كان العالم يوما ما يتنفّس من بين دفّتي كتاب . كانت الحروفُ أنفاس الروح، والقراءةُ طقسا مقدّسا ، وها نحن اليوم نعيش زمن اللاقراءة ، زمن من السهل أن تعثر فيه على ملايين الكتب وآلاف الكتّاب ، ومن النادر أن تجد قارئا واعيا بما يكتب ، زمن تُنتَج فيه الكتب كما تُنتَج السلع، وتُستهلك فيه الأفكار كما تُستهلك الصور،زمن يمرّ فيه الإنسان على النصوص مرور الغيم، لا يترك أثرا ولا يتبلّل.
لقد مات القارئ قبل أن يموت النص. صار حضوره شكليا، كظلّ في مرآة شاشة.
يحمل الهاتف، يمرّر بإبهامه، يُعجب، يُعلّق، ثم ينسى... لم يعد يقرأ ليفهم، بل ليُزيّن صفحته باقتباس أو ليؤكّد انتماءه إلى قافلة المثقفين أمّا الكتب، فتنام في عزلة أنيقة، تنتظر قارئا لا يأتي، وتتحوّل إلى عوانس من ورق تكتفي بترف الوجود، بلا علاقة، بلا لمس، بلا عشق فكري .
يذكّرني حالنا اليوم بمقولة "موت المؤلف" لرولان بارت، والذي يرى من خلاله بأنّ النصّ لا يكتمل إلا حين يتسلّمه القارئ، فهو الذي يُحييه بتأويله، ويمنحه معنى آخر غير الذي قصده الكاتب . لكنّنا اليوم نعيش مأساة من نوع مختلف ،موت القارئ.
وهو موتٌ أعمق وأقسى، لأنّه لا يميت الكاتب وحده، بل يُميت النصّ أيضا. فحين يغيب القارئ الواعي، يختنق النصّ في عزلته، ويصير المؤلف صدى بلا صدى، وصوتا في فراغ لا يُصغي إليه أحد .
لقد تغيّر مركز الثقل في العملية الثقافية ، لم يَعُد النصُّ ينتظر قارئا ليُعيد إنتاجه، بل ينتظر متصفّحا ليمنحه إعجابا،إنه زمن القراءة الشكلية، زمنُ موت التأويل وغياب التفاعل،زمنٌ تتراكم فيه الكلمات ولا تُثمر فهما، وتُكتب فيه الكتب ولا تُقرأ إلا كديكور ذهني. وهكذا، حين يموت القارئ، يموت المؤلف والنصّ معا،
وتبقى الحروف أجسادا بلا أرواح، تنتظر من يبعث فيها الحياة بنظرة صادقة وقراءة حقيقية.
أي نعم نحن في زمن السرعة، التي نستحسنها في كثير من جوانب حياتنا ، لكنّها طالت القراءة ، فحوّلتها من فعل تأمّل إلى حركة اصبع على شاشة. صرنا نقرأ العناوين لا المتون، والسطور الأولى لا الفكرة الأخيرة. جيلٌ يهرب من العمق، لأنّ العمق يتعب، وجيلنا يحبّ الجاهز المريح ، ويفضّل ما يُبهر العين لا ما يُقلق الفكر.
جيلٌ يختصر العالم في منشور ويقيس الوعي بعدد الإعجابات أو اللايكية كما أطلق عليها الدكتور واسيني لعرج في أحد مقالاته .
مؤسف حقّا أنّنا نعايش جيلا يقرأ ليملأ الفراغ، لا ليملأ نفسه...أين القارئ الذي كان يُجادل النصّ كأنّه كائنٌ حيّ؟ الذي كان يسمع صوته في كل جملة، ويكتب ملاحظاته على الهامش كأنّه يتحاور مع الكاتب في خلده؟ لقد زال ذاك القارئ، وورثه مستهلك المحتوى . كائن لا يقرأ، بل يمرّ، لا يُفكّر، بل ينتقل، لا يتفاعل، بل يُشاهد .
لَكَثُرُ ما تحضرني مقولة أحد شعراء سكيكدة " محمّد بوديبة "وحال لسانه يقول :" نحن في زمن يتوسّل فيه الكاتب للقراء أن يقرأوا نصّه "، حينها أضحك من قوله لشدّة ما أشعره ، و أعود لأبكي على ما نحن فيه . أَيُعْقَلُ أن يغدو النص ـــ الذي كان مرآة الوعي ــــ صورة مؤطّرة بفلتر رقمي، جميلة من بعيد، خواء من الداخل.
ويتعاظم ألمي وأنا أرى الكاتب يندثر في طريقه إلى الزوال ، فلم يعد الكاتب ــــ كما في زمن مضى ــــ نبيّ المعنى، بقدر ما تحوّل لصانع محتوى ، تقاس قيمته بعدد المشاهدات.
إنه عصرٌ يُبهر العين ويُفقد العقل ذاكرته ، ويقلّل من شأن اللغة التي كانت ترتقي بالإنسان إلى مستوى الوجود، لتصبح وسيلة تسويق، أو جسرا هشّا بين إعلانين. كل شيء يلمع، ولا شيء يضيء. لأنّ الضوء الحقيقي يحتاج صبرا، والجيل الجديد لا يعرف الصبر، يريد المعنى جاهزا مثل الوجبات السريعة، جميلا مثل صور هواتفه الذكية ، وسريع الزوال مثلها تماما . وفي هذا الضجيج، يصير الكاتب ناسكا في صحراء الحروف،والقارئ الحقيقي طائرا نادرا في سماء من سراب ،أما النصّ الجيّد فيُدفن حيّا، لأن لا أحدا يصغي إلى أنينه .
لكن رغم كلّ هذا الخراب،ما زال يراودني بصيص أمل ، يومض من المدارس منذ الطفولة الأولى ، أين يُبنى العقل السليم على القراءة ، عقل يدرك أنّ القراءة فعل مقاومة. عقل يؤمن بأنّه مَن يقرأ اليوم لا يهرب من الواقع، بل يقاتله ، ويُعيد للورق أنفاسه، وللنصّ معناه، وللإنسان ذاكرته. تماما كأن تصبح القراءة فعل ثورة في زمن اللّاقراءة ، و أن يصبح النصّ الحي معجزة في زمن موت المعنى .
إنّي أؤكّد اليوم أنّ أزمة القراءة ليست في نقص الكتب ولا في غياب المعرفة، بل في تحوّل الوعي الإنساني ذاته ، فجيل السرعة لم يعد يرى في الكلمة وسيلة للفهم، بل مادة للعرض. ولأنّ القراءة فعلُ تأمّل وبطء ومسؤولية، فإنّها تتناقض مع طبيعة هذا العصر الذي يؤمن بالاختصار والإبهار لا بالتفكير والبحث. لتحضرني عبارة أخرى من زمن الطفولة " الثرثار ومحبّ الاختصار " هو عنوان لأحد نصوص القراءة ، فما أشبه ما نحن فيه اليوم ، بدلالة العنوان ، فنحن إمّا غارقون في ضجيج ثرثرة بلا معنى، أو اختصار يقتل الفكرة باسم السرعة ، وبينهما تموت القراءة، إذ لا صمتَ يسمح بالتأمّل، ولا وقتَ يُمنح للفهم.فالثرثرة تُفرغ الكلمة من قيمتها، والاختصار يُفقدها روحها .
إنّي أمام هاته المعضلة ، أتّهم التكنولوجيا التي أفرزت لنا قارئا جديدا ــــ أو بالأحرى مستهلكا رقميّا ــــ لا يقرأ ليبني موقفا، بل ليملأ فراغا زمنيّا. وهنا تكمن مأساة المعنى ،حين تفقد القراءة وظيفتها التحويلية، وتتحوّل من وعي إلى عادة، ومن انفتاح على العالم إلى انعكاس للذات . لنسلّم أنّ موت النصّ ليس حدثا لغويّا، بل أخلاقيّ وثقافيّ أيضا. فحين يغيب القارئ القادر على الإصغاء، يفقد الكاتب مبرّر الكتابة، ويصير الحرف مجرّد صدى في الفراغ. ومن ثمّ، تصبح الحضارة نفسها مهدَّدة بالسطحية، لأنّ القراءة هي جهاز المناعة ضدّ التكرار والتفاهة. لذلك، لا بدّ من إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها فعلا وجوديّا، لا مجرّد مهارة أو تسلية. أن نقرأ يعني أن نُعيد بناء وعينا، أن نمارس حريتنا في مواجهة التلقين، وأن نحيا ببطء في عالم يُسابق الزمن نحو اللاشيء. حسب فكرة كونديرا فإنّ استعادة القارئ الحقيقي ليست ترفا ثقافيّا، بل ضرورة حضارية. فحيث تموت القراءة، يولد الزيف، وحيث تُغتال المقروئية، تُطفأ مصابيح العقل. و يظلّ الكتاب، آخر حصون الإنسان في وجه العدم المعاصر. مهما تغيّرت الوسائط والبدائل .
ليلى تبّاني ــــــ الجزائر .
لقد مات القارئ قبل أن يموت النص. صار حضوره شكليا، كظلّ في مرآة شاشة.
يحمل الهاتف، يمرّر بإبهامه، يُعجب، يُعلّق، ثم ينسى... لم يعد يقرأ ليفهم، بل ليُزيّن صفحته باقتباس أو ليؤكّد انتماءه إلى قافلة المثقفين أمّا الكتب، فتنام في عزلة أنيقة، تنتظر قارئا لا يأتي، وتتحوّل إلى عوانس من ورق تكتفي بترف الوجود، بلا علاقة، بلا لمس، بلا عشق فكري .
يذكّرني حالنا اليوم بمقولة "موت المؤلف" لرولان بارت، والذي يرى من خلاله بأنّ النصّ لا يكتمل إلا حين يتسلّمه القارئ، فهو الذي يُحييه بتأويله، ويمنحه معنى آخر غير الذي قصده الكاتب . لكنّنا اليوم نعيش مأساة من نوع مختلف ،موت القارئ.
وهو موتٌ أعمق وأقسى، لأنّه لا يميت الكاتب وحده، بل يُميت النصّ أيضا. فحين يغيب القارئ الواعي، يختنق النصّ في عزلته، ويصير المؤلف صدى بلا صدى، وصوتا في فراغ لا يُصغي إليه أحد .
لقد تغيّر مركز الثقل في العملية الثقافية ، لم يَعُد النصُّ ينتظر قارئا ليُعيد إنتاجه، بل ينتظر متصفّحا ليمنحه إعجابا،إنه زمن القراءة الشكلية، زمنُ موت التأويل وغياب التفاعل،زمنٌ تتراكم فيه الكلمات ولا تُثمر فهما، وتُكتب فيه الكتب ولا تُقرأ إلا كديكور ذهني. وهكذا، حين يموت القارئ، يموت المؤلف والنصّ معا،
وتبقى الحروف أجسادا بلا أرواح، تنتظر من يبعث فيها الحياة بنظرة صادقة وقراءة حقيقية.
أي نعم نحن في زمن السرعة، التي نستحسنها في كثير من جوانب حياتنا ، لكنّها طالت القراءة ، فحوّلتها من فعل تأمّل إلى حركة اصبع على شاشة. صرنا نقرأ العناوين لا المتون، والسطور الأولى لا الفكرة الأخيرة. جيلٌ يهرب من العمق، لأنّ العمق يتعب، وجيلنا يحبّ الجاهز المريح ، ويفضّل ما يُبهر العين لا ما يُقلق الفكر.
جيلٌ يختصر العالم في منشور ويقيس الوعي بعدد الإعجابات أو اللايكية كما أطلق عليها الدكتور واسيني لعرج في أحد مقالاته .
مؤسف حقّا أنّنا نعايش جيلا يقرأ ليملأ الفراغ، لا ليملأ نفسه...أين القارئ الذي كان يُجادل النصّ كأنّه كائنٌ حيّ؟ الذي كان يسمع صوته في كل جملة، ويكتب ملاحظاته على الهامش كأنّه يتحاور مع الكاتب في خلده؟ لقد زال ذاك القارئ، وورثه مستهلك المحتوى . كائن لا يقرأ، بل يمرّ، لا يُفكّر، بل ينتقل، لا يتفاعل، بل يُشاهد .
لَكَثُرُ ما تحضرني مقولة أحد شعراء سكيكدة " محمّد بوديبة "وحال لسانه يقول :" نحن في زمن يتوسّل فيه الكاتب للقراء أن يقرأوا نصّه "، حينها أضحك من قوله لشدّة ما أشعره ، و أعود لأبكي على ما نحن فيه . أَيُعْقَلُ أن يغدو النص ـــ الذي كان مرآة الوعي ــــ صورة مؤطّرة بفلتر رقمي، جميلة من بعيد، خواء من الداخل.
ويتعاظم ألمي وأنا أرى الكاتب يندثر في طريقه إلى الزوال ، فلم يعد الكاتب ــــ كما في زمن مضى ــــ نبيّ المعنى، بقدر ما تحوّل لصانع محتوى ، تقاس قيمته بعدد المشاهدات.
إنه عصرٌ يُبهر العين ويُفقد العقل ذاكرته ، ويقلّل من شأن اللغة التي كانت ترتقي بالإنسان إلى مستوى الوجود، لتصبح وسيلة تسويق، أو جسرا هشّا بين إعلانين. كل شيء يلمع، ولا شيء يضيء. لأنّ الضوء الحقيقي يحتاج صبرا، والجيل الجديد لا يعرف الصبر، يريد المعنى جاهزا مثل الوجبات السريعة، جميلا مثل صور هواتفه الذكية ، وسريع الزوال مثلها تماما . وفي هذا الضجيج، يصير الكاتب ناسكا في صحراء الحروف،والقارئ الحقيقي طائرا نادرا في سماء من سراب ،أما النصّ الجيّد فيُدفن حيّا، لأن لا أحدا يصغي إلى أنينه .
لكن رغم كلّ هذا الخراب،ما زال يراودني بصيص أمل ، يومض من المدارس منذ الطفولة الأولى ، أين يُبنى العقل السليم على القراءة ، عقل يدرك أنّ القراءة فعل مقاومة. عقل يؤمن بأنّه مَن يقرأ اليوم لا يهرب من الواقع، بل يقاتله ، ويُعيد للورق أنفاسه، وللنصّ معناه، وللإنسان ذاكرته. تماما كأن تصبح القراءة فعل ثورة في زمن اللّاقراءة ، و أن يصبح النصّ الحي معجزة في زمن موت المعنى .
إنّي أؤكّد اليوم أنّ أزمة القراءة ليست في نقص الكتب ولا في غياب المعرفة، بل في تحوّل الوعي الإنساني ذاته ، فجيل السرعة لم يعد يرى في الكلمة وسيلة للفهم، بل مادة للعرض. ولأنّ القراءة فعلُ تأمّل وبطء ومسؤولية، فإنّها تتناقض مع طبيعة هذا العصر الذي يؤمن بالاختصار والإبهار لا بالتفكير والبحث. لتحضرني عبارة أخرى من زمن الطفولة " الثرثار ومحبّ الاختصار " هو عنوان لأحد نصوص القراءة ، فما أشبه ما نحن فيه اليوم ، بدلالة العنوان ، فنحن إمّا غارقون في ضجيج ثرثرة بلا معنى، أو اختصار يقتل الفكرة باسم السرعة ، وبينهما تموت القراءة، إذ لا صمتَ يسمح بالتأمّل، ولا وقتَ يُمنح للفهم.فالثرثرة تُفرغ الكلمة من قيمتها، والاختصار يُفقدها روحها .
إنّي أمام هاته المعضلة ، أتّهم التكنولوجيا التي أفرزت لنا قارئا جديدا ــــ أو بالأحرى مستهلكا رقميّا ــــ لا يقرأ ليبني موقفا، بل ليملأ فراغا زمنيّا. وهنا تكمن مأساة المعنى ،حين تفقد القراءة وظيفتها التحويلية، وتتحوّل من وعي إلى عادة، ومن انفتاح على العالم إلى انعكاس للذات . لنسلّم أنّ موت النصّ ليس حدثا لغويّا، بل أخلاقيّ وثقافيّ أيضا. فحين يغيب القارئ القادر على الإصغاء، يفقد الكاتب مبرّر الكتابة، ويصير الحرف مجرّد صدى في الفراغ. ومن ثمّ، تصبح الحضارة نفسها مهدَّدة بالسطحية، لأنّ القراءة هي جهاز المناعة ضدّ التكرار والتفاهة. لذلك، لا بدّ من إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها فعلا وجوديّا، لا مجرّد مهارة أو تسلية. أن نقرأ يعني أن نُعيد بناء وعينا، أن نمارس حريتنا في مواجهة التلقين، وأن نحيا ببطء في عالم يُسابق الزمن نحو اللاشيء. حسب فكرة كونديرا فإنّ استعادة القارئ الحقيقي ليست ترفا ثقافيّا، بل ضرورة حضارية. فحيث تموت القراءة، يولد الزيف، وحيث تُغتال المقروئية، تُطفأ مصابيح العقل. و يظلّ الكتاب، آخر حصون الإنسان في وجه العدم المعاصر. مهما تغيّرت الوسائط والبدائل .
ليلى تبّاني ــــــ الجزائر .