غانية ملحيس - في تقدير يحيى بركات: الكلمة فعل والموقف وعي

تحية تقدير ليحيى بركات، صديق الفكر والموقف،
الذي يرى في الكلمة فعلا من أفعال المقاومة،
وفي النقد وفاء للمعنى لا خصومة مع أحد،
وفي الوضوح ضرورة في هذا الزمن الملتبس الذي يتوارى فيه كثيرون خلف الغموض والمواقف الرمادية.
إنّ قراءته لمقالي المعاد نشره «مرّة أخرى… بدعة حكومة التكنوقراط والمستقلين»
ليست مجرّد تفاعل مع نص، بل استعادة لجوهر الفعل الثقافي بوصفه وعيا وموقفا.
في تناوله للمقال لا يقرأ بركات الكلمات بسطحها، بل ينفذ إلى معناها العميق، إلى تلك المسافة الحرجة بين الفكر والسياسة،
حيث تختبر صدقية المواقف لا بلاغة الشعارات.
أقدّر في قراءته العميقة هذا الحسّ المقاوم الذي يرى في الفكر أداة فعل،
وفي النقد التزاما بالمسؤولية الجماعية تجاه الوعي الوطني.
إنّ يحيى بركات لا يعلّق على فكرة بقدر ما يشارك في إنتاجها، ويعيد تأكيد المعنى الذي نحاول معا الدفاع عنه:
أنّ التحرّر يبدأ من استعادة الوعي،
وأنّ كلّ إصلاح لا يستند إلى مشروع تحرري واضح، إنّما يُعيد إنتاج التبعيّة بأشكال جديدة.

قراءة يحيى بركات للمقال " مرة أخرى … بدعة حكومة التكنوقراط والمستقلين"
"هذا المقال الذي أعادت الدكتورة غانية ملحيس نشره هو نصّ فكريّ سياسيّ بالغ الأهمية، ليس لأنه يقدّم رأيًا جديدًا فحسب، بل لأنه يعيد ترتيب الوعي في زمنٍ اختلطت فيه النوايا بالشعارات.
كتبت د. غانية وكأنها تضع خارطة طريق وسط هذا الضباب الكثيف الذي يخيّم على المشهد الفلسطيني والعربي، تحذّر من الوصفة التي تُقدَّم لنا على أنها علاج، بينما هي في حقيقتها تخديرٌ للوعي الوطني.
تقولها بوضوح لا لبس فيه: إنّ “حكومة التكنوقراط والمستقلين” ليست خطوة إصلاحية، بل مشروع لتفريغ السياسة من معناها، وتحويل القضية إلى إدارة بلا روح، ووطنٍ بلا ذاكرة.
حين تقرأ المقال، تشعر أن الكلمات خرجت من عقلٍ يرى أبعد من الضجيج، ومن قلبٍ يعرف طعم الخديعة.
إنه ليس كلامًا أكاديميًا باردًا، بل تحذيرٌ مكتوب بحبر التجربة والمرارة.
تقول غانية: الخطر لا يأتي من العدو فقط، بل منّا أيضًا، من تلك النخب التي استبدلت البوصلة بالمنصب، واستعارت خطاب الإصلاح لتبرير التبعية.
تذكّرنا بأن “التكنوقراط” ليسوا سوى واجهة ناعمة لمشروع استعماري خشن، وأن “الاستقلال” لا يعني الحياد، بل الانسلاخ عن الهمّ العام، عن الذاكرة والحق، عن فلسطين نفسها.

في النص، تتبدّى غزة لا كمدينةٍ محاصرة، بل كرمزٍ يُراد اقتلاعه من الجغرافيا والذاكرة معًا.
فحين تكتب غانية عن “ريفيرا الشرق الأوسط”، فإنها تكشف النية الحقيقية وراء ما يُسوَّق اليوم كإعمارٍ أو إدارةٍ مدنيةٍ محايدة:
تفريغ المكان من أهله، وتحويله إلى مشروع سياحيّ نظيف من البشر.
إنها الصيغة الجديدة للاقتلاع، يخططها “الخبير” وينفّذها “المستقل”، بينما يُصفَّق لهم باسم التنمية والاستقرار.

وابن غزة يعرف تمامًا ما تعنيه هذه الكلمات،
لأنه عاش الحصار والدمار، ولأنّه يعرف أن من يتحدث عن “إدارة المرحلة” لا يعيشها.
وابن مدن وقرى الضفّة يعرف أيضًا،
فهو يواجه المستوطنين كل يوم، يرى الحواجز تتكاثر، والأرض تُلتهم،
ويعرف أنّ “المرحلة الانتقالية” التي يتحدثون عنها هي في الحقيقة مرحلة التحوّل من شعبٍ يقاوم إلى سكانٍ يُدارون.

هذا المقال يُعيد السؤال إلى مكانه الطبيعي:
هل يقرأ السياسي الفلسطيني ما يكتبه المفكرون والباحثون في هذا الوطن؟
هل يدرك أنّ مقالاتٍ مثل هذا ليست للقراءة، بل للبناء، وأنّ فيها بوصلة طريقٍ كان يجب أن تكون في جيب كلّ من يتحدث باسم الشعب؟
إنّ تجاهل هذه الأصوات الحرة هو السبب في التيه،
وأنّ من لا يسمع المثقف سيُجبره الواقع يومًا على أن يسمع الانفجار.

ما كتبته الدكتورة غانية ملحيس ليس تحليلًا سياسيًا، بل وثيقة ضمير.
صرخة في وجه “الوظيفيّة” التي تحوّلت إلى أسلوب حكمٍ وحياة.
ذكّرتنا أن السياسة ليست إدارة أزمة، بل إرادة مصير،
وأنّ التحرّر لا يحتاج إلى “خبراء”،
بل إلى أحرار يعرفون أن الوطن لا يُدار كما تُدار شركة،
بل يُحمى بالوعي، ويُصان بالموقف.

هذا النص يجب أن يُقرأ في كلّ مكتبٍ حكومي، وفي كلّ قاعة اجتماع، وفي كلّ بيتٍ فلسطينيّ،
لأنّه يُذكّرنا أن الخطر الأكبر ليس في القنابل التي تسقط من السماء،
بل في الأفكار التي تنزل من فوق الطاولة بابتسامةٍ ناعمة.
مقال غانية ملحيس ليس ضدّ أحد، بل مع فلسطين التي تُنسى كلّ يوم.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

غانية ملحيس
فلسطين

2/11/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى