (على قد ما تمسح) معبرة للغاية على تراكم سريع وكبير لما خلفته المشاهد والمشاهدات على الذات.



  • أنماط الصورة الشعرية
تنوعت الصورة الشعرية فى الديوان .. وجاءت على النحو التالى :

  • الصورة السردية.
  • الصورة المشتبكة مع الموروث.
  • الصورة المفارقة.
جميع الصور الشعرية تم نحتها بعناية فائعة، وهنا أعنى الاقتصاد فى مفردات الصورة، وطزاجتها، وإستلهمامها لتفاصيل من الواقع المعاش، هذا بالاضافة للتكثيف الذى من شأنه أن يجعلها مميزة و(عفية) .. (خايف؟ / أول ما تصحى الكهربا تسأل علينا ../ خليك بعيد ) ق نور خفيف .. الصورة السابقة لها (عارف؟ / مالت العتمة الخفيفة / واطّمن الجفن الكفيف) مفردة (الكهربا) هنا هى كناية عن محذوفات كثيرة، وبدون ثرثرة، (الكهربا) هنا بعد التعرف على العتمة الرمزية، وأني يكون الجفن كفيفا، مغمضا بلا إرادة منه، هى صورة ذات إحالة سياسية فى الحقل الدلالى الأول، و ترمز لاحالات عن التعايش مع عصف وجبروت (الكهربا) التى تسأل يوميا عنهم، فهل العتمة خفيفة، أم أن الكهرباء لن تتركهم يعيشون الحياة بسلام؟

والصور الشعرية (السردية) منتشرة فى تلافيف غالبية قصائد الديوان، هى صور حداثية، صور بكر، تتسمُ بالبساطة، وتضبط إيقاع السرد، فى بناء القصيدة .. (خلّف ولاد/ كملوا المشوار / واندفنوا ف الغُربة) ق شارع سعيد.

ـ هنا تمتزج الصورة السردية بالصورة الحسية (ترتاح / مفاصل الباب الحديد / من الحسرة / وتضحك مراية الجدة / لأوضة العرسان) ق صاحب محل خردوات

ـ أما تلك الصورة الفلسفية، فإنها تنهض على مفردات عالم (المكوجى) (سخّنت المكوة / وعملت طريق للبحر ف قلب الفستان / اتهزّت هزّة خفيفة / وقالت / مش كل النار / تنفع للنور) هنا الجمع بين (النار والنور) يتساوق مع (السخونة فى المكواة ، والبرودة فى البحر ).. فهل تم تدمير الفستان، وهل الفستان هنا يمثل إحالة دلالية لحياة إنسانية متجسدة فى صورة الفستان؟

ـ (كان القمر/ مخنوق على الكوبرى / بفعل فاعل) لم يكن أبدا السرد فى القصيدة العامية الجديدة مأخذا سلبيا، بل يعد أسلوبية حداثية فى توظيف لامكانات ومساحات قولية جديدة، تجدد دماء القصيدة.. وهذه الميزة إكتسبها الشعراء ، عندما خاضوا كتابة قصيدة النثر بالعامية المصرية، ثم تراجعوا للايقاع التفعيلى، دون إهدارهم لما حققوه من مكتسبات، فى الطرح والاحالة؛

وإذا كنا لا نستشعر أحيانا بغير تقليدية الصورة، بسبب سرديتها، إلا أنها تحمل طاقة إيحائية مستوحاة من الحكاية المسرودة بحساسية مرهفة، ، وهذا لأننا نقوم باجتزائها من صورة أكبر، ولنستكمل معا السطريين التاليين (والنجم سارح / على الطريق السريع) ق وف عتمة الحى الجديد.

  • أما عن الصورة التى تستدعى الموروث الشعبى فنراها فى (أنا كنت إيه بالظبط؟ / تمثال حجر / لفارس قديم / مهزوم بأمر الآلهه؟) ق مش فاكر؛ نلاحظ أن الفارس صار فارسا قديما، بما يوحى بانقضاء عهد الفروسية، ثم أنه يرى وهو فى حالة تشكك، بين صورته فى الحجر/ التمثال/ الحضارة، وبين صورة الفارس القديم المهزوم سلفا فى الأساطير القديمة أيضا بأوامر الألهة.
ـ نلحظ فى هذه الصورة السردية كيف تتشكل الحالة الشعرية، كى تلتبس بالمتخيل التصويرى الملتحف بالماضى (كتبت العنوان / وبطاقة التعريف / ع الناصية / وقاعد م الصبح / مستنّى الماضى يخبّط ع الباب / يمكن.. / ضحك لى ويُدخل/ يلم هدومُه / ويرحل) .. نلاحظ تحول الفعل إلى صيغة المضارعة فى الحديث عن الماضى (ويدخل) هنا.. ربما تمكنه من إجبار الماضى بذكرياته، ومؤثراته، وأحزانه، مورثاته، حلوها ومرها ؛ على جمع ملابسه القديمة، والرحيل هنا يعد إنتصاراً للذات على ماضيها.. ومن ثم تستجلى الذات نفسها، وتحافظ على وجودها عبر مفارقتها لوجودها غير المستحب.

  • أما الصورة المعنية بإبراز المفارقة، فنلاحظها فى (مالحقتش / أحفُر فى روحى / لحد م اوصل ميّتِك) ( ق نتقابل فى أقرب حلم).. حيث مياه الارتواء غائرة، بعيدة المنال، صعبة على التحقق، كما هو صعبٌ التوحد بها على أى وجه، هى مفارقة، نائية، وهو وحيد يبحث بداخله عنها
يتخلل الديوان مفردات من قاموس العربية الفصيحى ، معبرة عن قاموس الشاعر ومستوى الطرح الشعرى للغة الديوان مثال (المكلوم ، وأضوى) أو عبارات مثل (أهدى الفيونكا القطيفة لمساء الخير) أو صورة مثل (سبحان اللى موزّع بؤس الأرض / على شئون العاملين ) وهذا الطرح نابع من وعى وتجربة الشاعر المثقف.. (يعيش أوهامُه العُظمى / بحريّة).

  • نلحظ أيضا الرمز كقناع معبر، ودال فى بعض قصائد الديون، مثل قصيدة (الآنسة (س))


ـ والشاعر فى بنائه لعالمه الشعرى يعتمد على تفعيل مفردات مفتاحية تساعده على قراءة العالم (ما قصدتش ، جايز) جايز.. / محتاجة أروّض حلقى على الحُرقة / لأيامى الجاية) ق بردون.

  • أيضا فى قصيدة (أحضان الحبايب) يقوم بتوظيف العنوان المستمد من أغنية (حليم) ، ليجعل من (حضن الحبيبة / حضنا للأحزان)، تلك الأحزان التى تتجسد أكثر من مرة فى (فنجان القهوة) الذى يتجلى فى قصائد أخرى من الديوان، حيث يضع الشاعر مرارة أيامه وهمومه فى الفنجان، وربما يضع كل ما سبق، كالاستماع للأغنية، وصورة المطرب فى الفليم المعروض، و قد رمى بنفسه فى حضن الحبايب / الذى أسلمه لأحضان متخمة بالشوك والأحزان.

  • ثمة طرح مميز أيض لقصائد الديوان، يعتمد فيه الشاعر باستمرار على جملة (محركة) وهى بمثابة الجملة المفتاحية أيضا التى ترشق سهماً فى عالمه، فينساب منه الشعر، قد نراها مفردة واحدة، كما فى قصيدة (نور خفيف) وهى عبارة عن مفردات فى بدء المقاطع تكون قادرة على إستثارة روح الشاعر/ المخاطب فى (شايف ، سامع، حاسس، عارف، خايف) ونلحظ كيف جعل الشاعر من مفردات الحواس الثلاث (شايف، سامع، حاسس) والتى بطبيعتها وصلت بنا لمرحلة الوعى، فى (عارف) ليتولد بعدها السؤال المدهش، لماذا أوصلتْ هذه الحواس، وتلك المعارف إلى الخوف ( خايف / أول ما تصحى الكهربا تسأل علينا/ ... خليك بعيد) ونرى تحول الخطاب الشعرى من صيفة المخاطب المفرد/ أنت ، إلى الجمع، تسأل (علينا) بالاضافة لاستكمال (الكهربا) كأيقونة رمزية ذات دلالة رمزية تستدعى إلى المخيلة صورا مرعبة عن التعذيب والقهر، فى ثنايا الديوان.. كل ما سبق يجعل من (المفردة) المحفزة لولادة القصيدة فى ذاتها، مفردة محملة بدلالة تستوحى حقلها الثقافى القادمة منه.. مفردة مثل (معناها) فى قصيدة (أسعى ....وما يحصلش) وإنعدام تحقق النتائج بعدما قام الشاعر بعرض وتقديم المقدمات المناسبة، فهذا يحتاج إلى إيضاح ويتجسد فى (مفردة معناها) ( معناها .../ كونك غير كونهم ) , ( معناها إننا أكون مشغولة بنهايتها/ خبطت بعض فى غفلة / ومجلهاش فرصة تقول ... / لا مؤاخذة) تلك الصورة نموذج للصورة الشعرية التى تتسم بالبساطة والعمق، والتجديد، على مستوى الطرح البلاغى والدلالى.

  • وفى قصيدة (سرى جدا) يعتمد الشاعر على تبادل الحكايات والقول فى (قال لى ، قلت له ، حكى لى ...) وهكذا تتمكن مفردات بعينها من القيام بتفجير العالم الشاعر وتشكيل وكتابة القصيدة.

  • ـ وقد تكون عبارة مكونة من مفردتين مثل (مش شرط) فى قصيدة (بردون)، ويعتمد الشاعر على التكرار للعبارة الأيقونية، لأن القصيدة لن تتبدى إلا من ثناياها.

  • ـ وقد تأتى جملة كما فى قصيدة ( نتقابل فى أقرب حلم) وتكرار جملة (ما لحقتش أتحول)
  • الذات الشاعرة طوال الوقت تبحث عن التوصل إلى درجة ما، من درجات الإنسجام، أو البحث عن طريقة ما، لخلق علاقة، ولو على مستوى التخييل، للوصول للتعايش السلمى مع واقع يتسم بالتحولات السريعة، والتقلبات المزاجية، والقسوة، خاصة فى الموجة الثانية المعنونة بـ (دنيا)

  • أما فى (الموجة الثالثة) أو القسم الثالث والأخير من الديوان، فالشاعر يتوقف أمام حكاياته الحميمية الخاصة، كمن يذهب إلى مستودع النور والألفة، بحثا عن الحياة فى عوالمه مضيئة، وخيالاته المتوثبة، وأطروحاته الحداثية على مستوى التشكيل الجمالى للصورة؛ فنلاحظ العناوين: (ماشى ، مش فاكر ، الواحد صعبان ع الواحد ، أنا المهرج ، وصفة لكتم الضحك ، محاولة أخيرة ، على مهلك ، أنا رب نفسى ، سبحانك ، حفيدى السابع ، سرى جدا ، و حاجات هاخدها معايا) .. ما بين ( قصيدة ماشى) فى بدء الموجة ومتعة الملاحظة والحكى، وصولا للقصيدة الأخيرة المعبرة دلاليا من خلال عنوانها (حاجات هاخدها معايا) نلاحظ تواجد مسافة، تتولد خلالها الحكايات بحميمية، وبسرد مفعم بالحب والانكسار.


ـ وإذا كانت الموجة الأخيرة معنية بسرد مقاطع من حكايات إنسانية دافئة، فالموجة الثانية من الديوان جمعت مشاهد، وعرجت على أماكن، فى هذه الدنيا التى جعلت من مفردة (دنيا) عنوانا لها .نلحظ من خلال تأمل العناوين فقط، بأن الشاعر يستوحى من عنصر المكان، أمكنة ذات وجود خاص ودلالى فى تشكيل وعيه، والتأثير على عالم الذات، وهى: (3 شارع سعيد، صاحب محل الخردوات ، مكوجى الحياة ، مدرسة الجمهورية المشتركة ، جنة الفواكه، فى المراجيح ، سينما مصر ، وف عتمة الحى الجديد) وبالطبع يفتتح الشاعر تلك الموجة بقصيدة تحمل عنوان (كانوا) هذا لأن الذاكرة هى الحصن الأثير الذى يحافظ على كيان الانسان، وطالما نمتلك ذاكرة للأماكن، ولنا فيها حكايات تخصنا، فمن المؤكد أن التعايش المفترض، أمر مقبول، ويمكن تحقيقه، والشاعر طوال الديوان يعبر عن ذاته، ورؤاه، عبر مشاعر غير المبالغ فيها، بل هى مشاعر، ورؤى مركزة جدا، يغلفها الوعى الدلالى العميق حول علاقة (الذات بالعالم) كما يقول جورج لوكاتش.
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • هامش
  • مدحت منير ـ كأنى الساكن الأصلى ـ شعر ـ ديوان بالعامية المصرية ـ مطبوعات هيئة قصور الثقافة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى