يُقرَأ العنوان في تاريخه. وتاريخه يتمثل في سلسلة انعطافاته الكبرى. في مقدار خروجه على النص الذي يُرفَق به. تاريخ فردانيته بامتياز. أي ما يجعل له مقاماً وقياماً يتوسلان معاني تترى من خلال تركيبته.
من بداهة القول، الإشارة إلى اللاعنوان في التاريخ، في مدد زمني طويل" أعمال شعرية، تعرَف بالدواوين ، مخطوطات لا عناوين لها، عناوين مدمج بنصوصها ...إلخ" ليشهد العصر الحديث والمعاصر انفجاراً في العناوين جهة الدلالة القارّة طيَّ كل منها. العنوان قد يشغل قارئه، ويبلبل عليه أفكاره، وتنوّع أسئلته، لحظة مكاشفة الفاصلة بينه وبين ما يُسمّيه نصه" رواية، شعر، مسرح، قصة، فيلم، كتاب فكري، وفلسفي...إلخ " وما يُعهَد به إليه في بنيته، وهو بمفهومه المركَّب، وما يثيره ويستثيره -كذلك- من تساؤلات حول مغزاه، ومحاولة ضبط إيقاع سرعته وتلونه في النص المرتبط به .
هنا، أتحدث عن " قلق العنوان " هذا الذي نشهده منذ قرن ونيّف، عن تجاوزاته، أو خروقاته المعتبَرة للمألوف، إلى درجة ظهور نوع من " الصرْع الزلزالي" في التعبير والإرباك، ومنح المتخيل صلاحية النظر إلى درجة اللاتناهي في المقروء تفسيراً وتأويلاً . قلق العنوان علامة صحته، أو حيويته، أو دمغة قابليته للقراءة والإمتاع مع نصه.
ثمة " إقلاق العنوان "، أي ما يخضع العنوان لذائقة قارىء يحصِر العنوان فيما يتبين له أكثر مما يمكن تحرّيه في متن العنوان هذا.
وإذا كان هناك استحالة في الفصل بين حالتيّ : القلق والإقلاق، فإن إقامة علاقة مع العنوان، واقتفاء أثر تلويناته في النص، أو تلوناته به، لا تلغي نوعاً من المرجعية العنوانية، لحساب ما هو تقويل، استجابة لرغبة توجه القارىء إشهاراً لقطيعية فاعلة ومحروسة.
عن كافكا و" برج بابله " في قصة" بنات آوى وعرب
في محاولة مقاربة كشفية لحساب العنوان بالذات، وكيفية التعامل معه ، استوقفتني قصة كافكا " 1883-1924 " ذات الصيت " بنات آوى وعرب "، والتي كتبها قبل أكثر من قرن. أثبتها بهذا العنوان، كما هو تقديري لخاصية العنوان، وما يمضي به معنىً إلى نصه" في المتن، كما يقال "، لأن هناك ما يُختلَف عليه، ويُنشغَل به من خلال طرْحه عنواناً بالصيغة هذه عربياً.
هناك العديد من النماذج ذات العلاقة، وهي تبدو على تماس مباشر بالفكرة القارة كثيراً في أذهان من ينشغلون بها، ليس لأن العنوان ذو صلة بنص أدبي" إبداعي " وإنما بنص ينضح إيديولوجيا محيطية عربياً، ومن النوع الوبائي الجمعي، ولتأتي ترجمته كثيراً، ومن دون ذكر اللغة المترجَم عنها، والنص مكتوب أساساً، كما هو معروف بـ" الألمانية " وهذا يزيد طين العلاقة الترجمية بلة وعلة، إن جاز التعبير، حيث يسهل تبيّن أن وراء هذا الانهمام بالقصة هذه، والإقبال على ترجمتها، أبعد من كونها تستحق الاهتمام من الزاوية الأدبية" الإبداعية " بقدر ما تجلو العلاقة هذه ما هو طقوسي إيديولوجي، بأكثر من معنى بالمقابل، وما في ذلك من تبئيس لمفهوم القصة، وبؤس للمقبل على ترجمتها هنا وهناك.
أكتفي بالقليل من العبارات الدالة على النص" في المطلع والمختتم "، بعد التذكير بنماذج " عنوانية " ومحفّزها الترجمي من جهة القيمة:
من " موقع الأنطولوجيا " تَمثُل خمسة نماذج هنا:
بنات آوى وعرب.. قصة - ترجمها من الإنجليزية: أحمد المعيني، 4 تموز 2018
كنا ذات يومٍ في رحلة قصيرة، وفي وسط ارتحالنا ضربنا خيامنا في الواحة. وبينما كان رفقائي نائمين إذ مرّ بي عربيٌ طويل القامة أبيض الثياب يقود نوقه متجهًا إلى منامته.
وفي النهاية،نسمع كلام قائد القافلة:
"أنت محق يا سيدي. سنتركهم لما هم فيه منشغلون. وقد حان الوقت للرحيل. أنت رأيتهم بنفسك. مخلوقاتٌ رائعة، أليس كذلك؟ يا إلهي كم يكرهوننا!".
***
بنات آوى وعرب.. ترجمة: الدكتور صديق، موقع الانطولوجيا، 4 تموز، 2018
كنا نرقد في الواحة. وكان الرفاق نياماً. عربيّ، فارع القامة، أشيب، مرّ بي؛ كان ذاهباً إلى المرقد بعد أن أطعم الإبل.
في النهاية، يقول قائد القافلة:
"أنت على صواب، أيها السيد"، قال، "إننا ندعها لدى مهنتها؛ كما إن وقت الرحيل قد أزفّ. لقد رأيتها. حيوانات رائعة، أليس كذلك؟ وكم تكرهنا!"
***
بنات آوى وعرب.. قصة - ترجمة: كامل يوسف حسين، موقع الأنطولوجيا، 4 تموز 2018 .
كنا قد ضربنا خيامنا في الواحة، وقد غفا رفاقي.
مرَّ بي القوام الأبيض الشامخ لرجلٍ عربي، كان يتفقَّد الإبل، ويمضي في طريقه إلى مرقده.
في النهاية، يقول قائد القافلة:
إنك على حق أيها السيد، لسوف نتركهن عاكفات على عملهن، إضافة إلى هذا فقد حان وقت الرحيل.طيب.لقد رأيتهن، إنهن مخلوقات عجيبة.ألسن كذلك؟ولشد ما يمقتننا!
***
أبناء آوى وعرب.. ترجمة: أ. د. عادل الأسطة، موقع الأنطولوجيا-15 نيسان 2022، الأدب العبري وحصر العنوان في نطاق (اعرف عدوك) ؟
لقد عسكرنا في الواحة. نام الزملاء. ثمة عربي ، طويل وأبيض ، مرّ بي لقد أمن الجمال وذهب إلى مكان النوم.
ويصبح الزعيم للقافلة القائدَ، وفي السطر الأخير وهو يقول للسائح الأوربي:
"معك الحق أيها السيد" قال: "إننا نتركهم ومهنتهم ، وسينفجر الوقت ، هل رأيتهم . حيوانات عجيبة ، أليس هذا حقاً؟ وكيف يكرهوننا!".
***
بنات آوى وعرب.. قصة قصيرة – ترجمة: هيبتن الحيرش، موقع الأنطولوجيا، 25 أيار ، 2026
ضربنا خيامَنا في الواحة. رفاقُ السفرِ قد أخذهم الوسنُ. مَر بالقرب مني عربي عظيمُ الجِرم يلبس ثوبا أبيضَ، قد حملَ إلى الإبل علوفتَها وعادَ إلى مَضجعه.
في النهاية، يأتي صوت الدليل:
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْهن وشأنهن. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَهن لنا !
***
ومن منابر أخرى:
وليد يوسف: بنات آوى والعرب، 20 شباط 2022
كنا نضرب خيامنا في الواحة. وغطّ رفاقي بنوم عميق. مر من جانبي عربي طويل القامة مرتدياً اللون الأبيض ويرعى جماله، كان بطريقه إلى مكان نومه.
وفي النهاية ، وبلسان قائد القافلة:
“سيدي، أنت على حق، سوف ندعهم وشأنهم. بالإضافة إلى أنه حان وقت الخروج من المكان. ها أنت قد رأيتهم. إنهم مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ فلماذا يكرهوننا؟”
***
ابن آوى والعرب، ترجمة محمد عبدالكريم يوسف
كنا نخيم في الواحة. كان رفاقي نائمين. مر بجانبي عربي طويل القامة يرتدي لباسه الأبيض. كان يرعى جماله وكان ذاهباً إلى مكان نومه.
وفي النهاية، يتردد صوت قائد القافلة
" سيدي أنت على حق " سنتركهم وشأنهم،إضافة إلى ذلك لقد حان وقت الخروج من المعسكر. لقد رأيتهم. إنها مخلوقات رائعة، أليس كذلك؟ ورأيت كم يكرهوننا؟
***
صلاح حاتم: دراسات عن كافكا، محور: بنات آوى وعرب،جامعة الفاتح ، طرابلس
خيّمنا في الواحة ونام معشر الرفاق. مر بي عربي طويل القامة بلباسه الأبيض. كان قد زوَّد الجّمال بالعلف ومضى إلى النوم .
وفي النهاية،نقرأ على لسان قائد القافلة"
" إنك على صواب"أيها السيد. لنتركها تزاول مهنتها.كما أن الوقت حال أن نشد الرحال. ها قد رأيتها بأم عينيك، حيوانات عجيبة، أليس كذلك. وكم تكرهنا هذه الحيوانات !".
لا إشارة استفهام في " أليس كذلك؟
***
قصة بنات آوى وعرب لـ: كافكا، في : فرانتز كافكا: الأعمال القصصية الكاملة، ترجمة: د. رمضان مهلهل، دار الرافدين، بيروت، ط1، 2019.
لا ذكر للغة المترجَم عنها كثيراً، بين بنات آوى وعرب، و: العرب بنات آوى والعرب
كنا نخيّم في الواحة، وكان رفاقي نائمين. ومر بجانبنا عربي ممشوق القامة، يرتدي ثوباً أبيض، كان يهتم بالإبل، وها هو في طريقه إلى مرقده. ص396 .
وفي النهاية،نقرأ بلسان زعيم القافلة:
" أنت على حق سيدي"، قال ، سنتركها وشأنها، بالإضافة إلى ذلك، فقد حان الوقت لإنهاء المخيّم. حسناً، ها أنت رأيتها. يا لها من مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ كم تكرهنا!".ص400.
أ-ما لاحظته في صوغ العنوان هو التالي:
-طغيان عنوان " بنات آوى وعرب " على بقية العناوين، ولا يعني ذلك أن الصواب هنا، لحظة التذكير بما هو كمّي. وإنما لأن الصيغة هذه أكثر توازناً وتعبيراً لما يمكن النظر فيه.
-هناك حالتان، تخصان صيغة" بنات آوى والعرب " ولا أدري بناءً على أي تقدير ذوقي، أو جمالي، أو تناسبي جرى اعتماد هذه الصيغة؟ أبغية تمييز " العرب " بـ" أل " التعريف " عن " بنات آوى "؟ لكن الطريقة هذه تخلّ بجمالية البناء للعنوان بالذات، وليس لأن رغبة نفسية مؤثّرة مطروحة، فيُستجاب لها.
-هناك صيغة ابن آوى والعرب. يا لكارثة العنوان جهة التمثيل الدلالي للمفهوم وامتداده في النص! أم أن في ذلك تقزيماً للطرف الأول" بنات آوى " في المفرد، وتعظيماً مجانياً للآخر؟ إنه استهواء التجني على الصيغة، عند التوقف في بنية العلاقة بينهما، وحيث إن النص نفسه يخلو من مثل هذه الخاصية.
-هناك صيغة غريبة من باحث وأكاديمي وكاتب مشهود له بالقدر على انتقاء التعبير الأمثل. أعني به أ.د. عادل الأسطة.. في اعتماد" آبناء آوى وعرب " ولم يسبق لي أن قرأت تعبيراً كهذا. أم أن في الإجراء هذا رغبة في التمايز، رغم " أنف اللغة "؟ لا أجد أي تفسير يعزز مثل هذا الإجراء.
اللافت أن الأسطة نفسه كتب مقالاً ، تحت عنوان: العودة إلى (كافكا): ذاكرة الأيام، موقع الأنطولوجيا، 8 -11/ 2020، يتحدث عن كافكا وبداياته الثقافية. وقراءته له بالألمانية. ..ويقول: في تلك الأيام قرأت قصة "الذئاب والزيتون" للفلسطيني أفنان القاسم وفيها يرد على قصة (كافكا) القصيرة "أبناء آوى وعرب" - لفت نظري بعض متابعي أن ابن آوى تجمع على بنات آوى لا على أبناء آوى..وليس من تعليق هنا.
يعني ذلك أن هناك تقصّداً! أهي ررغبة لاشعورية هي الأخرى في تأكيد المغايرة، جهة التعامل مع نص أدبي" قصصي " – وللأسف الشديد، حيث يجري إدراجه في خانة" الأدب العبري: اعرف عدوك" كما نوّهت آنفاً.أي إقلاق يسببه تصريف للعنوان، وما يلي العنوان في التوصيف المؤدلج وانزلاقاته؟
ب-ما لاحظته من جهة اللغة ودلالاتها:
تلمست في العبارات التي استشهدتُ بها مفارقات كثيرة، ومؤسفة، كما لو أن ليس للغة شهادتها في التعبير عن الخلفية الثقافية للمترجم، وميزتها النحوية وصلة الدال بالمدلول . ماذا في الأمر؟
من وجهة نظري، تكون الترجمة علاقة مع الآخر، بوصفه المختلف، أعني به باعتباره الجدير بالاحترام والتعامل معه بتلك الندّية التي يريدها كما يطبّقها أحدنا لنفسه، وبدءاً من الاسم. إذ كما أشرتُ بداية، لا وجود يُذكر للغة التي تُرجِمت عنها القصة، لكي يشار إلى الاسم بالمقابل، كما في " فرانز، فرانتس، فرانتز .." المألوف أكثر هو " فرانز " وتحديد اللغة يقدّم الاسم بالصيغة العائدة إلى بنيتها وفونيتيكيتها.. نقرأ مثلاً أن : د. رمضان مهلهل، ترجم الأعمال القصصية، كما هو المذكور في الداخل عن الانكليزية. ويأتي الاسم هكذا" فرانتز " ومع أحمد المعيني يكون الوضع خلاف ذلك رغم التذكير بأنه ترجم عن الانجليزية" فرانز "..! وهذه الصيغة مألوفة لفي الألمانية كما الحال في ترجمات أعمال كافكا من قبل إبراهيم وطفي ". يا للخلط!
وهذا يمضي بنا إلى التعبير، حيث نشهد تشويهاً للكلمة جهة الدلالة.
أشير هنا إلى جملة " حيوانات " والتي وردت وصفاً" حيوانات غريبة، عجيبة، رائعة ". الفارق الدلالي والنفسي لافت. لعل الأقرب إلى المنشود هو في صفة " غريبة ". إن هذه تذكّر بالغرابة، بالغروب، بعدم الوضح، أو بما هو ليلي...إلخ، وتتوقف دلالة " عجيبة " على اللامنتظر منها، على المباغت، وما في ذلك من لفت نظر وإدهاش أحياناً. أما " رائعة " فليس فيها ما يؤهلها لتكون في المقام الموسوم، حيث الرائع بمفهومه الجمالي يبعث على الراحة، على الدهشة والتفاعل، بينما الحيوانات في النص تصدم بسلوكها الغريب، بما يحول دون التكيف معها.
وتختل العلاقة انطلاقاً من العنوان ووجوب الالتزام به، عندما ننطلق من " بنات آوى وعرب " أو " ابن آوى والعرب "، أو " أبناء آوى وعرب " حيث نكون في عهدة جمع مذكر سالم، وهذا غريب .
في السياق نفسه، نجد من يأتي في التعامل مع الحيوان هذه بصيغة جمع مؤنث سالم( لسوف نتركهن عاكفات على عملهن- لندَعْهن وشأنهن ..) كيف يمكن إدراج علاقة ذات نسب حيواني في خانة جمع مؤنث سالم؟ فثمة المعتمَد: من نوع: لندعها وشأنها، مثلاً. وهناك من لجأ إلى جمع مذكر سالم ، كما هو مقروء في النص" لندعهم، لنتركهم.. إنهم يكرهوننا .." علاقة كهذه يجب أن تشمل النص ككل.
ما يلفت النظر في وضع كهذا، هو جانب التقديم للقصة في نموذج " هيبتن الحيرش"بقوله: هذه قصة رمزية للكاتب كافكا وهو من أسرۃ يهودية ناطقة باللغة الألمانية وقد نشِرت عام 1917. تتضمن الصيغة الحالية بعض التعديلات والتنقيحات المهمة التي تجعل النص أكثر وضوحاً وسلاسة..
إنه تحريف للمعنى. وقدّ شبَه للمترجم وكأن القصة تنتمي إلى عالم الحيوانات تماماً، من نوع" كليلة ودمنة".
والأغرب في الأمر، أن المترجم " الحيرش" كان قد نشر ترجمته هذه في مدونات الجزيرة، 31 أكتوبر، 2017 :
ضربنا خيامَنا في الواحة. رفاقُ السفرِ قد أخذهم الوسنُ. مَر بالقرب مني عربي عظيمُ الجِرم يلبس ثوباً أبيضَ، قد حملَ إلى الإبل علوفتَها وعادَ إلى مَضجعه.
في النهاية:
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْها وشأنها. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَها لنا !
حيث التعبير أوفى بالدلالة.
وكأنه تنبه إلى خطأ عظيم ما كان عليه ارتكابه، لنقرأ له بعد قرابة تسع سنوات في الترجمة " الأحدث" في موقع الأنطولوجيا ":
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْهن وشأنهن. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَهن لنا !
تُرى، بناء على أي ذهنية تخيل العلاقة بين كل من الحيوانات" بنات آوى " والسائح الأوربي، وقائد القافلة العربي، جهة التأنيث في " رفْع المقدار"؟
أرى أن هناك ضعفاً في التلقي ، ينبني على الاستخفاف بمفهوم الآخر في النص بدءاً من الكاتب، وتجسيداً لاستهواء نفسي جماعيّ مصدراً،دونما نظر في قدرة الذات ولغتها ودلالة اللغة بالنسبة إليه، فكيف بلغة الآخر؟
ربما كان صلاح حاتم هو الأكثر حضوراً بالدلالة هنا من بين ما قدمت، وأنا أعيد ما أوردته سابقاً:
" إنك على صواب"أيها السيد. لنتركها تزاول مهنتها.كما أن الوقت حال أن نشد الرحال. ها قد رأيتها بأم عينيك، حيوانات عجيبة، أليس كذلك. وكم تكرهنا هذه الحيوانات !".
رغم أن " أليس كذلك " تتطلب إشارة استفهام!
أدلجة العالم
أشدد على ما أسمّيه بـ" أدلجة " العالم عربياً: اللغة، صانع اللغة، مجتمع اللغة، امتثالاً لطغيان ما هو قطيعي هنا وهناك، حيث تغيب الفردانية، ليبقى كافكا باسمه ومسماه هناك، وليس كما يصوَّر صهيونياً أو ما يرادف ذلك. وثمة أكثر من دراسة تنير صفحة الموضوع، وأشدد على دراسة الباحث المصري عاطف بطرس
كما في مراجعة يانس هانس عنه في مقال: كافكا والعرب، صحيفة " الاتحاد" 17 أيلول، 2020
حيث يقول: دراسة عاطف بطرس عن كافكا:كاتب يهودي من منظور عربي، تطرقَ فيها إلى السجلات في مجلة: الهلال، الأقلام، المعرفة، الآداب..حول هذه القصة الخرافية المفتوحة على تفسيرات مختلفة، وسياقها المتعدد المستويات نفي علاقة كافكا بالصهيونية من خلال أمثلة.
ثثم التذكير بقول كافكا ذي الصلة بما هو إبداعي:ماذا يجمعني باليهود؟ بالكاد هناك شيء يجمعني بنفسي"!
من بداهة القول، الإشارة إلى اللاعنوان في التاريخ، في مدد زمني طويل" أعمال شعرية، تعرَف بالدواوين ، مخطوطات لا عناوين لها، عناوين مدمج بنصوصها ...إلخ" ليشهد العصر الحديث والمعاصر انفجاراً في العناوين جهة الدلالة القارّة طيَّ كل منها. العنوان قد يشغل قارئه، ويبلبل عليه أفكاره، وتنوّع أسئلته، لحظة مكاشفة الفاصلة بينه وبين ما يُسمّيه نصه" رواية، شعر، مسرح، قصة، فيلم، كتاب فكري، وفلسفي...إلخ " وما يُعهَد به إليه في بنيته، وهو بمفهومه المركَّب، وما يثيره ويستثيره -كذلك- من تساؤلات حول مغزاه، ومحاولة ضبط إيقاع سرعته وتلونه في النص المرتبط به .
هنا، أتحدث عن " قلق العنوان " هذا الذي نشهده منذ قرن ونيّف، عن تجاوزاته، أو خروقاته المعتبَرة للمألوف، إلى درجة ظهور نوع من " الصرْع الزلزالي" في التعبير والإرباك، ومنح المتخيل صلاحية النظر إلى درجة اللاتناهي في المقروء تفسيراً وتأويلاً . قلق العنوان علامة صحته، أو حيويته، أو دمغة قابليته للقراءة والإمتاع مع نصه.
ثمة " إقلاق العنوان "، أي ما يخضع العنوان لذائقة قارىء يحصِر العنوان فيما يتبين له أكثر مما يمكن تحرّيه في متن العنوان هذا.
وإذا كان هناك استحالة في الفصل بين حالتيّ : القلق والإقلاق، فإن إقامة علاقة مع العنوان، واقتفاء أثر تلويناته في النص، أو تلوناته به، لا تلغي نوعاً من المرجعية العنوانية، لحساب ما هو تقويل، استجابة لرغبة توجه القارىء إشهاراً لقطيعية فاعلة ومحروسة.
عن كافكا و" برج بابله " في قصة" بنات آوى وعرب
في محاولة مقاربة كشفية لحساب العنوان بالذات، وكيفية التعامل معه ، استوقفتني قصة كافكا " 1883-1924 " ذات الصيت " بنات آوى وعرب "، والتي كتبها قبل أكثر من قرن. أثبتها بهذا العنوان، كما هو تقديري لخاصية العنوان، وما يمضي به معنىً إلى نصه" في المتن، كما يقال "، لأن هناك ما يُختلَف عليه، ويُنشغَل به من خلال طرْحه عنواناً بالصيغة هذه عربياً.
هناك العديد من النماذج ذات العلاقة، وهي تبدو على تماس مباشر بالفكرة القارة كثيراً في أذهان من ينشغلون بها، ليس لأن العنوان ذو صلة بنص أدبي" إبداعي " وإنما بنص ينضح إيديولوجيا محيطية عربياً، ومن النوع الوبائي الجمعي، ولتأتي ترجمته كثيراً، ومن دون ذكر اللغة المترجَم عنها، والنص مكتوب أساساً، كما هو معروف بـ" الألمانية " وهذا يزيد طين العلاقة الترجمية بلة وعلة، إن جاز التعبير، حيث يسهل تبيّن أن وراء هذا الانهمام بالقصة هذه، والإقبال على ترجمتها، أبعد من كونها تستحق الاهتمام من الزاوية الأدبية" الإبداعية " بقدر ما تجلو العلاقة هذه ما هو طقوسي إيديولوجي، بأكثر من معنى بالمقابل، وما في ذلك من تبئيس لمفهوم القصة، وبؤس للمقبل على ترجمتها هنا وهناك.
أكتفي بالقليل من العبارات الدالة على النص" في المطلع والمختتم "، بعد التذكير بنماذج " عنوانية " ومحفّزها الترجمي من جهة القيمة:
من " موقع الأنطولوجيا " تَمثُل خمسة نماذج هنا:
بنات آوى وعرب.. قصة - ترجمها من الإنجليزية: أحمد المعيني، 4 تموز 2018
كنا ذات يومٍ في رحلة قصيرة، وفي وسط ارتحالنا ضربنا خيامنا في الواحة. وبينما كان رفقائي نائمين إذ مرّ بي عربيٌ طويل القامة أبيض الثياب يقود نوقه متجهًا إلى منامته.
وفي النهاية،نسمع كلام قائد القافلة:
"أنت محق يا سيدي. سنتركهم لما هم فيه منشغلون. وقد حان الوقت للرحيل. أنت رأيتهم بنفسك. مخلوقاتٌ رائعة، أليس كذلك؟ يا إلهي كم يكرهوننا!".
***
بنات آوى وعرب.. ترجمة: الدكتور صديق، موقع الانطولوجيا، 4 تموز، 2018
كنا نرقد في الواحة. وكان الرفاق نياماً. عربيّ، فارع القامة، أشيب، مرّ بي؛ كان ذاهباً إلى المرقد بعد أن أطعم الإبل.
في النهاية، يقول قائد القافلة:
"أنت على صواب، أيها السيد"، قال، "إننا ندعها لدى مهنتها؛ كما إن وقت الرحيل قد أزفّ. لقد رأيتها. حيوانات رائعة، أليس كذلك؟ وكم تكرهنا!"
***
بنات آوى وعرب.. قصة - ترجمة: كامل يوسف حسين، موقع الأنطولوجيا، 4 تموز 2018 .
كنا قد ضربنا خيامنا في الواحة، وقد غفا رفاقي.
مرَّ بي القوام الأبيض الشامخ لرجلٍ عربي، كان يتفقَّد الإبل، ويمضي في طريقه إلى مرقده.
في النهاية، يقول قائد القافلة:
إنك على حق أيها السيد، لسوف نتركهن عاكفات على عملهن، إضافة إلى هذا فقد حان وقت الرحيل.طيب.لقد رأيتهن، إنهن مخلوقات عجيبة.ألسن كذلك؟ولشد ما يمقتننا!
***
أبناء آوى وعرب.. ترجمة: أ. د. عادل الأسطة، موقع الأنطولوجيا-15 نيسان 2022، الأدب العبري وحصر العنوان في نطاق (اعرف عدوك) ؟
لقد عسكرنا في الواحة. نام الزملاء. ثمة عربي ، طويل وأبيض ، مرّ بي لقد أمن الجمال وذهب إلى مكان النوم.
ويصبح الزعيم للقافلة القائدَ، وفي السطر الأخير وهو يقول للسائح الأوربي:
"معك الحق أيها السيد" قال: "إننا نتركهم ومهنتهم ، وسينفجر الوقت ، هل رأيتهم . حيوانات عجيبة ، أليس هذا حقاً؟ وكيف يكرهوننا!".
***
بنات آوى وعرب.. قصة قصيرة – ترجمة: هيبتن الحيرش، موقع الأنطولوجيا، 25 أيار ، 2026
ضربنا خيامَنا في الواحة. رفاقُ السفرِ قد أخذهم الوسنُ. مَر بالقرب مني عربي عظيمُ الجِرم يلبس ثوبا أبيضَ، قد حملَ إلى الإبل علوفتَها وعادَ إلى مَضجعه.
في النهاية، يأتي صوت الدليل:
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْهن وشأنهن. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَهن لنا !
***
ومن منابر أخرى:
وليد يوسف: بنات آوى والعرب، 20 شباط 2022
كنا نضرب خيامنا في الواحة. وغطّ رفاقي بنوم عميق. مر من جانبي عربي طويل القامة مرتدياً اللون الأبيض ويرعى جماله، كان بطريقه إلى مكان نومه.
وفي النهاية ، وبلسان قائد القافلة:
“سيدي، أنت على حق، سوف ندعهم وشأنهم. بالإضافة إلى أنه حان وقت الخروج من المكان. ها أنت قد رأيتهم. إنهم مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ فلماذا يكرهوننا؟”
***
ابن آوى والعرب، ترجمة محمد عبدالكريم يوسف
كنا نخيم في الواحة. كان رفاقي نائمين. مر بجانبي عربي طويل القامة يرتدي لباسه الأبيض. كان يرعى جماله وكان ذاهباً إلى مكان نومه.
وفي النهاية، يتردد صوت قائد القافلة
" سيدي أنت على حق " سنتركهم وشأنهم،إضافة إلى ذلك لقد حان وقت الخروج من المعسكر. لقد رأيتهم. إنها مخلوقات رائعة، أليس كذلك؟ ورأيت كم يكرهوننا؟
***
صلاح حاتم: دراسات عن كافكا، محور: بنات آوى وعرب،جامعة الفاتح ، طرابلس
خيّمنا في الواحة ونام معشر الرفاق. مر بي عربي طويل القامة بلباسه الأبيض. كان قد زوَّد الجّمال بالعلف ومضى إلى النوم .
وفي النهاية،نقرأ على لسان قائد القافلة"
" إنك على صواب"أيها السيد. لنتركها تزاول مهنتها.كما أن الوقت حال أن نشد الرحال. ها قد رأيتها بأم عينيك، حيوانات عجيبة، أليس كذلك. وكم تكرهنا هذه الحيوانات !".
لا إشارة استفهام في " أليس كذلك؟
***
قصة بنات آوى وعرب لـ: كافكا، في : فرانتز كافكا: الأعمال القصصية الكاملة، ترجمة: د. رمضان مهلهل، دار الرافدين، بيروت، ط1، 2019.
لا ذكر للغة المترجَم عنها كثيراً، بين بنات آوى وعرب، و: العرب بنات آوى والعرب
كنا نخيّم في الواحة، وكان رفاقي نائمين. ومر بجانبنا عربي ممشوق القامة، يرتدي ثوباً أبيض، كان يهتم بالإبل، وها هو في طريقه إلى مرقده. ص396 .
وفي النهاية،نقرأ بلسان زعيم القافلة:
" أنت على حق سيدي"، قال ، سنتركها وشأنها، بالإضافة إلى ذلك، فقد حان الوقت لإنهاء المخيّم. حسناً، ها أنت رأيتها. يا لها من مخلوقات عجيبة، أليس كذلك؟ كم تكرهنا!".ص400.
أ-ما لاحظته في صوغ العنوان هو التالي:
-طغيان عنوان " بنات آوى وعرب " على بقية العناوين، ولا يعني ذلك أن الصواب هنا، لحظة التذكير بما هو كمّي. وإنما لأن الصيغة هذه أكثر توازناً وتعبيراً لما يمكن النظر فيه.
-هناك حالتان، تخصان صيغة" بنات آوى والعرب " ولا أدري بناءً على أي تقدير ذوقي، أو جمالي، أو تناسبي جرى اعتماد هذه الصيغة؟ أبغية تمييز " العرب " بـ" أل " التعريف " عن " بنات آوى "؟ لكن الطريقة هذه تخلّ بجمالية البناء للعنوان بالذات، وليس لأن رغبة نفسية مؤثّرة مطروحة، فيُستجاب لها.
-هناك صيغة ابن آوى والعرب. يا لكارثة العنوان جهة التمثيل الدلالي للمفهوم وامتداده في النص! أم أن في ذلك تقزيماً للطرف الأول" بنات آوى " في المفرد، وتعظيماً مجانياً للآخر؟ إنه استهواء التجني على الصيغة، عند التوقف في بنية العلاقة بينهما، وحيث إن النص نفسه يخلو من مثل هذه الخاصية.
-هناك صيغة غريبة من باحث وأكاديمي وكاتب مشهود له بالقدر على انتقاء التعبير الأمثل. أعني به أ.د. عادل الأسطة.. في اعتماد" آبناء آوى وعرب " ولم يسبق لي أن قرأت تعبيراً كهذا. أم أن في الإجراء هذا رغبة في التمايز، رغم " أنف اللغة "؟ لا أجد أي تفسير يعزز مثل هذا الإجراء.
اللافت أن الأسطة نفسه كتب مقالاً ، تحت عنوان: العودة إلى (كافكا): ذاكرة الأيام، موقع الأنطولوجيا، 8 -11/ 2020، يتحدث عن كافكا وبداياته الثقافية. وقراءته له بالألمانية. ..ويقول: في تلك الأيام قرأت قصة "الذئاب والزيتون" للفلسطيني أفنان القاسم وفيها يرد على قصة (كافكا) القصيرة "أبناء آوى وعرب" - لفت نظري بعض متابعي أن ابن آوى تجمع على بنات آوى لا على أبناء آوى..وليس من تعليق هنا.
يعني ذلك أن هناك تقصّداً! أهي ررغبة لاشعورية هي الأخرى في تأكيد المغايرة، جهة التعامل مع نص أدبي" قصصي " – وللأسف الشديد، حيث يجري إدراجه في خانة" الأدب العبري: اعرف عدوك" كما نوّهت آنفاً.أي إقلاق يسببه تصريف للعنوان، وما يلي العنوان في التوصيف المؤدلج وانزلاقاته؟
ب-ما لاحظته من جهة اللغة ودلالاتها:
تلمست في العبارات التي استشهدتُ بها مفارقات كثيرة، ومؤسفة، كما لو أن ليس للغة شهادتها في التعبير عن الخلفية الثقافية للمترجم، وميزتها النحوية وصلة الدال بالمدلول . ماذا في الأمر؟
من وجهة نظري، تكون الترجمة علاقة مع الآخر، بوصفه المختلف، أعني به باعتباره الجدير بالاحترام والتعامل معه بتلك الندّية التي يريدها كما يطبّقها أحدنا لنفسه، وبدءاً من الاسم. إذ كما أشرتُ بداية، لا وجود يُذكر للغة التي تُرجِمت عنها القصة، لكي يشار إلى الاسم بالمقابل، كما في " فرانز، فرانتس، فرانتز .." المألوف أكثر هو " فرانز " وتحديد اللغة يقدّم الاسم بالصيغة العائدة إلى بنيتها وفونيتيكيتها.. نقرأ مثلاً أن : د. رمضان مهلهل، ترجم الأعمال القصصية، كما هو المذكور في الداخل عن الانكليزية. ويأتي الاسم هكذا" فرانتز " ومع أحمد المعيني يكون الوضع خلاف ذلك رغم التذكير بأنه ترجم عن الانجليزية" فرانز "..! وهذه الصيغة مألوفة لفي الألمانية كما الحال في ترجمات أعمال كافكا من قبل إبراهيم وطفي ". يا للخلط!
وهذا يمضي بنا إلى التعبير، حيث نشهد تشويهاً للكلمة جهة الدلالة.
أشير هنا إلى جملة " حيوانات " والتي وردت وصفاً" حيوانات غريبة، عجيبة، رائعة ". الفارق الدلالي والنفسي لافت. لعل الأقرب إلى المنشود هو في صفة " غريبة ". إن هذه تذكّر بالغرابة، بالغروب، بعدم الوضح، أو بما هو ليلي...إلخ، وتتوقف دلالة " عجيبة " على اللامنتظر منها، على المباغت، وما في ذلك من لفت نظر وإدهاش أحياناً. أما " رائعة " فليس فيها ما يؤهلها لتكون في المقام الموسوم، حيث الرائع بمفهومه الجمالي يبعث على الراحة، على الدهشة والتفاعل، بينما الحيوانات في النص تصدم بسلوكها الغريب، بما يحول دون التكيف معها.
وتختل العلاقة انطلاقاً من العنوان ووجوب الالتزام به، عندما ننطلق من " بنات آوى وعرب " أو " ابن آوى والعرب "، أو " أبناء آوى وعرب " حيث نكون في عهدة جمع مذكر سالم، وهذا غريب .
في السياق نفسه، نجد من يأتي في التعامل مع الحيوان هذه بصيغة جمع مؤنث سالم( لسوف نتركهن عاكفات على عملهن- لندَعْهن وشأنهن ..) كيف يمكن إدراج علاقة ذات نسب حيواني في خانة جمع مؤنث سالم؟ فثمة المعتمَد: من نوع: لندعها وشأنها، مثلاً. وهناك من لجأ إلى جمع مذكر سالم ، كما هو مقروء في النص" لندعهم، لنتركهم.. إنهم يكرهوننا .." علاقة كهذه يجب أن تشمل النص ككل.
ما يلفت النظر في وضع كهذا، هو جانب التقديم للقصة في نموذج " هيبتن الحيرش"بقوله: هذه قصة رمزية للكاتب كافكا وهو من أسرۃ يهودية ناطقة باللغة الألمانية وقد نشِرت عام 1917. تتضمن الصيغة الحالية بعض التعديلات والتنقيحات المهمة التي تجعل النص أكثر وضوحاً وسلاسة..
إنه تحريف للمعنى. وقدّ شبَه للمترجم وكأن القصة تنتمي إلى عالم الحيوانات تماماً، من نوع" كليلة ودمنة".
والأغرب في الأمر، أن المترجم " الحيرش" كان قد نشر ترجمته هذه في مدونات الجزيرة، 31 أكتوبر، 2017 :
ضربنا خيامَنا في الواحة. رفاقُ السفرِ قد أخذهم الوسنُ. مَر بالقرب مني عربي عظيمُ الجِرم يلبس ثوباً أبيضَ، قد حملَ إلى الإبل علوفتَها وعادَ إلى مَضجعه.
في النهاية:
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْها وشأنها. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَها لنا !
حيث التعبير أوفى بالدلالة.
وكأنه تنبه إلى خطأ عظيم ما كان عليه ارتكابه، لنقرأ له بعد قرابة تسع سنوات في الترجمة " الأحدث" في موقع الأنطولوجيا ":
أنتَ مُحق، أيها السيد، قال، لندَعْهن وشأنهن. قد حانَ وقتُ الذهاب على كل حال. حيوانات غريبة، أليس كذلك؟ وما أشد مَقتَهن لنا !
تُرى، بناء على أي ذهنية تخيل العلاقة بين كل من الحيوانات" بنات آوى " والسائح الأوربي، وقائد القافلة العربي، جهة التأنيث في " رفْع المقدار"؟
أرى أن هناك ضعفاً في التلقي ، ينبني على الاستخفاف بمفهوم الآخر في النص بدءاً من الكاتب، وتجسيداً لاستهواء نفسي جماعيّ مصدراً،دونما نظر في قدرة الذات ولغتها ودلالة اللغة بالنسبة إليه، فكيف بلغة الآخر؟
ربما كان صلاح حاتم هو الأكثر حضوراً بالدلالة هنا من بين ما قدمت، وأنا أعيد ما أوردته سابقاً:
" إنك على صواب"أيها السيد. لنتركها تزاول مهنتها.كما أن الوقت حال أن نشد الرحال. ها قد رأيتها بأم عينيك، حيوانات عجيبة، أليس كذلك. وكم تكرهنا هذه الحيوانات !".
رغم أن " أليس كذلك " تتطلب إشارة استفهام!
أدلجة العالم
أشدد على ما أسمّيه بـ" أدلجة " العالم عربياً: اللغة، صانع اللغة، مجتمع اللغة، امتثالاً لطغيان ما هو قطيعي هنا وهناك، حيث تغيب الفردانية، ليبقى كافكا باسمه ومسماه هناك، وليس كما يصوَّر صهيونياً أو ما يرادف ذلك. وثمة أكثر من دراسة تنير صفحة الموضوع، وأشدد على دراسة الباحث المصري عاطف بطرس
كما في مراجعة يانس هانس عنه في مقال: كافكا والعرب، صحيفة " الاتحاد" 17 أيلول، 2020
حيث يقول: دراسة عاطف بطرس عن كافكا:كاتب يهودي من منظور عربي، تطرقَ فيها إلى السجلات في مجلة: الهلال، الأقلام، المعرفة، الآداب..حول هذه القصة الخرافية المفتوحة على تفسيرات مختلفة، وسياقها المتعدد المستويات نفي علاقة كافكا بالصهيونية من خلال أمثلة.
ثثم التذكير بقول كافكا ذي الصلة بما هو إبداعي:ماذا يجمعني باليهود؟ بالكاد هناك شيء يجمعني بنفسي"!