د. أحمد الحطاب - وأخيراً، انتصر الحق… وزهق الباطل!

الهدفُ من هذه المقالة، هو انتصارُ الحق على الباطل، وبالضبط، انتصار قضيتنا الوطنية، أي قضيةُ الصحراء المغربية، رغم ما دُسَّ لها من تآمرٍ وعداءٍ وكراهية، وخصوصا، من طرف الحُكَّأم الجزائريين. وهذا الانتصار يتجلَّى في كون المنتظم الدولي، عبْر هيئة الأمم المُتَّحِدة ومجلس الأمن الذي اتخذ قرارا تاريخياً يجعل من مُقترح الحُكم الذاتي، الذي تقدَّم به المغربُ لنفس الهيئة سنة 2007، هو الأرضية الوحيدة التي يتِم حولها التَّفاوُض بين الأطراف المعنِية بقضية الصحراء المغربية.
وأنا أشرع في تحرير هذه المقالة، نحضرني الآية رقم 81 من سورة الإسراء التي نصُّها الكامل هو الآتِي : "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا".
في هذه الآية الكريمة، كلامُ الله موجَّهٌ إلى الرسول محمد (ص) الذي اختاره اللهُ، سبحانه وتعالى، لمتابعة نشرِ رسالة الإسلام، علماً أن هذا النشر بدأ مند نوح، عليه السلام، الذي كان، حسب القرآن الكريم، أول الرسل والأتبياء، مع توضيحٍ مُهمٍّ جداً. كان الرسلُ والأنبياء، عليهم السلام، يُبعثون لأقوامٍ معينة بينما الرسول محمد (ص) بُعِثَ للبشرية جمعاء. وهذا يعني أن اللهَ، سبحانه وتعالى، أراد الإسلامَ، كدينٍ، للناس جميعا، تارِكاً لهم حريةَ الاختيار، بعد أن بيَّن لهم ما هو الحق وما هو الباطل.
ولهذا، فإن كان كلامَ اللهِ، سبحانه وتعالى، مُوجَّهاً للرسول محمد (ص)، حين كان يواجِه جحودَ الكفار والمشركين لرسالة الإسلام، فمضمون هذه الآية الكريمة صالِحٌ لكل زمان ومكان. لماذا؟
لأنه، ما دامَ الرسول محمد (ص) بُعِثَ للبشرية جمعاء، وما دامت المجتمعات البشرية المُتحضِّرة، كلها مبنِيةٌ على الحق وتنبذ الباطلَ، بل وأنشأت لمواجهة هذا الباطل أعرافاً des normes وقوانين des lois، فمضمون هذه الآية الكريمة، كما سبق الذكرُ، صالِح لكل زمانٍ ومكان.
والله، سبحانه وتعالى، دائماً ينصر الحقَّ غلى الباطل، كما جاء ذلك في الآيتين الكريمتين، المُشار إليهما أسفلَه :
1."بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" (الأنبياء، 18》.
2."لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" (الأنفال، 8).
في هاتين الآيتين الكريمتين، واضٍحٌٌ أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد نصرَ الحق على الباطل. كيف ذلك؟ في الآية الأولى، يقول، سبحانه وتعالى، "فَيَدْمَغُهُ"، أي أن الحق يدمغ الباطلَ، بمعنى يُبطِله ويتفوَّق عليه، فيضمحِلُّ هذا الباطِل، أي يتلاشى ويصبح زاهِقاً. في الآية الثانية، يقول، عزَّ وجلَّ : "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ…"، أي ليحلَّ الحقُّ محلَّ الباطل، بمعنى نصرِ الحق على الباطل.
واصحٌ، وضوحا تاماً، من خلال هاتين الآيتين، أن الحقَّ، طال الزمان أم قَصُر، يتغلَّب دائما على الباطل. وحتى يستطيعَ البشرُ من إدراكِ تَغَلُّبِ الحق على الباطل، لا بد من تشغيل عقولِهم. بمعنى أن العقلَ، الذي هو هِبةٌ من الله، هو الذي يُفكِّر وهو الذي قادر على رؤية هذا التَّغلُّبِ، بالملموس، على أرض الواقع. والتاريخ، في هذا الصدد، حافلٌ بالأمثلة التي تبيِّن تغلُّبَ الحقِّ على الباطلِ.
من بين هذه الأمثلة، سأذكر ثلاثة مراحل تاريخية مرَّت منها البشريةُ وتُبيِّن، بوضوحٍ، تَغَلُّبَ الحق على الباطل، أي أن العقلِ البشري فكَّر وحلَّل و وَصَلَ إلى الحقائق التالية :
1.طيلةَ قرون بأكملِها، كان الناس، وخصوصا، رجالُ الدين، والكنيسة، يعتقدون أن الأرضَ هي مركزُ الكون، أي كانوا يُؤمنون بنظرية مركزِية الأرض le géocentrisme إلى أن تبيَّنَ للعقل البشري، بالدَّلائِل العلمية، أن الشمسََ هي مركز الكون، أي ظهرت نظريةٌ جديدة تُبيِّن العكس، وهي نظرية مركزية الشمس l'héliocentrisme.
2.كذلك، طيلةَ قرون بأكملِها، كانت العبودية l'esclavage سائدةً في المجتمعات البشرية. بمعنى أن الناس الأقوياء، مادياُ أو معنوياً، كانوا يفرضون سيطرتَهم واستبدادَهم على الضعفاء، إذ كانوا يستغلُّونهم استغلالاً بشِعاً ويُجبِرونهم على القيام بالأعمال الشاقة حيث كانوا هم مَن يجني ثمارَ هذه الأعمال الشاقة. إلى أن ظنرَت، خلال القرن العشرين، موجةُ المساواة بين البشر، بغض النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية، العِرقية، الاقتصادية، الثقافية، اللغوية…، وخصوصا، عندما ظهرت، بعد الحرب العالمية الثانية، الأمم المُتَّحِدة والتَّصريح العالمي لحقوق الإنسان la déclaration universelle des droits de l'homme. حينها، تمَّ إلغاءُ العبودِية، بصفةٍ نهائية.
3.ظهور التَّصريح العالمي لحقوق الإنسان، وبالضبط، يوم 10 دجنبر 1948 بباريس أثناء اجتماع الجمعية العامة للأمم المتَّحِدة. حينها، أصبح للإنسان قيمة يُجسِّدها هذا التَّصريح الذي يُعْتَبَرُ، حسب الكثير من الدَّساتر الوطنية les Constitutions ،nationales تصريحاً له الأسبقية على كل القوانين الوطنية.
هذه الأمثلة الثلاثة تبيِّن، بوضوحٍ، أن الإنسانَ، لما يُشغِّل عقلَه، فإنه، لا محالَة، يُدرِك بأن الحقَّ، طال الزمان أم قصُر، يتغَلَّب على الباطل. لكن اللهَ، سبحانه وتعالى، يطلب من الناس، جميعا، أن يعملوا من أجل نُصرة الحق على الباطل، أي أن يجتهِدوا ويكافِحوا، من أجل هذه النُّصؤة. لماذا؟
لأن الحقَّ لا تُمطِره السماء، بل لا بدَّ من التفكير والاجتهاد والعمل لإحقاقه، أي لإيجادِه. في المجتمعات البشرية المُتحضِّرة، يتساكن الحقُّ مع الباطل. لكن التَّحضُّرَ يفرض على هذه المجتمعات أن تعمل من أجل نُصرة الحق على الباطل.
وهذا هو، بالضبط، ما فعله المغاربة، شعباً ومؤسسةً ملكِيةً. حيث فكروا واجتهدوا وعملوا وصبروا طيلةَ نصف قرن من الزمان ليروا نُصرةَ الحق على الباطل. وعلى رأس هذا التفكير والاجتهاد والعمل والصبر، تأتي، بكل اعتزازٍ وفخرٍ، دبلوماسية صاحب الجلالة، الملِك محمد السادس الذي غلَّب العقلَ على العاطفة ونظر لقضيتِنا الوطنية بتبصُّرٍ وبعد نظرٍ وتأنٍّ وعدم اتِّخاذ القرارات بتسرُّعٍ. بل إنه تابع عملَ والِدِه المرحوم الحسن الثاني وصبر مدَّةَ ربع قرن من الزمان، حتي يقنِعَ أغلبيةَ الدول بعدالةِ هذه القضية. وهو ما فعل وما يفعلُه في جميع القضايا الوطنية. ملِكٌ يريد الخيرَ للبلاد والعباد.
بينما الطَّرفُ الآخرُ، أي كل حكَّام الجزائر، عسكريون ومدنبون، منذ استقلالِها سنةَ 1962 إلى يومِنا هذا، وليس البوليساريو le polisario، جعلوا من هذه القضية مطِيةً يخدعون بها الشعبَ الجزائري، وبالتالي، يبسُطُون سيطرَتَهم عليه للبقاء في الحُكم ولنهْبِ الأموال العائدة من بيع النفط الخام والغاز الطبيعي وإنفاقِها في أمورٍ لا علاقةَ لها لا بكرامة المواطنين الجزائريين ولا بتنمية البلاد وتقدُّمِها.
لو شغَّل هؤلاء الحكام عقولَهم، وأرجِّح أنهم شغَّلوا هذه العقول، لكنهم يتغاضون عن ما وصلوا إليه من جراء هذا التشغيل. وذلك لأن أنانيتَهم واستفادتَهم من كراسي السلطة، لا تسمح لهم بنصرة الحق على الباطل.
لو شغَّلوا عقولَهم، لأدركوا أن الشعبين، المغربي والجزائري، تربِطهما علاقات تاريخية، جغرافية، اجتماعية، دينية، ثقافية، لغوِية، وَحدَوِية، نضالية…
لو شغَُل هؤلاء الحكام عقولَهم لأدركوا أن البلدين متكاملان اقتصادياً ويُعدَّان، إلى جانب البلدان الثلاثة الأخري، قوِّةً ديمغرافية واقتصادية يُحسَب لها، إن وُجٍدت، ألف حساب، وخصوصا، لما يتعلَّق الأمرُ باتَّفَاوض مع نكتُّلاتٍ أخرى.
لو شغَّلوا عقولَهم لأدركوا أن هدر الزمان له ثمن، ويُكلِّف بلدان شمال أفريقيا ضياعَ نفطتين، أي اثنان في المائة، سنوباً، من نسبة النمو. لكن حكَّام الجزائر، عسكريون ومدنيون، أعطوا الأسبقية لأنانِيتِهم، وبالتالي، فضلوا مصالحَهم الشخصية على مصالح البلاد والعباد.
لكن المغاربة والمؤسسة الملكية شغلوا عقولَهم ولم يوقفوا قطار التنمية. تركوه يسيرُ بخطى ثابتة، وفي نفس الوقت، حرَّكت المؤسسة الملكية الدبلوماسية الفعالةوالمبنية على تبادل المصالح، لكسب المزيد من الدَّعم لقضيتِنا الوطنية. وهو ما حصل، فعلاً، إلى أن تمَّ تتويجُ هذين الجُهد والعمل بالقرار التاريخي الذي أصدرَه مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر 2025، القاضي باعتبار مقترح الحكم الذاتي، هو الأرضية الوحيدة التي سيتمُّ حولها التَّفاوضُ مع الأطراف المعنية بقضية الصحراء المغربية.
بينما الطرف الآخر، أي حُكام الجزائر، اكتفوا برفع الشعارات الفارغة التي تجاوزها الزمان ولم تعد صالحة للتَّطوُّر الحاصل في المجتمعات البشرية، سياسياً، اقتصاديا، تكنولوجياً وعلميا. شعارات كان لها مفعولٌ أيامَ الحرب الباردة القائمة بين المُعيكرين، الغربي والشرقي أو بين الليبرالية le libéralisme والاشتراكية/الشيوعية le socialisme/communisme. بل إنهم صعَّدوا من عدائهم للمغرب والمؤسسة الملكية التي يطلقون عليها اسمَ "المخزن".
بل إن الدبلوماسية الجزائرية، تكريساً لعدائها للمغرب، فضَّلت التسابق الجنوني نحو التسليح المفرط la course effrénée à l'armement excessif، عوض أن تُصرَفَ موارد بيع النفط الخام والغاز الطبيعي في تنمية البلاد والعباد، إلى أن انتصر، أخيراً، الحق على الباطل، طال الزمان أم قًصُرَ!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى