تعرفت إلى "هرناندو دي سوتو" قبل أكثر من ربع قرن، قرأت ترجمة الأستاذ شوقي جلال لكتاب "الدرب الآخر .. الثورة الخفية في العالم الثالث"، هذا الكتاب لم يغادرني، في كل الصباحات وأنا ذاهب إلى عملي أرى شبابا من بلدي يحملون "كراتين البضائع" على أكتافهم ويجرون خلف الباصات التي تنقلهم إلى المدن القريبة وغير القريبة، وإذا جاورني أحدهم في مقعد بالباص وحكى عن مطاردات الشرطة أو ابتزاز رجال البلدية في الأسواق، لحظتها كنت أتذكر الكتاب وأسأل نفسي: هل مر دي سوتو من هنا؟.
وذات ليلة مسهدة غادر دي سوتو مكانه في رأسي وأشار إلى كرتونة فوق الدولاب، سألني عنها فقلت هي مقبرة لروايات ولدت مبتسرة، استأذن ثم قفز فوق الدولاب، فتحها وقضى وقتا ثم قفز ممسكا بملف "حالة شجن" قال هؤلاء ناسك فلا تدفنهم أحياء، اقترح أن أعيد نظر فيما كتبت، فأعدت الكتابة وولدت "نوفيلا" حالة شجن من جديد، وقد ضمنتها فقرة أو ربما فقرتين من الدرب الآخر.
فيما بعد قرأت كتابا ثانيا له _ أصدرته الأهرام أيضا_ "سر رأس المال .. لماذا تنتصر الرأسمالية في الغرب وتفشل في كل مكان آخر؟" ترجمة كمال السيد، عبرت عن حفاوتي بالكتاب بعمل مراجعة له نشرت في حينها، ثم قرأت ترجمة ثانية لنفس الكتاب بعنوان "لغز رأس المال" أصدرته الهيئة السورية للكتاب، بعدها لم أجد كتابا ثالثا للرجل لكن يحدث أن أعود إلى كتابيه أحيانا.
وفيهما معًا أجد دي سوتو ينظر إلى الرأسمالية من الأسفل، أي من منظور الذين يعيشون خارج الاقتصاد الرسمي، في الأحياء العشوائية والقطاع غير المنظَّم، والذين يُشكّلون في الواقع غالبية سكان بيرو، (وهنا أيضا نفس الأمر).
في "الدرب الآخر " يقدّم دي سوتو دراسة ميدانية لظاهرة الاقتصاد غير الرسمي في بيرو خلال السبعينيات والثمانينيات، في مواجهة جماعة "الدرب المضيء" الماركسية التي كانت تدعو إلى الثورة المسلحة، وذلك في محاولة لتوضيح أن هناك دربًا آخر للتغيير، أكثر عمقًا وفاعلية، ثورة سلمية خفية تجري في الشوارع والأسواق، يقودها الملايين من الفقراء الذين يصنعون اقتصادهم بأيديهم، بعيدًا عن بيروقراطية الدولة واحتكارها.
يصف دي سوتو كيف أن الفلاحين الذين نزحوا إلى المدن الكبرى كوّنوا مجتمعات عمرانية وتجارية ضخمة خارج القانون الرسمي، فبنوا منازل دون تراخيص، وأقاموا مشاريع صغيرة بلا تسجيل، كونوا – بحسب تعبيره – "اقتصاد الظل"، ولكنهم ليسوا متطفلين على النظام، بل يشكّلون جوهره الحيوي الذي تجهله الدولة، وهو يرى فيهم بذورًا لرأسمالية شعبية حقيقية، لكنها مقموعة ومحرومة من الاعتراف القانوني، لذلك انتقد البيروقراطية اللاتينية بوصفها السبب الأول في فشل التنمية. فمجرد تسجيل مشروع صغير في بيرو، كما أظهر فريقه البحثي، كان يتطلب مئات الإجراءات ويستغرق شهورًا طويلة، وهو ما يدفع الناس إلى العمل خارج الإطار الرسمي، وبذلك تتحوّل القوانين، التي يُفترض أن تحمي الملكية وتشجع الاستثمار، إلى أداة إقصاء، وتحكم على ملايين البشر بأن يعيشوا في منطقة رمادية لا يستطيعون فيها استثمار ما يملكون.
الكتاب إذن يدافع عن الرأسمالية، ولكنها رأسمالية تقوم على الاعتراف بقدرات الفقراء على التنظيم الذاتي والإبداع الاقتصادي، إذا أُتيح لهم فقط أن يكونوا جزءًا من النظام القانوني، من هنا جاءت فكرته المحورية، إن التحرير القانوني للقطاع غير الرسمي يمثل الخطوة الأولى نحو التنمية الحقيقية.
بلور دي سوتو أفكاره في كتابه الثاني "سر رأس المال"، وفيه غادر حدود بيرو إلى العالم الثالث بأسره، ليسأل: لماذا نجحت الرأسمالية في الغرب بينما فشلت في بقية أنحاء العالم؟
يقدّم دي سوتو إجابة بسيطة وعميقة، ليس السر في الثقافة أو القيم البروتستانتية كما زعم ماكس فيبر، وليس في التكنولوجيا أو التعليم، بل في الملكية القانونية الموثقة، فالغرب، منذ الثورة الصناعية، أنشأ نظامًا متكاملًا لتسجيل الملكيات والعقود والرهون، بحيث يمكن تحويل كل أصل مادي إلى رأسمال قانوني قابل للتداول والاستثمار. هذه الشبكة القانونية هي التي جعلت الرأسمالية الغربية تزدهر.
أما في دول الجنوب، فالمشكلة ليست غياب الأصول، بل غياب الاعتراف بها، الفقراء يملكون أراضي ومنازل ومشروعات تقدر قيمتها وفق تقدير دي سوتو بأكثر من تسعة تريليونات دولار، لكنها أصول "ميتة" لأنها خارج السجل الرسمي، إدخالها في دائرة الائتمان والاستثمار، وبالتالي فإن ما ينقص العالم الثالث هو تحويل الملكية غير الرسمية إلى رأسمال حي، عبر نظم قانونية شاملة وشفافة.
إن رأس المال، وفق رأيه، ليس شيئًا ماديًا بل فكرة أو طريقة لرؤية الأصول وتسجيلها وجعلها قابلة للتداول، هنا يستند دي سوتو إلى دراسات ميدانية دقيقة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، ليثبت أن المشكلة الكونية الكبرى ليست الفقر في ذاته، بل "الفقر القانوني"؛ أي العجز عن جعل الثروة منتجة بفعل غياب التوثيق والاعتراف المؤسسي.
وبالتالي فإنه يقترح ثورة فكرية في فهم الاقتصاد والتنمية، وليس مجرد إصلاح إداري غالبا ما يكون شكليا، هو يرى أن بناء مؤسسات قانونية فعّالة أهم من ضخ المساعدات أو فتح الأسواق، والدولة، في رأيه، ينبغي أن تبدأ بتبسيط إجراءات التسجيل، وإدماج القطاع غير الرسمي بدلًا من مطاردته، وتحويل ملايين الأفراد إلى “رأسماليين صغار” قادرين على استخدام أصولهم كضمانات ائتمانية.
بدت أفكار دي سوتو وكأنها محاولة للتوفيق بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية، لذلك وجد ترحيبا من مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحتى بعض الحكومات الغربية، لكنها واجهت انتقادات من الاقتصاديين اليساريين الذين رأوا أنها تختزل التخلف في غياب الأوراق الرسمية وتتجاهل البنى الطبقية والتبعية التاريخية، كما أن تجربة تطبيق أفكاره في بيرو لم تحقق التحول الموعود، بسبب مقاومة البيروقراطية والفساد العميق.
ميزة دي سوتو أنه ليس اقتصاديًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بل مفكر ميداني يربط الاقتصاد بالثقافة والسياسة والحقوق المدنية، وهو يرى أن الطريق إلى الحداثة لا يمرّ عبر استيراد المؤسسات الغربية، بل عبر اكتشاف الرأسمالية المحلية الكامنة في عادات الناس وأساليب تنظيمهم التقليدية. بهذا المعنى، يمكن القول إن “الدرب الآخر” و“سرّ رأس المال” يشكّلان معًا بيانًا من أجل رأسمالية شاملة، تنبثق من المجتمع لا من فوقه، وتعتمد على دمج سكان العشوائيات والأسواق الشعبية في نظام الحقوق الحديث.
من المفيد أن نقرأ دي سوتو اليوم في سياقنا العربي، حيث تتجاور الثروات غير المستثمرة مع البيروقراطية الثقيلة، ففي معظم المدن العربية، يعيش ملايين الناس في مساكن بلا عقود ملكية واضحة، ويديرون أنشطة اقتصادية ضخمة خارج السجل الرسمي، هؤلاء هم تجسيد عملي لفكرة “الرأسمال الميت” التي تحدّث عنها دي سوتو، لكن تحويل هذه الثروة إلى رأسمال فعّال يحتاج إلى إصلاح قانوني وثقافي متزامن، لا إلى تسطيح المشكلات في مجرد إجراءات توثيق، فالعقبة ليست الورق وحده، بل منظومة من المصالح والفساد والاحتكار تعيق أي تحول بنيوي.
ومع ذلك، فإن دي سوتو يذكّرنا بأن الفقراء ليسوا عالة على المجتمع، بل لديهم طاقة اقتصادية مهدرة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بهذه الطاقة ومنحها الشرعية القانونية والمؤسسية التي تستحقها.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع دي سوتو، فإن فكرته تفتح أفقًا جديدًا للتفكير في التنمية من منظور مختلف، فهو يرى ما لا يراه الاقتصاديون الكلاسيكيون، أن الرأسمالية ليست نظامًا إنتاجيًا فحسب، بل نظام حقوقي رمزي ينظم العلاقة بين الإنسان والملكية. وأن فشلها في العالم الثالث ليس حتميًا، بل نتيجة غياب هذا النظام القانوني الذي يمنح الأشياء “هوية” في السوق، وبالتالي فإن «الدرب الآخر» كان إعلانًا عن الثورة من تحت، و«سرّ رأس المال» كان محاولة لتنظيمها فكريًا، يبدأ الحل من تسجيل بيت، أو ترخيص كشك صغير، أو عقد يربط بين يدٍ عاملة وأصلٍ منسي أي من التفاصيل الصغيرة التي تصنع مجتمعات كبيرة.
وذات ليلة مسهدة غادر دي سوتو مكانه في رأسي وأشار إلى كرتونة فوق الدولاب، سألني عنها فقلت هي مقبرة لروايات ولدت مبتسرة، استأذن ثم قفز فوق الدولاب، فتحها وقضى وقتا ثم قفز ممسكا بملف "حالة شجن" قال هؤلاء ناسك فلا تدفنهم أحياء، اقترح أن أعيد نظر فيما كتبت، فأعدت الكتابة وولدت "نوفيلا" حالة شجن من جديد، وقد ضمنتها فقرة أو ربما فقرتين من الدرب الآخر.
فيما بعد قرأت كتابا ثانيا له _ أصدرته الأهرام أيضا_ "سر رأس المال .. لماذا تنتصر الرأسمالية في الغرب وتفشل في كل مكان آخر؟" ترجمة كمال السيد، عبرت عن حفاوتي بالكتاب بعمل مراجعة له نشرت في حينها، ثم قرأت ترجمة ثانية لنفس الكتاب بعنوان "لغز رأس المال" أصدرته الهيئة السورية للكتاب، بعدها لم أجد كتابا ثالثا للرجل لكن يحدث أن أعود إلى كتابيه أحيانا.
وفيهما معًا أجد دي سوتو ينظر إلى الرأسمالية من الأسفل، أي من منظور الذين يعيشون خارج الاقتصاد الرسمي، في الأحياء العشوائية والقطاع غير المنظَّم، والذين يُشكّلون في الواقع غالبية سكان بيرو، (وهنا أيضا نفس الأمر).
في "الدرب الآخر " يقدّم دي سوتو دراسة ميدانية لظاهرة الاقتصاد غير الرسمي في بيرو خلال السبعينيات والثمانينيات، في مواجهة جماعة "الدرب المضيء" الماركسية التي كانت تدعو إلى الثورة المسلحة، وذلك في محاولة لتوضيح أن هناك دربًا آخر للتغيير، أكثر عمقًا وفاعلية، ثورة سلمية خفية تجري في الشوارع والأسواق، يقودها الملايين من الفقراء الذين يصنعون اقتصادهم بأيديهم، بعيدًا عن بيروقراطية الدولة واحتكارها.
يصف دي سوتو كيف أن الفلاحين الذين نزحوا إلى المدن الكبرى كوّنوا مجتمعات عمرانية وتجارية ضخمة خارج القانون الرسمي، فبنوا منازل دون تراخيص، وأقاموا مشاريع صغيرة بلا تسجيل، كونوا – بحسب تعبيره – "اقتصاد الظل"، ولكنهم ليسوا متطفلين على النظام، بل يشكّلون جوهره الحيوي الذي تجهله الدولة، وهو يرى فيهم بذورًا لرأسمالية شعبية حقيقية، لكنها مقموعة ومحرومة من الاعتراف القانوني، لذلك انتقد البيروقراطية اللاتينية بوصفها السبب الأول في فشل التنمية. فمجرد تسجيل مشروع صغير في بيرو، كما أظهر فريقه البحثي، كان يتطلب مئات الإجراءات ويستغرق شهورًا طويلة، وهو ما يدفع الناس إلى العمل خارج الإطار الرسمي، وبذلك تتحوّل القوانين، التي يُفترض أن تحمي الملكية وتشجع الاستثمار، إلى أداة إقصاء، وتحكم على ملايين البشر بأن يعيشوا في منطقة رمادية لا يستطيعون فيها استثمار ما يملكون.
الكتاب إذن يدافع عن الرأسمالية، ولكنها رأسمالية تقوم على الاعتراف بقدرات الفقراء على التنظيم الذاتي والإبداع الاقتصادي، إذا أُتيح لهم فقط أن يكونوا جزءًا من النظام القانوني، من هنا جاءت فكرته المحورية، إن التحرير القانوني للقطاع غير الرسمي يمثل الخطوة الأولى نحو التنمية الحقيقية.
بلور دي سوتو أفكاره في كتابه الثاني "سر رأس المال"، وفيه غادر حدود بيرو إلى العالم الثالث بأسره، ليسأل: لماذا نجحت الرأسمالية في الغرب بينما فشلت في بقية أنحاء العالم؟
يقدّم دي سوتو إجابة بسيطة وعميقة، ليس السر في الثقافة أو القيم البروتستانتية كما زعم ماكس فيبر، وليس في التكنولوجيا أو التعليم، بل في الملكية القانونية الموثقة، فالغرب، منذ الثورة الصناعية، أنشأ نظامًا متكاملًا لتسجيل الملكيات والعقود والرهون، بحيث يمكن تحويل كل أصل مادي إلى رأسمال قانوني قابل للتداول والاستثمار. هذه الشبكة القانونية هي التي جعلت الرأسمالية الغربية تزدهر.
أما في دول الجنوب، فالمشكلة ليست غياب الأصول، بل غياب الاعتراف بها، الفقراء يملكون أراضي ومنازل ومشروعات تقدر قيمتها وفق تقدير دي سوتو بأكثر من تسعة تريليونات دولار، لكنها أصول "ميتة" لأنها خارج السجل الرسمي، إدخالها في دائرة الائتمان والاستثمار، وبالتالي فإن ما ينقص العالم الثالث هو تحويل الملكية غير الرسمية إلى رأسمال حي، عبر نظم قانونية شاملة وشفافة.
إن رأس المال، وفق رأيه، ليس شيئًا ماديًا بل فكرة أو طريقة لرؤية الأصول وتسجيلها وجعلها قابلة للتداول، هنا يستند دي سوتو إلى دراسات ميدانية دقيقة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، ليثبت أن المشكلة الكونية الكبرى ليست الفقر في ذاته، بل "الفقر القانوني"؛ أي العجز عن جعل الثروة منتجة بفعل غياب التوثيق والاعتراف المؤسسي.
وبالتالي فإنه يقترح ثورة فكرية في فهم الاقتصاد والتنمية، وليس مجرد إصلاح إداري غالبا ما يكون شكليا، هو يرى أن بناء مؤسسات قانونية فعّالة أهم من ضخ المساعدات أو فتح الأسواق، والدولة، في رأيه، ينبغي أن تبدأ بتبسيط إجراءات التسجيل، وإدماج القطاع غير الرسمي بدلًا من مطاردته، وتحويل ملايين الأفراد إلى “رأسماليين صغار” قادرين على استخدام أصولهم كضمانات ائتمانية.
بدت أفكار دي سوتو وكأنها محاولة للتوفيق بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية، لذلك وجد ترحيبا من مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحتى بعض الحكومات الغربية، لكنها واجهت انتقادات من الاقتصاديين اليساريين الذين رأوا أنها تختزل التخلف في غياب الأوراق الرسمية وتتجاهل البنى الطبقية والتبعية التاريخية، كما أن تجربة تطبيق أفكاره في بيرو لم تحقق التحول الموعود، بسبب مقاومة البيروقراطية والفساد العميق.
ميزة دي سوتو أنه ليس اقتصاديًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بل مفكر ميداني يربط الاقتصاد بالثقافة والسياسة والحقوق المدنية، وهو يرى أن الطريق إلى الحداثة لا يمرّ عبر استيراد المؤسسات الغربية، بل عبر اكتشاف الرأسمالية المحلية الكامنة في عادات الناس وأساليب تنظيمهم التقليدية. بهذا المعنى، يمكن القول إن “الدرب الآخر” و“سرّ رأس المال” يشكّلان معًا بيانًا من أجل رأسمالية شاملة، تنبثق من المجتمع لا من فوقه، وتعتمد على دمج سكان العشوائيات والأسواق الشعبية في نظام الحقوق الحديث.
من المفيد أن نقرأ دي سوتو اليوم في سياقنا العربي، حيث تتجاور الثروات غير المستثمرة مع البيروقراطية الثقيلة، ففي معظم المدن العربية، يعيش ملايين الناس في مساكن بلا عقود ملكية واضحة، ويديرون أنشطة اقتصادية ضخمة خارج السجل الرسمي، هؤلاء هم تجسيد عملي لفكرة “الرأسمال الميت” التي تحدّث عنها دي سوتو، لكن تحويل هذه الثروة إلى رأسمال فعّال يحتاج إلى إصلاح قانوني وثقافي متزامن، لا إلى تسطيح المشكلات في مجرد إجراءات توثيق، فالعقبة ليست الورق وحده، بل منظومة من المصالح والفساد والاحتكار تعيق أي تحول بنيوي.
ومع ذلك، فإن دي سوتو يذكّرنا بأن الفقراء ليسوا عالة على المجتمع، بل لديهم طاقة اقتصادية مهدرة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بهذه الطاقة ومنحها الشرعية القانونية والمؤسسية التي تستحقها.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع دي سوتو، فإن فكرته تفتح أفقًا جديدًا للتفكير في التنمية من منظور مختلف، فهو يرى ما لا يراه الاقتصاديون الكلاسيكيون، أن الرأسمالية ليست نظامًا إنتاجيًا فحسب، بل نظام حقوقي رمزي ينظم العلاقة بين الإنسان والملكية. وأن فشلها في العالم الثالث ليس حتميًا، بل نتيجة غياب هذا النظام القانوني الذي يمنح الأشياء “هوية” في السوق، وبالتالي فإن «الدرب الآخر» كان إعلانًا عن الثورة من تحت، و«سرّ رأس المال» كان محاولة لتنظيمها فكريًا، يبدأ الحل من تسجيل بيت، أو ترخيص كشك صغير، أو عقد يربط بين يدٍ عاملة وأصلٍ منسي أي من التفاصيل الصغيرة التي تصنع مجتمعات كبيرة.