علي‮ ‬الشرقاوي - تجربتي‮ ‬الشعرية

أنا من مواليد عام النكبة،‮ ‬نكبة فلسطين،‮ ‬في‮ ‬السابعة من عمري،‮ ‬عشت تجربة الحركة الشعبية في‮ ‬البحرين والتي‮ ‬كانت تحت قيادة هيئة الاتحاد الوطني‮ ‬أو ما‮ ‬يسمى بالهيئة،‮ ‬وقفت مع الانتفاضة الشعبية في‮ ‬مارس‮ ‬‭,‬1965‮ ‬وشاهدت سقوط الحلم العربي‮ ‬في‮ ‬نكسة حزيران عام‮ ‬‭,‬1967‮ ‬كل هذه القضايا سكنتني‮ ‬عندما بدأت مشوار كتابة الشعر‮.‬
من الممكن القول إن تجربتي‮ ‬الشعرية مرت بمرحلة جنينية وثلاث محطات أساسية وتجربة رابعة مازلت أعيش فيها‮.‬

منطلقاً‮ ‬من البعد الوطني،‮ ‬الأيدلوجي‮ ‬اليساري‮ ‬بالذات،‮ ‬بدأت نشر تجاربي‮ ‬الشعرية الأولى،‮ ‬لذلك كانت قصائدي‮ ‬تعبر عن موقف سياسي‮ ‬حاد وتحمل الكثير من نقد للنظام السياسي‮ ‬وإدارة الاستخبارات والصراع الطبقي‮ ‬والوقوف في‮ ‬صف الطبقة العاملة ومشاركة اليسار العالمي‮ ‬بالحلم بالمجتمع الاشتراكي،‮ ‬ثم الشيوعي‮ ‬بعد ذلك‮.‬
بين عام‮ ‬1968‮ ‬وعام‮ ‬1975‮ ‬نشرت عشرات القصائد ذات المضامين السياسية‮ ‬
والوطنية الصارخة والمطالبة بالحرية التامة وحياة أفضل للإنسان البحريني‮ ‬والإنسان في‮ ‬العالم‮.‬

عندما نشرت مجموعتي‮ ‬الشعرية الأولى‮ ( ‬الرعد في‮ ‬مواسم القحط‮ ) ‬عام‮ ‬1975‮ ‬والتي‮ ‬كانت اغلبها مكتوبة بشكل متكرر لزيارتي‮ ‬للسجن بين عام‮ ‬1971‮ ‬إلى عام‮ ‬‭.‬1974‮ ‬قمت بإبعاد أغلب القصائد المنشورة في‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬لأخفف من حدة الروح التقريرية التي‮ ‬تتخلل معظمها،‮ ‬حيث روح التحريض والتعبئة السياسية تسود معظمها نتيجة لكوني‮ ‬ملاحقاً‮ ‬من الاستخبارات في‮ ‬البحرين،‮ ‬أو معتقلاً‮ ‬أو مهيئاً‮ ‬للاعتقال،‮ ‬فقد كنت أحد العناصر النشطة في‮ ‬المجال الطلابي‮ ‬في‮ ‬بغداد بين عام‮ ‬1968‮-‬1971‮ ‬و بعدها في‮ ‬المجال العمالي‮ ‬في‮ ‬إضرابات‮ ‬‭.‬1972
بعد صدور قانون أمن الدولة عام‮ ‬1975‮ ‬واعتقال العديد من كوادر الحركة الوطنية في‮ ‬البحرين،‮ ‬والذي‮ ‬كان نصيبي‮ ‬منها مدة أربع سنوات متواصلة،‮ ‬جلست طويلاً‮ ‬في‮ ‬السجن مع تجربتي‮ ‬الشعرية،‮ ‬ورأيت أن ما أكتبه ليس‮ ‬غير شعارات وطنية في‮ ‬قالب منظوم،‮ ‬يسمى قصيدة التفعيلة‮.‬
من هنا انفتحت أكثر على التيارات الشعرية المغايرة للمألوف والعادي‮ ‬والمكرر في‮ ‬العالم،‮ ‬تعايشت مع تجربة لوركا وزاملت رامبو وشربت الجعة مع بودلير،‮ ‬ودخلت تثوير الجملة الشعرية عند أدونيس،‮ ‬ولعبت مع حيوانات سليم بركات وبالطبع تنادمت مع قاسم حداد الذي‮ ‬كان معي‮ ‬في‮ ‬السجن،‮ ‬ويشرب معي‮ ‬قطيرات الحلم بالحرية التي‮ ‬خلقنا لها أجنحة كانت تطير بنا إلى أبعد كوخ في‮ ‬أقاصي‮ ‬العالم،‮ ‬وتجعل مناخ السجن أكثر حرارة ودفئاً‮ ‬وحيوية وحرية من الخارج المصادرة فيه قيمة الإنسان وكرامته وأحلامه‮.‬

في‮ ‬السجن خرجت من إطار قصيدة الموضوع،‮ ‬إلى قصيدة الرؤيا فكانت تجربة‮ (‬رؤيا الفتوح‮) ‬بداية لهذه المحطة وهي‮ ‬قصيدة طويلة تعبر بصورة مغايرة عما كنت أطرحه في‮ ‬التجارب السابقة مثل مجموعة‮ (‬هي‮ ‬الهجس والاحتمال‮) ‬ومجموعة‮ (‬المزمور‮ ‬23‮ ‬لرحيق المغنين شين‮) ‬
كانت‮ (‬رؤيا الفتوح‮) ‬و(نخلة القلب‮) ‬في‮ ‬تصوري،‮ ‬تجربتان مغايرتان لقصيدة الموضوع ثم جاءت بعدهما تجربة‮ (‬تقاسيم ضاحي‮ ‬بن وليد الجديدة‮) ‬والتي‮ ‬اندمجت فيها تجربتي‮ ‬الحياتية بتجربة الفنان الشعبي‮ ‬المعروف ضاحي‮ ‬بن وليد‮. ‬
وهي‮ ‬كما سماها الناقد الدكتور علوي‮ ‬الهاشمي‮ ‬في‮ ‬كتاب كامل‮ ‬يتكلم عن التجربة،‮ (‬قصيدة حياة‮)‬
كانت تلك التجربة،‮ ‬في‮ ‬تصوري،‮ ‬من التجارب الصعبة على القارئ البحريني‮ ‬فما بالك بالقارئ العربي،‮ ‬فقد حملت العديد من الرموز الخاصة والمبتكرة والشديدة الخصوصية،‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتعرف عليها إلا من عايشها‮. ‬تبعتها تجربة‮ ( ‬ذاكرة المواقد‮) ‬والتي‮ ‬في‮ ‬واقعها‮ ‬بمثابة ذاكرة للحركة الوطنية في‮ ‬البحرين،‮ ‬
من خلال بعض الأسماء المرموزة،‮ ‬برؤية مختلفة عما‮ ‬يطرح في‮ ‬الأدبيات السياسية،‮ ‬والتي‮ ‬لم تقرأ حتى من السياسيين الذين لا‮ ‬يعرفون التماهي‮ ‬واللغة الشفافة‮. ‬والتي‮ ‬تحاول أن تقول في‮ ‬ما بعد النص أكثر مما قاله النص‮.‬
بعد هذه التجارب رجعت إلى كتابة قصيدة المضمون في‮ ‬عدة مجموعات شعرية منها‮ (‬مائدة القرمز‮) ‬وللعناصر شهادتها أيضاً‮ ‬أو المذبحة ثم في‮ ‬مجموعة‮ (‬وآعرباه‮) ‬والتي‮ ‬كانت عبارة عن موقف ضد‮ ‬غزو النظام العراقي‮ ‬لدولة الكويت‮.‬

بعد فترة قررت الانتقال إلى أقاليم شعرية‮ ‬غير مطروقة وخلق عالمي‮ ‬الخاص المغاير لما هو مطروح في‮ ‬الساحة المحلية والعربية والعالمية فقمت بابتكار شخصية متخيلة فكانت تجربة‮ (‬مخطوطات‮ ‬غيث بن اليراعة‮) ‬وبعدها تجربة‮ (‬كتاب الشين‮) ‬والتي‮ ‬حاولت الابتعاد عن كتابة‮ (‬شعر‮) ‬ووضعت كلمة حققه علي‮ ‬الشرقاوي،‮ ‬ثم بعد ذك كتاب‮ (‬من أوراق ابن الحوبة‮) ‬التي‮(‬جمعها ووبوبها علي‮ ‬الشرقاوي‮)‬
القارئ العادي‮ ‬وحتى بعض النقاد لم‮ ‬يستوعبوا لعبة الشاعر فاعتبر‮ (‬كتاب الشين)هو كتاب محقق وليس شعر وأيضاً‮(‬من أوراق ابن الحوبة‮) ‬مر بنفس التصور من القراء الذين لا‮ ‬يستطيعون التفريق بين الرواية والشعر إلا من خلال التعريف بكلمة شعر أو رواية تحت عنوان الكتاب‮. ‬

وهي‮ ‬التي‮ ‬أعمل عليها الآن منطلقاً‮ ‬من رؤى،‮ ‬بعضها كانت متوفرة في‮ ‬بعض التجارب القديمة ولكنها الآن،‮ ‬كما أرى،‮ ‬اتخذت مساحات أكبر وهي‮ ‬الغوص في‮ ‬أقاليم ومحيطات التجربة الروحية على المستوى الإنساني،‮ ‬والدخول بصورة أعمق إلى العوالم الصوفية التي‮ ‬كنت أتعامل معها من الخارج منذ تجاربي‮ ‬الأولى‮. ‬في‮ ‬التجارب الجديدة أحاول التواصل مع المطلق واعتبار الإنسان قطرة نور في‮ ‬محيط الأنوار الكونية والرغبة الكلية للانسجام والتكامل مع كل ما هو موجود في‮ ‬الكون‮.‬

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى