أ. د. عادل الأسطة - فوزي البكري (1ـــ4)

1- القدس في شعر صعلوكها: فوزي البكري

هناك أسئلة عديدة يثيرها الدارس لصورة القدس في الأدب العربي، وكنت في كتابتي عن الشاعر المصري أمل دنقل أثرت سؤال الموقع/ الصورة ـ أي الكتابة عن القدس في أدبيات من أقاموا فيها أو زاروها، والكتابة عنها في أدبيات من لم يزوروها. وهذا سؤال قديم ـ جديد، يتجدد كلما قرأت نصّاً شعرياً أو قصصياً أو روائياً، وغالباً ما ألجأ إلى المقارنة والربط بين النصوص. هناك سؤال آخر مهم يثير نفسه أيضاً، حين يقرأ المرء أجناساً أدبية مختلفة أتى أصحابها على المدينة، وهو: في أي الأجناس الأدبية تحضر صورة القدس أكثر وأعمّ وأشمل؟ وليس هناك أدنى شك في أنها تحضر أكثر في النثر، في القصة القصيرة وفي الرواية، ومن قبل في أدب الرحلات أو في كتب السير الذاتية المتأخرة.
في الشعر قد تبرز للقدس صورة مكثفة وموجزة، ولا أعرف مطولة شعرية خصصت للقدس، فأظهرت عادات سكانها وتقاليدهم وأفراحهم وأتراحهم والعلاقات الاجتماعية بينهم، بل وأظهرت صوراً عديدة للأنا القومية أو الدينية وعلاقتها بمرايا الآخرين المختلفين قومياً ودنياً، بل وطائفياً. هذا تبرزه الروايات التي أخذت تكتب مؤخراً، مثل رواية عارف الحسيني «كافر سبت» ورواية ليلى الأطرش «ترانيم الغواية»، الروايات التي كتبها من يعرف المدينة وزارها وعاش فيها، وربما تعد رواية «كافر سبت» النموذج الأكثر إقناعاً حتى الآن. ولي، لاحقاً، عودة إلى هذا الموضوع، وقد درسه محمد الطحل في رسالة الماجستير «رواية القدس في القرن الحادي والعشرين» التي أجيزت في جامعة النجاح الوطنية.
هل أبرز الشعر العربي والفلسطيني للقدس صورة شاملة مقنعة؟ وهل كتبت مطولات تتمكن من إعطاء صورة واسعة متعددة الجوانب؟
للأسف فإن أكثر ما كتب عن القدس كان قصائد ومقطوعات قصيرة، لا تستوعب تلك الحياة العريضة في مدينة فيها من التنوع ما فيها، وفيها من الثراء ما فيها، مدينة يعجها السواح من جميع أنحاء العالم، ويختلط فيها الحابل بالنابل، مدينة تعددت أسماؤها وتعدد حكامها و.. و.. .
هكذا تذكر القدس في هذه القصائد: أماكن عبادة أو صورة شعرية جميلة لمكان مقدس، أو اقتباس من كتاب مقدس ورد ذكرها فيه. القدس من ذهب، والقدس زهرة المدائن، والقدس يوم المحشر ومكانه، وهي أخت مكة، وعاصمة الملك داود، وهي درب الآلام. و.. و.. لتنسني يميني إذا نسيتك يا أورشليم، أو يا قدس.
هل أبرز الشعر صورة للحياة الاجتماعية في المدينة؟ هل كتب عن صور الفتيات المقدسيات؟ وهل قارنهن بالسائحات الأوروبيات؟ وهل صوّر
علاقة مسلم بشابة مسيحية أو بسائحة أجنبية وهل أتى على حارات المدينة؟ وعلى إشكالات التعايش؟
ولو بحثنا عن إجابات للأسئلة المثارة في أشعار محمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب وأمل دنقل وعبد اللطيف عقل وأحمد دحبور وعز الدين المناصرة، فهل ستجدها؟
ربما لامس الموضوعات السابقة شعراء قليلون، وربما أتى هؤلاء على التنوع السكاني، والتقلبات السياسية التي تعرضت لها المدينة. ربما!! قد نجد بعض قصائد مثل قصيدة إسكندر الخوري البيتجالي، وبعض قصائد فوزي البكري، وقصيدة تميم البرغوثي في القدس، وأما بقية الشعراء فبالكاد نقرأ سطوراً أو أبياتاً تقارب تلك الأسئلة.
في كتابه «القدس في الأدب العربي الحديث، في فلسطين والأردن» أورد د.عبد الله الخباص مقطعاً للشاعر اسكندر الخوري البيتجالي أظهر صورة للحياة الاجتماعية في المدينة، وهو:
يتخطرن في الشوارع تيها بحلى من أساور وعقود
يتلفتن تارة بازدراء ويقهقهن تارة كالوليد
من بنات اليهود جئن إلينا من أوروبا بكل زي جديد (ص54).
ويصف إسكندر الخوري تأثير الفتيات الأوروبيات القادمات على فتيات القدس، ويحذر الأخيرات من تقليد القادمات.
في مقالي في دفاتر الأيام (8/3/2015) وعنوانه «أمل دنقل وجيل الألم: لم نر القدس» قلت: إذا أردنا أن نقرأ عن القدس فعلينا أن نعود إلى شعراء أبنائها وكتّاب القصة القصيرة فيها، وذكرت عنوان ديوان الشاعر فوزي البكري «صعلوك من القدس القديمة» (1982)، وفي هذا الديوان تقرأ عن القدس ما لا نقرؤه في أشعار شعراء كثيرين ممن فاقوا هذا الشاعر شهرة وانتشاراً، وربما هنا يثير المرء سؤالاً: لماذا؟ ولماذا لم تحقق أشعاره الشهرة التي حققتها أشعار غيره ممن لامسوا موضوع القدس ملامسة بسطر شعري أو بقصيدة أو بقصائد قليلة؟ أيعود الأمر إلى جماليات قصائده أم إلى طبيعة شخصية الشاعر؟ وقد يفكر المرء في الأمر، ولكني هنا معني بصورة القدس في قصائده.
فوزي البكري مواطن مقدسي، اختار أن يعيش صعلوكاً، وقد أعلن عن هذا جهراً، في عنوان ديوانه وفي مضمون قصائده. إنه ابن البلدة القديمة، ويقر بأنه صعلوك منها، وهو يختلف عن المربي اسحق موسى الحسيني، وحين كتب الأخير عن القدس بعض قصائد كتب كتابة مختلفة كلياً عن كتابة البكري. لقد كتب عن مكانة المدينة دينياً وعن علاقته بها روحيا، ولم يكتب عن صعاليكها وفقرائها وما يقوم به المحتل الإسرائيلي من أعمال تهويد، خلافاً للبكري الذي كتب عن هذه كلها. ومع أن البكري متأثر تأثراً واضحاً بمظفر النواب، أسلوباً ونمط حياة وإعلاناً عن مخالفة السائد، وافتخاراً بشرب الخمر، إلاّ أنه لم يكتفِ، وهو يكتب عن المدينة، بسطر واحد عنها، فلقد خصص لها قصائد عديدة.
في قصيدته «هل يسقط بيت المقدس؟» (ص20) يبين مكانة القدس، ويأتي على ما تقوم به الجهات المحتلة من حفر، ويخاطب الأمويين الذين بنوا الصخرة، كما يخاطب رموزاً عربية قديمة، ويذكر بأن ما يلم بالصخرة شبيه بما ألم بالكعبة زمن أبرهة الأشرم «للبيت رب يحميه»، ويخاطب الكعبة شارحاً ما يلم بشقيقتها القدس الثكلى، ويهجو الشاعر العربي المعاصرين الذين هوجموا في عقر دارهم ولم يحركوا ساكناً، ويصف حالة أهل القدس الذين يتألمون ويعانون من الفقر والجوع، ثم يدين العرب والمسلمين إن سقط بيت المقدس. (هنا نتذكر مظفر النواب).
ما ورد في القصيدة السابقة ربما لم يشذّ عما قرأناه في قصائد قيلت زمن الصليبيين/ الفرنجة، وفي قصائد لاحقة، ولا يختلف الأمر في قصيدة «على أطلال المدينة». لا تروق أحوال القدس للشاعر، وهو يبكي ويغضب، لكن غضبته خرساء، ثم يبين مكانة القدس: هي وحي بصدر الكون وهي ثدي الفضيلة، ولكن أمجادها الآن ذليلة، وهي: تعيش على أفيون التراث وتحتسي خمر البطولة، وتقتات على الجماجم، ولهذا يطلب الشاعر منها أن تحرق التاريخ.
القدس أخت المآسي وهي معفرة الجديلة، ولأنها تحت الاحتلال فإن العسل فيها يتحول إلى دمع وتغدو الأنسام عابسة ثقيلة، وتبتعد عن المدينة أسراب السنونو.
ما يختلف في أشعار البكري، وهو يكتب عن القدس، قصيدته في «الحي الحزين». هنا يكتب عن لجوئه إلى الخمر والطعام ويفصح عن سبب هذا: حتى يجلي الصدأ عن مخه، فالهموم الكثيرة في المدينة حاولت تصيده على الرغم من أنه ما زال شاباً، ولهذا أخذ، مثل أبي نواس، يداوي الهموم بالخمر، طارداً الأولى، فالخمر تكسر الأفخاخ التي حاولت صيده. ويأتي في القصيدة على من يلومونه على سلوكه بأنه بهذا سيهدم المدينة، ويرد عليهم، كما ردّ أبو نواس على النظام، قائلاً: إن من يهدم الحي الحزين ليس عربدة الشاعر ولجوؤه إلى الخمر، وإنما من سيهدمه هو الاحتلال الإسرائيلي: معاول المعراخ. (ص104)
لن يهدم الحي الحزين تطوحي وترنحي وتعربدي وصراخي
سيظل بنيان المدينة قائماً ما لم تنله معاول المعراخ.
وفي قصائد البكري نقرأ عن مقدسيين صعاليك، لا عن مقدسيين مقاومين فقط، و.. و.. و..

***

2- بنيان المدينة: القدس

(1--3) لفوزي البكري أبن مدينة القدس ديوان شعري عنوانه «صعلوك من القدس القديمة» كتب فيه قصائد عن القدس وعلاقته بها في سبعينيات القرن العشرين.

كان البكري شاباً في تلك الأيام وكانت أجواء المدينة في حينه أجواء انفتاح.

تغيرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانفتح الفلسطينيون على أسواق العمل الإسرائيلي والبضائع الإسرائيلية ومال قسم من الشباب إلى حياة اللهو والعبث. أقام قسم من الشباب علاقات مع شابات يهوديات -وإن كان اللقاء عابراً- وسهر قسم آخر في فنادق المدينة وباراتها، وكان الشاعر ميالاً إلى تعاطي الخمر.

ولم يرق سلوكه وسلوك الشباب الفلسطيني الذي أقام علاقات مع شابات إسرائيليات للمحافظين من أبناء المدينة، ما دفعهم لأن يروا في سلوك هؤلاء وهؤلاء السبب في ضياع القدس الذي قد يؤدي لتهويدها.

سيرد الشاعر على من وجه له الاتهام بقصيدة يقول فيها:

لن يهدم الحي الحزين تطوحي/
وترنحي وتعربدي وصراخي/
سيظل بنيان المدينة قائماً/
ما لم تنله معاول المعراخ.

كما لو أن الشاعر كان ذا رؤية ثاقبة حقاً، وهو بذلك يختلف عن الشاعر اسكندر الخوري البيتجالي الذي كتب في في بدايات القرن العشرين قصائد يحذر فيها فتيات المدينة من التشبه في ملابسهن وشعرهن بالفتيات اليهوديات القادمات حديثا -في حينه- من أوروبا.

ثمة وجهتا نظر مختلفتان تعزوان ما آلت إليه القدس أو ما قد تؤول إليه، وهما وجهتا نظر ستظهران في الأدب الفلسطيني بين فترة وأخرى.

في السنوات الأخيرة كتب محمود شقير عن القدس العديد من النصوص ومما لاحظه أن المدينة التي كانت مصدر إشعاع وتمدين للريف أخذت تتريف -يعني أن تتحول إلى قرية لا مسرح فيها ولا سينما ولا صحافة ولا حركة نقابية نشطة. قرية تصحو مبكراً وتنام مبكراً، وأحزنه هذا التحول.

عزا شقير الأمر إلى الاحتلال الإسرائيلي الذي أخذ يضيق على القدس من أجل تهويدها وهو ما يلاحظه كل من يزور القدس.

لا فرق كبيراً بين ما يذهب إليه البكري وشقير في تبيان السبب وعزو مآل القدس وضياعها إليه، بخلاف ما يذهب إليه البيتجالي. وجهة نظر البيتجالي وجهة نظر يتبانها آخرون غيره فيما يخص القدس أو الصراع العربي- الإسرائيلي.

قبل 1948 كتب برهان الدين العبوشي مسرحية شعرية عنوانها «وطن الشهيد» وكتب لها مقدمة أفصح فيها عن تخوفه من الهجرات اليهودية، فقد تؤثّر أخلاق القادمين من أوروبا على الأخلاق الريفية العربية الأصيلة.

كما لو أن الصراع هو صراع بين عالمين: شرقي محافظ وغربي منفتح، وإذا كان القادمون أثّروا على أخلاق أهل المدينة فإن الريف ما زال بعيداً عن التأثر. كان العبوشي من جنين، وجنين في ذلك الوقت أقرب إلى القرية منها إلى المدينة.

لم يختلف القاص توفيق فياض، وهو من أصول ريفية، عن العبوشي كثيراً.

في 1977 أصدر فياض مجموعة قصصية عنوانها «البهلول» تتكون من ثلاث قصص منها قصة عن القدس هي “أبو جابر الخليلي” وبطلها أبو جابر من أصول خليلية سكن في القدس.

ليس من الضروري أن تتطابق رؤية المؤلف فياض مع رؤية أبي جابر ولكن روح القصة تذكّرنا بمقدمة العبوشي لمسرحيته والمقدمة تعبر عن رؤية العبوشي نفسه. بطل القصة أبو جابر إنسان تقليدي محافظ على الأخلاق ونتيجة لهذا يدفع في حياته ثمناً غاليا.

كان أبو جابر قبل 1967 يعمل في مخفر شرطة أردني ولاحظ أن الضابط يريد استغلال امرأة جنسياً. ولم يرق له هذا فتدخل وكان أن عوقب وسجن بحجة أنه ينتمي إلى ”القوميين العرب” وسيفتح له ملف يعاد إليه في زمن الاحتلال الإسرائيلي ليزج به في السجن بحجة أنه قومي عربي.

اضطر أبو جابر أن يعمل حارساً ليلياً في بلدية القدس وفي أثناء تجواله في الشوارع وفي أثناء جلوسه على المقهى ينتظر وقت عمله يرى ما لا يروق له: فتيان وفتيات ملابسهم توحي بأنهم عراة يعبطون بعضهم بعضاً ويدخنون الحشيش ويمزحون معه -مع أبي جابر- وكل هذا لا يروق له طبعاً.

أبو جابر لا يكتفي بالتذمر. إنه يقرر المقاومة متى يخلّص للمدينة مما آلت إليه.

لو كان الاحتلال الإسرائيلي بالدراسات وحسب لهان الأمر، أما أن يحتلوا المدينة بالحشيش والمخدرات والدعارة فهذا ما لم يستطع احتماله، وهو هنا مثل أبو بلطة بطل قصص خليل السواحري “مقهور الباشورة“.

في رصد أسباب خوف سكان المدينة عليها ما يشير إلى اختلاف في وجهات النظر وإن مات لدى الطرفين كل هو مشترك: ضياع المدينة.

تريّف أبناء المدينة وأصبحت الحياة الثقافية والاجتماعية -وأيضاً الاقتصادية- فيها فقيرة، والإسرائيليون يعملون بجد واجتهاد لتهويد القدس؛ تهويدها بجعل الأكثرية من سكانها يهوداً، وتهويدها بشراء العقارات فيها وإقامة المعابد اليهودية ونحن ما زلنا نصرخ “القدس عروس عروبتنا”

وربما نواسي أنفسنا بقصيدة تميم وبسطريها الدالين: “في القدس من في القدس إلا أنت” و”في القدس من في القدس، لكني لا أرى في القدس إلا أنت“.

منذ 1967 والقدس تحضر. وستظل تحضر وسيظل بنيان المدينة قائماً.

***

3- فوزي البكري ومصطفى وهبي التل ( عرار ) :

يخيل إلي أن أقرب شاعرين لفوزي البكري هما مصطفى وهبي التل ( عرار ) الأردني ومظفر النواب العراقي ، وقد نضيف إليهما شاعر فلسطيني في جانب من حياته السرية وقصائده غير المطبوعة في ديوانه وهو إبراهيم طوقان .
ولا يخفى على قاريء أشعار فوزي ملاحظة حضور أشعار الثلاثة في شعره .
كتبت عن تأثر فوزي بالنواب في كتابي " الصوت والصدى : مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة "( ١٩٩٩) ، وأبنت جوانب منه على غير صعيد ؛ صعيد المضمون حيث هجاء الحاكم العربي ، وصعيد الأسلوب حيث لم يبخل الشاعران في استخدام ألفاظ بذيئة في شعرهما .
ولم أكتب عن تأثر فوزي بعرار ، وهو تأثر واضح جدا لمن قرأ الأخير الذي كانت قصائده مقررة علينا في المنهاج المدرسي في سبعينيات القرن العشرين ، فمن منا لا يحفظ قصيدته " بين الخرابيش " ؟
بين الخرابيش لا عبد ولا أمة
ولا أرقاء في أزياء أحرار
بين الخرابيش لا حرص ولا طمع
ولا احتراب على فلس ودينار
الكل زط مساواة محققة
تنفي الفوارق بين الجار والجار
ولا يخفى على متابع حياة الشاعرين ميلهما إلى معاقرة " اللي ما بتتسماش " .
لفوزي قصيدة عنوانها " موال في عشية عرارية " يقول فيها :
أقسمت بالله والناسوت والجان
ألا سكرت بخمارات عمان
حمراء تسحقني شربا واسحقها
كأننا في مجال الحرب ندان
أم الكبائر صغرى في زجاجتها
لكنها في سماء الرأس نجمان
نجم يضيء لمسرور مسالكه
ومطفأ لأخي أحزانه الثاني
نهفو إليها ونشكو من عواقيها
كالنار دفئا وحرقا فهي ضدان
هل تأثر فوزي في هذا الجانب برباعيات مظفر النواب ، فلمظفر رباعيات لا تقل جمالا وروعة عن رباعيات الخيام ؟
أين يبدو الشبه بين فوزي وطوقان ؟
ربما في قصائد طوقان الهجائية القاسية الهجاء التي لم تظهر في دواوينه المطبوعة وظلت تتداول سرا ، ولفوزي أشرطة من قاع الدست أيضا ظلت تتداول بين فئة من الغاضبين مثله .
كانت تربطني بفوزي علاقة ود ، وكلما التقينا معا تحدثنا بلطف . مرة غضب مني غضبة مضرية ، بخاصة بعد أن قرأ ما كتبته عن تأثره بمظفر النواب ، فكتب إلي يطلب مني ألا أكتب عنه وإلا فإنه سيهجوني بلسانه السليط .
في حزيران ٢٠٢٣ زرت القدس بصحبة زياد خداش وعرض علي أن نزور معا فوزي في بيته ولم أمانع ولم أتردد ، ولكن فوزي ، لسوء حالته الصحية ، اعتذر .
لم افاجأ أول أمس حين قرأت منشور عادل سمارة في وداع فوزي ، فمع أنهما صديقان حميمان الا أن المرحوم غضب مرة من عادل فهجاه . والهجاء بأقسى أشكاله ظهر في قصائد فوزي بالعامية ، وإن لم يخل منه شعره الفصيح كما في هجائه الشاعرة فدوى طوقان في سبعينيات القرن العشرين .
خربشات ١٦ / ١٠ / ٢٠٢٥

***

4- فوزي البكري وفدوى طوقان وعبد الرحيم محمود :

في كتابي " تأملات في المشهد الثقافي الفلسطيني ١٩٩٥ أتيت على ظاهرة التواصل بين الأدباء الفلسطينيين ، ومما كتبته :
" ونلحظ هذا بوضوح في ديوان فوزي البكري " صعلوك من القدس القديمة " ١٩٨٢ .
يعجب فوزي بالشاعر إبراهيم طوقان وشعره فينظم قصيدة يهديها إلى روحه ، ولا يعجب في المقابل بقصيدة فدوى طوقان أمنية جارحة التي ثبتتها في ديوانها " على قمة الدنيا وحيدا " ط٢ في ١٩٨٢ ، لأنها تقول فيها :
أواه أواه يا فيتنام
آه لو مليون محارب
من أبطالك
قذفتهم ريح شرقية
فوق الصحراء العربية
لفرشت نمارق
ووهبتهموا مليون ولود قحطانية "
فيكتب ردا عليها في قصيدة ساخرة تحت عنوان " شريط على الهدية " يقول فيها :
رجال فيتنام لديهم نساء
يعين القضية
يضمدن فيها جروح الرجاء
يعشن انتماء يمتن انتماء
ويرضعن أطفالهن انتماء
ولا يرتدين ثيابا حرير
ولا يغتسلن بماء العطور
ليسقط ثائر
ويهتك عرض القصائد شاعر "
ويقف ، عندما هدد الأمير فهد بمهاجمة إسرائيل ، عند قصيدة عبد الرحيم محمود التي قالها يوم زار الأمير سعود فلسطين ومنها :
المسجد الأقصى أجئت تزوره
أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
ليقول :
إنا لنفتقد فيكم الأمل الذي
كنا نؤمله ، فمن ذا يصنعه ؟
خربشات ١٧ / ١٠ / ٢٠٢٥

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى