د. رسول عدنان - إقصاء المؤلف في رؤية جاك دريدا!

كيف تحوّل علم العلامات أو ما يعرف بالسيميولوجيا الى علم القارئ؟ أو ذلك العلم الذي يعمل على إقصاء المؤلف و إحلال القارئ بدلا عنه؟ لتكون لهذا القارئ اليد العليا في عملية إنتاج النص، وهل تغيّرت النظرة الكلاسيكيّة للسيميولوجيا باعتبارها أداة للمتعة الجمالية في القراءة؟

فبعد أن أطلق جاك دريدا صرخته المدويّة (لا شئ خارج النص) يكون قد سلّم أو أعطى السلطة المطلقة للقارئ في تأويل النص، بالمقابل تحوّل رأيه الى إقصاءٍ تام للمؤلف الذي لم يعد موجودا، أو لم يعد له دور حقيقي في عملية إنتاج النص، فدوره قد انتهى بإنتاجه لنصّه، إذن فلسفة رولان بارث موت المؤلف تحوّلت إلى فلسفة النص و كلاهما يلتقيان في فلسفة القارئ، حسناً في ظل هذه الجدلّيات التي قادت النقد الى عوالم جديدة إبتعدت به تماما عن مدارس اللسانيين و الشكلانيين، حيث وضعتْ دعوة بارث و دريدا الأدب أمام مفترق جديد و مغاير تماما، و كان لا بدّ ان يكون لهذا المفترق معارضون، فكلُّ حركةٍ جديدة ستكون لها معارضون، لكن لماذا سلّم دريدا بفلسفة النص؟ و لماذا أعطى للقارئ كل الحقّ في تفسير النص؟ هذان السؤالان سوف يكوّنان المدار الذي يدور بهما هذا المقال، أمّا بالنسبة لمفهوم إقصاء المؤلف فقد وقفنا عنده والأسباب التي دعت إليه، و أمّا فلسفة النص فهي دعوة الى قراءة النص بعيدا عن كل المؤثرات التي لها علاقة بصاحبه، بمعنى الانفراد او الإكتفاء بالنص في عمليّة التأويل ويكون فارس هذا التأويل والاستنباط هو القارئ وحده، مكتفيا بالعلامات و الإشارات التي يرسلها النص بدون اي تفسير من صاحبه، و بالتالي يتحوّل علم العلامات أو السيميولوجيا إلى علم القارئ الذي ينتج النص من خلال كل قراءة، بمعنى يحوّل النص إلى مختبر لشروط إنتاجه الجمالي، من خلال بنية هذا النص التي تتشكل من خلال إعادة القراءة، التي تعيد بناءه بشكل تأملّي باعتبار هذا النص محاكاة لعالم واقعي او متخيّل، و لعلّ فلسفة دريدا جعلت هذا النص في مدار أفقي تدركه الحواس و آخره تكوّنه المخيّله من خلال إعادة إنتاج النص بفعل القراءة المتجددة، و هكذا تحوّل القارئ الى منتج للنص من خلال إنخراطه في إعادة تركيب المعنى المستنبط الذي يمتزج بوعي و ثقافة و قدرة التخييل لدى كل قارئ، هذا اذا نجح القارئ في فكّ شيفرات النص بمقابل إن نجح النص في إقناع القارئ في جمالياته الذاتية التي سوف يعيد ترتيبها و تركيبها، بحيث يعيد إنتاجه وفق هذه الرؤية الجديدة و هذا المخيال المبتكر، او من خلال إعادة إنتاج الوحدات المتخيّلة للنص او إعادة تركيبها وفقا لفكرة كل قراءة او لرؤية كل قارئ، و هكذا يتحوّل النص إلى كونٍ متخيّلٍ يعاد تركيبه وفق الإشارات التي يرسلها هذا النص مع كل قراءة جديدة، و وفقا لهذه العادلة يتكوّن النص من عدّة شيفرات :

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى