النص المقتطف من كتاب سيكولوجيا المتعلم للدكتور مزوار محمد سعيد يقدّم رؤية تحليلية جريئة لبنية السلطة في المدرسة الابتدائية الجزائرية من خلال منظور نفسي حادّ، يشبه في عمقه تشخيصات فرويدية، غير أنه يستدعي المقارنة بفيلم Django Unchained ليجعل من شخصية المدير نموذجًا «ستيفنيًّا»؛ أي ذلك الذي يتماهى مع السلطة القامعة ويعيد إنتاجها على من هم دونه.
لكن إذا ما نظرنا إلى النص في ضوء الفلسفة الصينية القديمة، وخصوصًا فلسفتي لاوتسه (الطاوية) وكونفوشيوس، فإننا نرى أن الصراع هنا ليس فقط صراع قوى داخل المؤسسة التعليمية، بل هو اختلال في توازن الـ"يين واليانغ" داخل النفس البشرية وفي نظامها الاجتماعي، أي فقدان الانسجام بين القوة واللين، بين النظام والطبيعة، بين الانضباط والرحمة.
يشخّص الكاتب شخصية المدير على أنها مركّبة من السادية والمازوشية.
السادي يستمدّ لذته من إخضاع الآخرين، بينما المازوخي يجد لذته في الخضوع ذاته.
هذه الثنائية النفسية يمكن قراءتها من خلال مفهوم الـ"يين واليانغ" في الفلسفة الصينية:
في النفس السوية، يتكامل الين واليانغ في توازن حيوي، لكن في حالة المدير – وفق تحليل الدكتور مزوار محمد سعيد – نجد تطغّيًا مرضيًا للـ"يانغ" عندما يتعامل مع الأساتذة (السادية)، وانكماشًا للـ"يين" حين يتعامل مع سلطته العليا (المازوشية).
بهذا المعنى، فمدير المدرسة لا يعيش في انسجام مع "الطاو" (道) – أي الطريق الطبيعي للوجود – بل يعيش في انقسام داخلي يُترجم إلى قهرٍ للآخرين وخضوعٍ للسلطة.
يقول لاوتسه في الطاوتي تشينغ:
المدير هنا يسعى للسيطرة لا لقيادةٍ متناغمة، لذلك يفقد سلطته المعنوية الحقيقية، ويغدو مجرد أداة بيروقراطية، مثل ستيفن في الفيلم، الذي يحكم عبيده بيد السيد الغائب.
يشير الدكتور مزوار إلى أن الأستاذ أمام هذه الشخصية "الستيفنية" يعيش حالة توازن محفوف بالخطر: عليه ألا يصطدم ولا يخضع، بل يوازن بين المواجهة والتجاهل.
وهذا الموقف يعكس بدقة جوهر الفكر الطاوي في التعامل مع الشرّ والقوة.
يقول لاوتسه:
فالمعلم الذي يختار المسايرة لا يفعل ذلك من الجبن، بل من حكمة الماء – كما يصفها لاوتسه – فالماء ينساب دون صدام، لكنه ينحت الصخر مع الزمن.
إن المعلم الذي يحافظ على توازنه أمام المدير السادي–المازوخي لا يواجهه مباشرة، بل يمتصّ عنفه النفسي، ويحوّله إلى طاقة صبرٍ خلاق.
بهذا، يكون المعلم هو حامل الطاو الحقيقي داخل المؤسسة التعليمية: لا يقاوم بالصرامة، بل يوازن بالوعي.
يرى الكاتب أن مدير المدرسة يجب ألا يكون رقيبًا على المعلمين، بل مجرّد ناقل للتشريعات والقوانين.
هذا الموقف يعكس نقدًا عميقًا لـالسلطة البيروقراطية التي فقدت البعد الأخلاقي (德 – ده) الذي تحدث عنه كونفوشيوس.
في تعاليم كونفوشيوس، يُقال:
لكن المدير الذي يتصرف بعدوانية يُحوّل المدرسة إلى فضاء خوفٍ لا إلى فضاء تعلمٍ، وبذلك يفسد العلاقة العمودية بين "القدوة" و"التلميذ".
فالمعلم المتوتر لا يستطيع أن يعلّم الأطفال بثقة، والطفل الذي يرى معلّمه مهدّدًا يفقد احترامه للنظام المدرسي، فينقلب التعلم إلى طقس قسري، لا إلى نموّ طبيعي.
بالتالي، البنية النفسية المنحرفة للمدير لا تدمّر الأساتذة فقط، بل تخرّب المجال الطاقوي النفسي للمتعلمين، وهو ما يسميه الصينيون "تشي" (氣) – الطاقة الحيوية التي تحرّك الكائنات.
المدير الذي يبثّ الخوف يقطع "تشي" المدرسة، فيسود الركود بدل الشغف.
النص لا يصف مديرًا بعينه، بل يقدّم نموذجًا اجتماعياً مريضاً يعكس عمق الخلل في البنية الإدارية العربية، حيث السلطة تُعبد لا تُساءل.
في المنظور الطاوي، هذا الخلل هو نتيجة فقدان الانسجام مع الطبيعة البشرية الأصلية (تِزرانغ 自然)، أي الميل إلى التعقيد بدل البساطة، إلى القهر بدل الانسجام.
المدير الذي يخاف من رؤسائه فيمارس القهر على من تحته ليس سوى مرآةٍ مكسورة للنظام: يتلقى العنف من الأعلى فيعيد إنتاجه نحو الأسفل، في دورة كارمية من الألم.
ولذلك، فإن اقتراح الدكتور مزوار بتحييد سلطة المراقبة عنه هو محاولة لإعادة التوازن إلى "الدائرة الطاوية" للمؤسسة التعليمية، حتى يتوقف تدفق الطاقة السلبية ويُستعاد التناغم بين أطرافها.
في خضم هذا الاضطراب، يظهر المعلم كـ"بهلوان يسير فوق اللهب" — وهي صورة رمزية عميقة تشبه في الفلسفة الصينية صورة الراهب الذي يمشي على الحافة بين العالمين: عالم النظام (يانغ) وعالم الفوضى (يين).
النجاة ليست في التمرد، بل في الوعي.
المعلم الواعي، كما يقول لاوتسه، "يعرف حدود ما يمكن تغييره"، فيعمل في صمت، لكنه يغيّر في العمق.
وذلك ما يدعو إليه النص ضمنيًا: تجاوز منطق الصدام إلى منطق الفهم.
فحين يدرك الأستاذ أن المدير السادي ليس إلا ضحية خوفٍ أكبر، يمكنه أن يتعامل معه بذكاء الطاو، أي بالفعل عبر اللافعل (Wu Wei 無為):
التحكم في الموقف دون مقاومة مباشرة،
العمل دون تعجل،
التأثير دون صدام.
الكاتب حين يشبّه المدير بـ"ستيفن" لا يهاجمه فحسب، بل يفضح مأساة الإنسان الذي يفقد ذاته في خدمة سلطةٍ يظنّها خلاصه.
في الفلسفة الصينية، يُعتبر هذا الانغماس في الخضوع فقدانًا لـ"الده" – أي الفضيلة الجوهرية التي تحفظ التوازن بين المصلحة الفردية والخير العام.
فمن يخضع خوفاً لا يحكم عدلاً، ومن يحكم بالقهر لا يُحترم بل يُخاف منه.
إن السادية والمازوشية ليست فقط أمراضاً فردية، بل أعراض لخلل في الطاو الجماعي، أي انحراف الطريق العام للمجتمع عن طبيعته الأصلية القائمة على التعاون والانسجام.
النص، في جوهره، ليس مجرد نقد إداري أو سيكولوجي، بل صرخة فلسفية في وجه اختلال التوازن بين الإنسان والسلطة، بين الحرية والنظام، بين الانتماء والخضوع.
من منظور الفلسفة الصينية، يُمكن القول إن الدكتور مزوار محمد سعيد يستدعي عودة إلى "الطريق" (الطاو) داخل المنظومة التربوية:
طريق يتأسس على الحكمة، الرحمة، والانسجام، لا على الخوف والعقاب.
فحين يكون المدير حكيمًا، يصبح النظام مصدر طمأنينة، وحين يكون عبدًا للسلطة، يتحوّل النظام إلى عبودية جديدة.
إعادة التوازن بين المدير والمعلم – بين اليانغ واليين – هي الشرط الأول لإحياء التعليم في صورته الحقيقية: نقل الحكمة لا تنفيذ الأوامر.
وبذلك يلتقي مزوار، من غير أن يقصد، مع لاوتسه الذي قال قبل أكثر من ألفي عام:
لكن إذا ما نظرنا إلى النص في ضوء الفلسفة الصينية القديمة، وخصوصًا فلسفتي لاوتسه (الطاوية) وكونفوشيوس، فإننا نرى أن الصراع هنا ليس فقط صراع قوى داخل المؤسسة التعليمية، بل هو اختلال في توازن الـ"يين واليانغ" داخل النفس البشرية وفي نظامها الاجتماعي، أي فقدان الانسجام بين القوة واللين، بين النظام والطبيعة، بين الانضباط والرحمة.
يشخّص الكاتب شخصية المدير على أنها مركّبة من السادية والمازوشية.
السادي يستمدّ لذته من إخضاع الآخرين، بينما المازوخي يجد لذته في الخضوع ذاته.
هذه الثنائية النفسية يمكن قراءتها من خلال مفهوم الـ"يين واليانغ" في الفلسفة الصينية:
- الـ"يانغ" يمثل القوة، الفعل، السيطرة، الذكورة.
- والـ"يين" يمثل اللين، الخضوع، القبول، الأنوثة.
في النفس السوية، يتكامل الين واليانغ في توازن حيوي، لكن في حالة المدير – وفق تحليل الدكتور مزوار محمد سعيد – نجد تطغّيًا مرضيًا للـ"يانغ" عندما يتعامل مع الأساتذة (السادية)، وانكماشًا للـ"يين" حين يتعامل مع سلطته العليا (المازوشية).
بهذا المعنى، فمدير المدرسة لا يعيش في انسجام مع "الطاو" (道) – أي الطريق الطبيعي للوجود – بل يعيش في انقسام داخلي يُترجم إلى قهرٍ للآخرين وخضوعٍ للسلطة.
يقول لاوتسه في الطاوتي تشينغ:
المدير هنا يسعى للسيطرة لا لقيادةٍ متناغمة، لذلك يفقد سلطته المعنوية الحقيقية، ويغدو مجرد أداة بيروقراطية، مثل ستيفن في الفيلم، الذي يحكم عبيده بيد السيد الغائب.
يشير الدكتور مزوار إلى أن الأستاذ أمام هذه الشخصية "الستيفنية" يعيش حالة توازن محفوف بالخطر: عليه ألا يصطدم ولا يخضع، بل يوازن بين المواجهة والتجاهل.
وهذا الموقف يعكس بدقة جوهر الفكر الطاوي في التعامل مع الشرّ والقوة.
يقول لاوتسه:
فالمعلم الذي يختار المسايرة لا يفعل ذلك من الجبن، بل من حكمة الماء – كما يصفها لاوتسه – فالماء ينساب دون صدام، لكنه ينحت الصخر مع الزمن.
إن المعلم الذي يحافظ على توازنه أمام المدير السادي–المازوخي لا يواجهه مباشرة، بل يمتصّ عنفه النفسي، ويحوّله إلى طاقة صبرٍ خلاق.
بهذا، يكون المعلم هو حامل الطاو الحقيقي داخل المؤسسة التعليمية: لا يقاوم بالصرامة، بل يوازن بالوعي.
يرى الكاتب أن مدير المدرسة يجب ألا يكون رقيبًا على المعلمين، بل مجرّد ناقل للتشريعات والقوانين.
هذا الموقف يعكس نقدًا عميقًا لـالسلطة البيروقراطية التي فقدت البعد الأخلاقي (德 – ده) الذي تحدث عنه كونفوشيوس.
في تعاليم كونفوشيوس، يُقال:
لكن المدير الذي يتصرف بعدوانية يُحوّل المدرسة إلى فضاء خوفٍ لا إلى فضاء تعلمٍ، وبذلك يفسد العلاقة العمودية بين "القدوة" و"التلميذ".
فالمعلم المتوتر لا يستطيع أن يعلّم الأطفال بثقة، والطفل الذي يرى معلّمه مهدّدًا يفقد احترامه للنظام المدرسي، فينقلب التعلم إلى طقس قسري، لا إلى نموّ طبيعي.
بالتالي، البنية النفسية المنحرفة للمدير لا تدمّر الأساتذة فقط، بل تخرّب المجال الطاقوي النفسي للمتعلمين، وهو ما يسميه الصينيون "تشي" (氣) – الطاقة الحيوية التي تحرّك الكائنات.
المدير الذي يبثّ الخوف يقطع "تشي" المدرسة، فيسود الركود بدل الشغف.
النص لا يصف مديرًا بعينه، بل يقدّم نموذجًا اجتماعياً مريضاً يعكس عمق الخلل في البنية الإدارية العربية، حيث السلطة تُعبد لا تُساءل.
في المنظور الطاوي، هذا الخلل هو نتيجة فقدان الانسجام مع الطبيعة البشرية الأصلية (تِزرانغ 自然)، أي الميل إلى التعقيد بدل البساطة، إلى القهر بدل الانسجام.
المدير الذي يخاف من رؤسائه فيمارس القهر على من تحته ليس سوى مرآةٍ مكسورة للنظام: يتلقى العنف من الأعلى فيعيد إنتاجه نحو الأسفل، في دورة كارمية من الألم.
ولذلك، فإن اقتراح الدكتور مزوار بتحييد سلطة المراقبة عنه هو محاولة لإعادة التوازن إلى "الدائرة الطاوية" للمؤسسة التعليمية، حتى يتوقف تدفق الطاقة السلبية ويُستعاد التناغم بين أطرافها.
في خضم هذا الاضطراب، يظهر المعلم كـ"بهلوان يسير فوق اللهب" — وهي صورة رمزية عميقة تشبه في الفلسفة الصينية صورة الراهب الذي يمشي على الحافة بين العالمين: عالم النظام (يانغ) وعالم الفوضى (يين).
النجاة ليست في التمرد، بل في الوعي.
المعلم الواعي، كما يقول لاوتسه، "يعرف حدود ما يمكن تغييره"، فيعمل في صمت، لكنه يغيّر في العمق.
وذلك ما يدعو إليه النص ضمنيًا: تجاوز منطق الصدام إلى منطق الفهم.
فحين يدرك الأستاذ أن المدير السادي ليس إلا ضحية خوفٍ أكبر، يمكنه أن يتعامل معه بذكاء الطاو، أي بالفعل عبر اللافعل (Wu Wei 無為):
التحكم في الموقف دون مقاومة مباشرة،
العمل دون تعجل،
التأثير دون صدام.
الكاتب حين يشبّه المدير بـ"ستيفن" لا يهاجمه فحسب، بل يفضح مأساة الإنسان الذي يفقد ذاته في خدمة سلطةٍ يظنّها خلاصه.
في الفلسفة الصينية، يُعتبر هذا الانغماس في الخضوع فقدانًا لـ"الده" – أي الفضيلة الجوهرية التي تحفظ التوازن بين المصلحة الفردية والخير العام.
فمن يخضع خوفاً لا يحكم عدلاً، ومن يحكم بالقهر لا يُحترم بل يُخاف منه.
إن السادية والمازوشية ليست فقط أمراضاً فردية، بل أعراض لخلل في الطاو الجماعي، أي انحراف الطريق العام للمجتمع عن طبيعته الأصلية القائمة على التعاون والانسجام.
النص، في جوهره، ليس مجرد نقد إداري أو سيكولوجي، بل صرخة فلسفية في وجه اختلال التوازن بين الإنسان والسلطة، بين الحرية والنظام، بين الانتماء والخضوع.
من منظور الفلسفة الصينية، يُمكن القول إن الدكتور مزوار محمد سعيد يستدعي عودة إلى "الطريق" (الطاو) داخل المنظومة التربوية:
طريق يتأسس على الحكمة، الرحمة، والانسجام، لا على الخوف والعقاب.
فحين يكون المدير حكيمًا، يصبح النظام مصدر طمأنينة، وحين يكون عبدًا للسلطة، يتحوّل النظام إلى عبودية جديدة.
إعادة التوازن بين المدير والمعلم – بين اليانغ واليين – هي الشرط الأول لإحياء التعليم في صورته الحقيقية: نقل الحكمة لا تنفيذ الأوامر.
وبذلك يلتقي مزوار، من غير أن يقصد، مع لاوتسه الذي قال قبل أكثر من ألفي عام: