أحمد رجب شلتوت - السامريون الأشرار: كتاب يفضح نفاق النظام النيوليبرالي ويعيد تعريف التنمية من منظور إنساني

منذ صدوره بالإنجليزية عام 2008، أثار كتاب «السامريون الأشرار: الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي» للخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي ها-جون تشانغ عاصفة فكرية في الأوساط الاقتصادية والسياسية على السواء. في لغة سلسة تجمع بين التحليل التاريخي والنقد الأخلاقي، يكشف تشانغ عن التناقض المدهش في سلوك الدول الغنية التي ترفع شعارات العون والإصلاح، بينما تفرض على العالم النامي سياسات تعمّق تبعيته وتمنع نموّه المستقل. وقد صدرت الترجمة العربية بجهد أحمد شافعي عن الكتب خان للنشر والتوزيع في طبعتها الثانية عام 2017، لتعيد فتح نقاش طال انتظاره في العالم العربي حول معنى التنمية وموقعنا من خريطة الاقتصاد العالمي.
نفاق التنمية
يبدأ تشانج كتابه بقله إن الدول الغنية تشبه «السامريين الأشرار» الذين يتظاهرون بالعطف على الفقراء بينما يسلبونهم أدوات النجاة. فهذه الدول التي تبشّر اليوم بحرية السوق وتحرير التجارة، هي ذاتها التي بنت قوتها على سياسات الحماية والدعم الحكومي والتدخل المباشر في الصناعة والتجارة. وما إن بلغت موقع التفوق، حتى سحبت الجسر خلفها ومنعت الآخرين من العبور، زاعمة أن الانفتاح وحده طريق النجاح.
من هنا، ينقض المؤلف الخطاب النيوليبرالي من أساسه، مبرهنًا أن التاريخ الاقتصادي الحقيقي للغرب هو تاريخ من الحماية لا من التحرير. فالدول التي تفرض اليوم على الآخرين التخلي عن الدعم الصناعي والجمركي كانت بالأمس الأكثر تشددًا في تطبيقه. وهكذا، يكشف الكتاب أن «المساعدة» التي يقدمها الشمال ليست سوى استراتيجية لضمان استمرار التبعية الاقتصادية للجنوب.
وصفة جاهزة للفشل
يعمل تشانج على تفكيك «العقيدة النيوليبرالية» التي روّجت لها المؤسسات المالية الدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد جرى إقناع دول الجنوب بأن الانفتاح التجاري وخصخصة القطاع العام وتقييد دور الدولة هي الطريق الوحيد للنمو. لكن الواقع أظهر أن تلك السياسات لم تجلب سوى الركود وتضخم الديون وتآكل الصناعات الوطنية، ويُظهر من خلال بيانات دقيقة وتجارب مقارنة أن معظم الدول النامية التي طبّقت برامج “الإصلاح الهيكلي” فقدت السيطرة على اقتصادها، وعادت إلى تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، أي إلى إعادة إنتاج الاستعمار الاقتصادي بأدوات جديدة. في المقابل، فإن الدول التي نجت من هذه الوصفة القاتلة – مثل كوريا الجنوبية وتايوان – تجاهلت توصيات البنك الدولي، واعتمدت على حماية صناعاتها الوطنية ودعم البحث والتعليم واستثمار رأس المال المحلي.
وهو يستند إلى قراءة تاريخية دقيقة ليثبت أن التدخل الحكومي لم يكن عقبة أمام التنمية بل شرطًا لها، فبريطانيا في بداياتها الصناعية فرضت رسومًا جمركية هائلة لحماية مصانعها الناشئة من المنافسة الأوروبية، والولايات المتحدة تبنّت سياسات مشابهة طوال القرن التاسع عشر، بينما بنت اليابان نهضتها الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية على التخطيط المركزي والدعم الحكومي المباشر للصناعة والتكنولوجيا، وكوريا الجنوبية، بلد الكاتب، تقدم مثالا آخر على فعالية هذا المسار. إذ وجهت الدعم إلى قطاعات محددة، وفرضت قيودًا شديدة على الاستثمار الأجنبي ودعمت الشركات المحلية فساعدتها على الوصول إلى مستوى المنافسة العالمية. فتحولت كوريا خلال عقود قليلة من دولة زراعية فقيرة إلى قوة صناعية واقتصادية عالمية، والسر أن قيادتها اتبعت نهجا تنمويا لا يخضع لاملاءات يُرسم في البنك الدولي، وكان نابعا من المصلحة الطنية ومعبرا عنها.
اقتصاد الأخلاق الزائفة
لا يكتفي تشانج بنقد السياسات الاقتصادية، بل يذهب أبعد ليكشف عن الخطاب الأخلاقي المضلل الذي يتستر خلفها. فالدول الغنية تقدم وصفاتها بوصفها دروسًا في “الحكمة” و”المسؤولية”، بينما هي في الحقيقة أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة. فحين تطالب المؤسسات الدولية الدول الفقيرة بوقف دعم السلع الأساسية، ورفع الدعم عن الزراعة أو الصناعة، فإنها تفعل ذلك لا لحماية الاقتصاد المحلي، بل لتسهيل دخول الشركات متعددة الجنسيات إلى الأسواق الوطنية بلا عوائق، هكذا، تتحول «المساعدات الدولية» إلى شكل من أشكال السيطرة الناعمة، يعيد توزيع الثروة من الجنوب إلى الشمال، ومن الفقراء إلى الأثرياء.
تنمية مؤجلة وتبعية متجددة
في السياق العربي، يكتسب هذا الكتاب بعدًا مضاعفًا، لأنه يضع إصبعه على الجرح العميق الذي يعانيه الاقتصاد العربي منذ عقود. فبعد موجة التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، شرعت الدول العربية في بناء مشاريع تنموية طموحة قائمة على التصنيع والزراعة ودور الدولة الاجتماعي. لكن منذ السبعينيات، ومع صعود النيوليبرالية عالميًا، تغير المسار جذريًا
تحت ضغط صندوق النقد والبنك الدولي، تبنت الحكومات العربية سياسات “الانفتاح الاقتصادي” و”الإصلاح الهيكلي”، فبيعت الشركات العامة، وخُفّضت الرسوم الجمركية، وجرى فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية بلا ضوابط، وكانت النتيجة أن تفككت البنية الإنتاجية المحلية، وتراجعت الصناعات الوطنية لصالح الاستيراد، وازداد الاعتماد على الخارج في الغذاء والتكنولوجيا والسلع الأساسية. ومع الوقت، اتسعت الفجوة الطبقية وتضخمت البطالة، وتراجعت الطبقة الوسطى التي تشكل عصب أي نهضة.
بهذه القراءة، يقدم لنا الكتاب مفتاحًا لفهم إخفاق السياسات الاقتصادية المعاصرة. فهو يبرهن أن التخلف ليس نتيجة فساد إداري أو ثقافة كسولة كما يُروّج، بل ثمرة مباشرة لسياسات دولية تقيّد حق الدول النامية في الحماية والتنظيم والتخطيط. ومن ثم، فإن الطريق إلى التنمية في العالم العربي يبدأ باستعادة الدولة لدورها السيادي في الاقتصاد، عبر حماية الصناعات الناشئة، وتنظيم الاستثمار الأجنبي، وربط التعليم بالبحث والإنتاج، وإعادة تعريف العلاقة مع السوق العالمية بما يخدم المصلحة الوطنية.
إن الرسالة التي يوجهها تشانج تبدو أكثر إلحاحًا في السياق العربي، إن “الإصلاح الاقتصادي” لا ينبغي أن يعني تسليم القرار الاقتصادي للخارج، بل تجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع على أساس العدالة الإنتاجية والكرامة الاقتصادية. فبدون قاعدة إنتاجية مستقلة، لن يكون الانفتاح سوى عبودية من نوع جديد، ولعل أعظم ما يقدمه للقارئ العربي أنه يحرره من عقدة التبعية الفكرية للغرب، ويذكّره بأن الشعوب التي صنعت نهضتها لم تفعل ذلك باتباع أوامر الآخرين، بل باجتراح طريقها الخاص، متسلحة بالإرادة والمعرفة والتخطيط الطويل المدى، يجب علينا كعرب أن نقرأ هذا الكتاب ليس باعتباره نقدا للنظام العالمي، بل لأنه دعوة إلى نظام اقتصادي مختلف؛ يضع الإنسان قبل السوق، والسيادة قبل العولمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى