مصطفى معروفي ــ عباس محمود العقاد

ماذا بإمكاني شخصيا أو بإمكان أي شخص آخر أن يضيف إلى ما قيل وما يقال وما سيقال عن عملاق من عمالقتنا المعاصرين في الفكر والأدب ،عملاق استثنائي حتى طه حسين كان يتهيبه ويعمل له ألف حساب حين يتحدث عنه أو عن بعض آرائه كما يتهيب حتى أنصاره وأعني هنا بالعملاق عباس محمود العقاد (1989ـ1964) أحد عمالقة الفكر العربي الحديث وأدبه.
في حداثة سني كنت أسمع المديح الذي يكال للعقاد من طرف أترابي وأصدقائي ، وقد قال لي أحد الأصدقاء آنذاك وقد سمع ذلك ممن كانوا يدرّسونه: "العقاد سماه سعد زغلول جبار المنطق"،وهي جملة رسخت في ذهني مع صورة الصديق الذي صار أستاذا للغة العربية في ما بعد.
عرف العقاد بعدائه الواضح لشعر التفعيلة (سؤال: لو كان العقاد حيا الآن ماذا كان سيقول في قصيدة النثر؟)، وهو عندما كان أمينا للمجلس الأعلى للفنون والآداب ومقررا للجنة الشعر فيه كانت تأتيه مجموعة من دواوين شعر التفعيلة فيقرؤها ويضعها في ظرف ويكتب على ظهر المظروف عبارته الشهيرة:
إلى لجنة النثر للاختصاص
وقد رفض العقاد أن يمثل في الشعر مصر شاعران هما صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي في العاصمة دمشق (رأيي : حجازي وعبد الصبور شاعران كبيران وهما من أعمدة الشعر العربي المعاصر) وهدد بالاستقالة لو تم للشاعرين ذلك، فرضخ يوسف السباعي رئيس المجلس وقتها وألغيت مشاركة حجازي وعبدالصبور.
ما حدث لاحقا هو أن حجازي كتب قصيدة هجاء في العقاد ، قصيدة موزونة مقفاة على بحر البسيط ، وقد فعل حجازي ذلك حتى يثبت للعقاد بأنه شاعر حقا ، وأنه قادر على الشعر العمودي كما هو قادر في نفس الوقت على شعر التفعيلة.
يقول حجازي في القصيدة:
من أي بحر عصيّ الريح تطلبه
إن كــنت تــبكي عليه نحن نكتبه
يا من يحدث في كل الأمور ولا
يــكاد يــحسن أمــراً أو يــقاربه
أقــول فــيك هــجائي وهــو أوله
وأنـــت آخـــر مــهجو وأنــسبه
تعيش في عصرنا ضيفاً وتشتمنا
أنـــا بــإيقاعنا نــشدو ونــطربه
وأنــنا نــمنح الأيــام مــا طــلبت
وفــيك ضاع من التاريخ مطلبه
وفــيك لا أمــسنا زاه ولا غــدنا
وفــيك أبــهت مــا فــينا وأكــذبه
وتــدعي الــرأي فــيما أنت متهم
فــيــه وتــســألنا عــمــا تــخربه
وإنــه الــحمق لا رأي ولا خلق
يعطيك رب الورى رأساً فتركبه
مــستفعلن فــاعلن مستفعلن فعلن
مــستفعلن فــاعلن مستفعلن فعلن
بارك الله في شاعرنا أحمد عبد المعطي حجازي الذي أتحفنا وأمتعنا بموجة من الدواوين منها"كائنات مملكة الل" و"مدينة بلا قلب"، ورحم أستاذنا وأستاذ الأجيال العقاد الذي تحتل مؤلفاته القيمة حيزا من خزانة كتبنا، وعلى ذكر مؤلفات العقاد ففي يوم سألوه عن أحب مؤلفات وأقربها إليه فأجاب:
ـ ابن الرومي... حياته من شعره (أدب)
ـ سعد زغلول (تراجم)
ـ عبقرية عمر (عبقريات
ـ وحي الأربعين (ديوان شعر)
ـ الله (فلسفة)
ومن طرائف العقاد ومن ذكائه ونباهته أنه سئل في إحدى المرات عن ذكاء اليهود، فقال إنهم ليسوا على درجة كبيرة منه كما يشاع عنهم، فإخوة يوسف وهم من أئمة اليهود وكبرائهم لما جاءوا بقميص أخيهم يوسف لأبيه يزعمون بأن الذئب أكله نسوا أن يخرقوه ، فكانت الدماء على القميص والقميص سليم ، ولما لاحظ أبوهم يعقوب ذلك قال لهم :
أي ذئب حكيم هذا الذي يأكل يوسف ويترك قميصه سليما بلا خرق.
اللهم ارحم العقاد بقدر ما قرئت مؤلفاته وبقدر ما كتب عنه من بحوث ودراسات ، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

تعليقات

موضوع جديد، وشخصية مفكر أخر من أحب الكتاب إلى نفسي شخصية شامخة ذات انفة وكبرباء، وإباءـ ورأي سديد وحصيف.
العقاد كاتب عصامي، تنبأ له الشيخ محمد عبده بمستقبل زاهر في إحدى زيارات الشيخ لمدرسته، وتقدم العقاد التلميذ للترحيب به، لم ينتظم العقاد في سلك الوظيفة بشكل منتظم، فانخرط في ميدان الكتابة الصحفية والنضال الوطني، بزي وحماس وفدي.
لم يتزوج العقاد، ولم ينجح في الحب، كما نجح في الفكر والثقافة وبنى لنفسه مجدا، وصرحا ادبيا شاهقا، إذ أحب ثلاث نساء هن مي زيادة، وسارة التي ألف فيها رواية قصيرة، وغادرها حين اكتشف خبانتها له ، ثم فنانة شابة تلاعبت بمشاعره.
عرف العقاد بشهادته وصراحته وانتقد الخديوي وسجن، ولم يقبل العفو، ولاقى الكثير من المضايقات، والمنع والحظر، كما عاش ظروف صعبة بسبب ضيق ذات اليد
كتب العملاق ازيد من سبعين مؤلفا في شتى صنوف المعرفة، من العبقريات إلى السير والشعر والأدب الى علوم الفيزياء، وانشا له مدرسة شعرية شهير هي مدرسة الديوان مع المازني وعبدالرحمن شكري الذي انحدر من أصول مغربية.
وفشل في حيازة إمارة الشعر خلفا لأحمد شوقي التي دعا إليها بعض الشعراء لولا تصدي آخرين على رأسهم طه حسين.
كان العقاد من أكبر المعادين لجماعة الاخوان، مشبها اياهم باقي النعوت والأوصاف، وحرر مقالات ضدهم، وهددوه بالاغتيال.
وتميت شخصية عباس محمود العقاد بكرهه وببغضه للأشخاص المتغطرسين المغرورين من الكتاب، وكدبه وعطفه على المبتدئين والمغمورين من الناشئة، ولعل أصدق مثال هو السوداني معاوية محمد نور -شاب نابغة دون التاسعة عشرة- الذي دعاه إلى ندوات صالونه الأدبي الاسبوعي كل جمعة، وثقها أنيس منصور في احد اهم كتبه عن العملاق.
تسلم صديقي وكل التقدير والاحترام لك
 
تحية طيبة لك السي المهدي
سأكتب اليوم عن ثلاثة أمور تتعلق بالأستاذ المرحوم العقاد عنت لي وأنا أقرأ تعقيبك الجميل على مقالي المتواضع.
1 ـ هو ما قرأته في سيرة المرحوم سلامة في كتابه "تربية سلامة موسى " أن الكاتب كان يتذمر عندما يجد كتبه لا تجد الإقبال المطلوب لها من القارئ وهي كتب تنبه إلى العلم وتحث عليه وتطلع الناس على النوابغ فيه من أهله،بينما كتب العقاد حسب رأي سلامة تجد رواجا وهي من السهولة تأليفها إذ من أي كتاب في السيرة مثلا يستطيع أن يكتب عن معاوية بن أبي سفيان أو عمر الخ .
2 ـ لاحظ البعض أن العقاد كان عصبي المزاج ،ولذا فهو قد يهيج ويثور لأتفه الأسباب (بصراحة أنا شخصيا لما قرأت كتابه "الديوان" مع صديقه إبراهيم عبد القادر المازني لم أتحمس له).
3 ـ في كتابه الجميل "ابن الرومي... حياته من شعره"أعجبني استنتاجه أن ابن الرومي كان مصابا بداء السكري لنه يكثر من شرب الماء.
والعقاد لم يعاد الإخوان المسلمين وحدهم بل عادى الشيوعية كذلك ،وقد قرأت كتابيه وهما عندي "الشيوعية والاستعمار" و"مذاهب ذوي العاهات"ومعاداته للإخوان ربما لما لاحظه عليهم من سلوك لا يتماشى مع ما يبشرون به ويزعمون أنهم يعتقدونه.(لي صديق مؤّذن في مسجد وأحيانا يصلي بالناس وسرق مني وهو داخل منزلي كتاب"الأغلبية المخدوعة "لمحمد أوراضي،وقد بحثت عن الكتاب بين كتبي حتى (طَبْت)،ولم أشك يوما بأن شخصا مثله يسرق،حتى جاء يوم وتحدث لي عن الكتاب ربما سهوا منه وربماظن أنني لم أعد أتذكر الكتاب"والحمد لله أن الكتاب الآخر لأوراضي "وسقط القناع" لم يسرقه مع أنه ـ الكتاب ـ كان بجوار "الأغلبية المخدوعة"،وهذا الشخص ملتحٍ ويحضر الولائم والعقيقات وعشاءات الجنائز ويلقي الموعظة في الحضور ،إنه نفاق صارخ وقد صدق أحدهم لما كان يناديه ب"لحية الشيطان".
لا هنتَ مولانا
 
التعديل الأخير:
تحية صديقي الرائع السي مصطفى
مهمة هده الاشارات التي سقتها حول سيرة العقاد الاشكالية، والمركبة ايضا،
واحب ان ارمز إلى نقطتين في نزوات و سلوك العقاد تتعلقين بقوته وضعفه، فقد كان عنيدا، غامضا، وكان الكتاب يتقون غضبه، وكان طه حسين يكن له احتراما، ربما لأنه يخشى قلمه اللاذع، ونقده العنيف، ، الذي سلطه على الرافعي في أعنف خصومة ادبية عبر التاريخ العربي منذ الفرزدق والاخطل وجرير. إلى درجة أن الرافعي أصيب بنزيف دماغي وقضى بسببه.
واشتهر أيضا بأنه كان ملتزما بالوقت، حريصا على دقة مواعيده، وكان يخرج للموعد ساعة قبل الوقت المحدد.
وبخلاف تلك القوة لديه كان بالمقابل هشا ضعيفا رخوا في رسائله لمي زيادة، ومقارنة مع الرسالتين اللتين نشرتها له بملف رسايل الأدباء نلاحظ فوارق اللهجة بينهما وبين رسائله إلى باقي أصدقائه من الكتاب
من خلال ما سقته حول استنتاج العقاد حول إمكانية إصابة ابن الرومي بمرض السكري هو صحيح نسبيا لأنه كان يحب الاكل ويفرك فيه أيضا. ولهذا دسوا له السم في الحلوى.
ولنا عودة لإثارة جوانب أخرى من سيرة العملاق، تتعلق رفضه لشهادة الدكتوراه، واحتضانه لشاب سوداني
صادقه صدفة في إحدى المكتبات، وانتحار فتاة ألقت بنفسها يوم وفاته
تحياتي
 
تحية وارفة لك أخي الطيب الخلق السي المهدي
قرأت "تحت راية القرآن "كتاب الرافعي الذي يرد فيه على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي ،فوجدته صائبا حسب رأيي في بعض النواحي ومتهافتا في بعض النواحي ،كما قرأت كتاب"معارك طه حسين الأدبية والفكرية "وهما كتابان من الكتب التي تتزين بها خزانة كتبي المتواضعة،وفي الكتاب الأخير وجدت طه حسين على مقال للرافعي أرسله إلى جريدة السياسة للنشر وقد عقب العميد على المقال بأن أسلوبه ـ المقال ـ قد تجاوزه العصر،وأن طه حسين سينشره في الجريد مضطرا .
في نظري أن الملاسنات وحتى المناكفات أحينا قد تنتج لنا أدبا قد يكون مفيدا للأدب نفسه ،وربما يكون مسليا يجد فيه بعض القراء ترويحا على النفس.ونحن في المغرب رأينا مثل هذه الحالة حينما حمي الوطيس حول "أزمة النقد"بين كبور المطاعي/أحمد المجاطي واسمه الحقيقي هو أحمد المعداوي وهو أخو المرحوم الشاعر مصطفى المعداوي وبين البشير الوادنوني/إدريس الناقوري ،حتى اختلط الحابل بالنابل في هذه المعركة وأصبح حتى النكرة يضرب بسهم فيها.
عشت سالما معافى مولانا
 
تحية اخي الطيب الوقور السي مصطفى
تحفل السيرة العطرة لعباس محمود العقاد الفكرية بالعديد من المحطات المضيئة والمنيرة، فهو كان معتدأ بنفسه في انصاف، متعاظما بثقافته في افراط، ويروي أنيس منصور
(في يوم نشرت الصحف أن جامعة القاهرة سوف تمنح الأستاذ عباس العقاد الدكتوراه الفخرية. وفي يوم الجمعة، وهو يوم الاجتماع بالأستاذ، هنأناه. ولكنه قال: «أنا يا مولانا رفضتها..».
فقلت: لا بأس، إن برنارد شو رفض جائزة نوبل! ولكن لماذا يا أستاذ؟
قال وكان كلامه مفاجأة ولم يجرؤ أحد على أن يصحح للأستاذ العظيم هذه المعلومة الصغيرة. قال الأستاذ: «الدكتوراه، ومن الذي يعطي للعقاد الدكتوراه؟!».)
وتساءل امتمهم بأن أساتذة الجامعة الذين يودون منحه هذه الشهادة لا يقرأون ولا يؤلفون. ويانف أن يقبل هذه الشهادة غير المستحقة.
وقد كان أول كتاب قراته للعقاد هو إبراهيم ابو الأنبياء، وعمري حوالي السبعة عشر ، ولم افهم منه شيء وتوالت قراءاتي لكتبه، المغرقة في الغموض والكفكاوبة، حتى أن طه حسين صرح غير ما مرة عن غموض كتابات العقاد وأنه لم يفهمها. ونشبت بينهما خلافات ومعركة أدبية لكن في لين وعفة ووقار. بخلاف خصام الرافعي العنيف والدامي، لانه كان يخشى سطوته.
وقد أحببت كتابات العقاد لأنها متنوعة وموسوعبة، وتصدق عليها الآية الكريمة "ما فرطنا في الكتاب من شيء". واصدقك القول اني استعرت اسمه لبطل مجموعتي القصصية الأولى.
ويخيل لي أن ابن أخيه عامر العقاد هو من أنصف العقاد من خلال كتابه "الكلمات الأخيرة للعقاد".
كما واظبت على تجميع مقالاته ومساجلاته المنشورة بمجلة الرسالة في متصفح ضخم يعشرات المقالات.

 
تحية مودة وتقدير لك السي المهدي
وأنا في إحدى دول الخليج وجدت الناس هناك شغوفين بالعقاد ولا يكادون يأبهون بطه حسين ،ولم أعرف السبب الثاوي وراء إهمال هذا والاهتمام بذاك إلا بعد أن عدت إلى المغرب وحاولت فهم مالأمر.
فوجدت أن العقاد في عهد الملك عبد العزيز كتب قصيدة في مدح هذا الأخير ،يقول فيها ،وقد سافر معه في رحلة في البحر:
أسد العرين يخوض غيل الماء
يا بحر راضك قاهر الصحراء
حــياه بــاديها وحــاضرها معاً
فــاغنم تــحية يــومه الــوضاء
يــوم مــن البشرى يردد ذكره
ركــب الــسفين وجيرة البيداء
إلى آخر القصيدة وقد قال فيها ربما مالم يقله شوقي في الخديو عباس، وقد عادى العقاد شوقي وأراد أن يخمل سمعته حتى قال أحد الشعراء في ذلك إذا لم تخني الذاكرة:
شــوقي تــولاه عباسٌ فأظهره
واليوم يخمله في الناس عباسُ
والعقاد هو الذي قال عن الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية:
إذا عرفتَ الملك عبدالعزيز ثلاثة أيام، فكأنك قد عرفته ثلاث سنوات، أو لازمته في أطول الأوقات، لأن هذا الرجل العظيم مطبوع على الصراحة، ووضوح المزاج.
الحاصل أنني عرفت سر تعلق (السواعدة) بالعقاد.أما موقفهم المناوئ لطه حسين فناتج عن حينما شكك العميد في وجود إبراهيم وإسماعيل حقيقة في كتابه "في الشعر الجاهلي"وقال بأن ذكرهما في القرآن وفي التوراة لا يكفي للدلالة على أنهما شخصان تاريخيان كانا موجودين بالفعل.
حيّاك الله مولانا
 
تحية مجددة اخي السي مصطفى
مما اشتهر عن عباس محمود العقاد شدته وقسوته وصرامته وشراسته، وعناده، ونرجسيته،، وهي صفات متاصلة في الأدباء منهم طه حسين، وعبدالقادر القط الذي كان الأدباء يخشون مخالبه، وسلامة موسى الذي كان يدافع عن مشروع ثقافي، وتأثر به نجيب محفو مثلما تأثر ايضا بالمنفلوطي واخلص في وفاته، وجعله احد أبطال رواباته، وعلق صورته في غرفته، وبكى حينما كتب المازني مقالة قاسية بحقه. العقاد والمنفلوطي اللذان أعلن ولائي لهما على الدوام برغم تناقضهما الظاهر.
والعقاد هو واحد أربعة تركوا بصمتهم على ديوان الشعر العربي المعاصر، بعد مدرسة محمود سامي البارودي، ومدرسة ابوللو لالياس ابو شبكة، ومدرسة الشعر الحر مع نازك الملائكة. واشتهر بشعره الفلسفي، وخبرته في النقد، إلى درجة ان طه حسين كان يهابه ويحترمه بل يهديه برغم خصومتهما العابرة، واهدى إليه رواية دعاء الكروان. (وحين انضم الدكتور طه حسين إلى الوفد المصري، كان حذراً هياباً من منافسة كاتب الوفد الأول الأستاذ عباس محمود العقاد فجعل يسترضيه بكل ما يمكن التوسل به، وقد أتيحت له الفرصة حين أصدر العقاد ديوان (وحي الأربعين) وَوَاجَه عاصفة نقدية تزعمها الكاتب مصطفى صادق الرافعي حين ذلك هتف طه حسين بمبايعة العقاد أميراً للشعر، في حفلة تكريمية للعقاد، وفي مقال تال بمجلة (الرسالة) ، وكان مما قاله طه حسين : إني لا أومن في هذا العصر الحديث بشاعر كما أومن بالعقاد، أو من به وحده، لأني أجد عند العقاد ما لا أجد عند غيره من الشعراء، فضعُوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء : اسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم مصاحبه)


***

كان العقاد حريصا على نقاء الشعر، ووقف سدا منيعا بوجه الشعر الحر ووصفه بالمنثور، ولم يقبل بغير الشعر العمودي الكوزون بديلا، وقد تصدى للجنة التحكيم التي حاول رئيسها يوسف السباعي تمرير ديواني الشاعرين عبدالصبور وحجازي، واصر على استبعاد مشاركتهم، وحينما كتب رجاء النقاش مقدمة لديوان أحمد عبد المعطي حجازي مدينة بلا قلب، انتقد العقاد رجاء النقاش، وكان يشير إليه بـاسم الآنسة رجـاء على سبيل السخرية، ويطلق على أدب هؤلاء الأشخاص الأدب القرمزي إشارة إلى انهم من اليساريين، وكان يبالغ أحيانا على عادته؛فيقول أدب الفراش.
وقد تضايق الشاعر حجازي مما كتبه من هجاء بحق عباس محمود العقاد، وصرح: (أتمنى أن يكون اجتماعنا الليلة فاتحة احتفال قومي بالعقاد، لأننا محتاجون إلى العقاد، وأتمنى أن نقترب منه أكثر مما استطعنا أن نقترب منه من قبل، وأن نعرفه أكثر مما استطعنا أن نعرفه من قبل.
وأضاف أحمد عبد المعطي حجازي: العقاد عالم حافل بالمعرفة والرأي والثقافة والفضائل والمثل العليا التي نحتاج إليها والعقاد في هذه الأيام ينبغي أن يكون حاضرًا لأن مصر محتاجة إليه وقراء العربية جميعا محتاجون إليه)


***

جانب آخر من شخصية عباس محمود العقاد، يذكر له، إنه كان متواضعا، يجالس عامة الخلق، وكان يتجول لساعات على رجليه كنوع من رياضة المشي لملاقاة الناس البسطاء فقد كان مفكرا مشائيا، وفتح صالونه الأدبي يقدم فيه ندوات صباح كل جمعة، ويقولون عنه:
"والعقاد متعاظمٌ دائماً مع الكبراء، ولكنه متواضع جداً مع الناس... يرحب بمصاحبة الناشئين، ويأنف من مسايرة المرموقين".
يروي عمر علي أحمد التروِّس، وقد كان من المداومين على ندوة العقاد بالقاهرة، عن أول لقاء جمع العقاد بشاب سوداني سيكون له شأن كبير في عالم الأدب والفكر، محاججا ومساجلا لكبار المفكرين في صالون العقاد الذي استاثره لحضور ندواته، يدعى معاوية محمد نور..
( لقد كان العقاد يجلس في مكتبة ومعه مجموعة من أصدقائه وفجأة يدخل شاب في مفتتح الشباب وخواتيم الصبا أسود اللون وسيم الطلعة ويبدأ في إنتقاء مجموعة من الكتب وعندما هم بالخروج نده عليه العقاد قائلا:
- تعال يلا
فذهب معاوية نحوه بثقة وإعتداد، فأخذ العقاد من يديه الكتب وقلبها وقال:
- مين باعتك بالكتب دي؟
أجاب معاوية بهدوء:
- هذه الكتب لي
قال العقاد:
- إنت تقرأ للكاتب ده(ولوح بكتاب)
قال معاوية وإبتسامة في شفتيه:
- قرأت له قبلها كتاب كذا وكذا وكذا وكذا.....
نظر العقاد الى أحدهم وقال:
- قوم يا بغل.. إجلس يابني.. )
وحينما توفي هذا الشاب العبقري والنابغة ابى العملاق الا ان يقف على قبره في احدى زياراته للسودان، ويخصه بقصيدة تأبينية جاء فيها:
(أجل هذه ذكرى الشهيد معاويـة
فيالك من ذكرى على النفس قاسيـة
أجل هذه ذكراه لا يــوم عرسه
ولا يوم تكريم ودنياه باقيـــــة)
إلى أن يقول:
(بكائي عليــــه من فؤاد مفجع
ومن مقلة ما شوهدت قط باكيــة
بكائي على هذ الشباب الذي ذوى
وأغصانه تختال في الروض ناميـة
ويقول في ختام القصيدة:
وياعارفيــه لا تضنوا بذكره
ففي الذكر رجعى من يد الموت ناجيه
أعيروه بالتذكار ما ضن دهره
به عيشة في مقبـــل العمر راضيه)


بخصوص المعارك الادبية وقد تختلف عن الخصومات -التي تدخلها الحساسيات، والاحقاد والضغانن، والحسد، والغل، والتحامل، والشتائم. وبعض وقد ورعض هذه المعارك سجلها التاريخ الأدبي وتدرس.
وهناك معارك عفيفة مثل المعركة التي دارت رحاها بين الدكاترة زكي مبارك والسباعي بيومي غنية بالحجج والأفكار الوجيهة، أو بين د. طه والعقاد، وهي غير الخصومة الأدبية الشرسة بين العقاد والرافعي وانتهت بمصرعه. وقد قرأت ردوده في كتابه "على السفود"، ولاحظت فرقا بينهما من خلال الأسلوب، فالعقاد يهنم بالجانب الجوهري وبالأفكارـ والحجة، ويتفق معه طه حسين، بينما الرافعي يهتم بتنميق الكلام، والفذلكة اللغوية.
وبالمناسبة تحضرني مقولة لماهر شفيق فريد من مجلة فصول العدد2 - المجلد الثاني 1982)
("الأدباء من قديم قبيلة شكسة نكدة ، تولع بالملاحاة والخصومة واللدد، وتفشو فيها أدواء النرجسية والسادية والمازوكية و قد تتجاور في الصدر الواحد وكثيرا ما تكون الغلبة فيها لهوى النفس على محبة الحق")


رحم الله استاذنا عباس محمود العقاد، وعطر ذكره، وطيب ثراه.

تسلم اخي الرائع.
 
تحية طيبة لك أخي الدمث الودود والمثقف اللوذعي السي المهدي
في أي تعقيب لك على أي نص من نصوصي دائما تأتي بالمفيد والجدير بالذكر.
أنت تعرف بأن الأستاذ العقاد كبرنا معه ،وقد كان لنا في وقت من الأوقات بل كل الأوقات نبراسا وقدوة ،فعلى الأقل منها تعلمنا الثبات على المبدإ واتضح لنا منه أن المرء لكي يكون مثقفا عليه أن ينتفع مما يقرأ لا أن يقرأ ما ينفعه كما يؤكد هذا بنفسه.
ونحن حينما نذكره نكون في الواقع نذكر فترة من عمرنا مليئة بالأحلام والطموحات فيها تعلمنا من العقاد وغير العقاد كيف يصبح المرء مثقفا حقيقيا لا مثقفا بالفاتْحة كما كان يقول أحد أساتذتنا ذكره الله بكل خير إن كان ما زال على قيد الحياة.
شخصيا أرى أن العقاد بقامته الأدبية و الفكرية كان عليه أن يترفع ولا ينزل إلى مستوى يقلل فيه من شأن الناقد الكبير رجاء النقاش الذي قدم لنا محمود درويش ،وقد لنا أسماء كبيرة في الأدب لكنها مغمورة الصيت وذلك على صفحات مجلة الدوحة يوم كان هو رئيس تحريرها.
وأشكرك السي المهدي على تذكيرينا بقصيدة العقاد في الصحفي والكاتب السوداني معاوية محمد نور والتي هي من بحر الطويل،فلقد كان المرحوم معاوية (مات شابا بالكاد تجاوز الأربعين)،فهي قصيدة تبدو صادقة المشاعر.
أما حجازي فأتذكره عندما غضب عما قاله أدونيس في شعراء مصر وآلى أن يطرده لو جاء إلى مصر حتى ولو تطلب الأمر طرده بالجزمة كما قال حجازي.
أشكرك شكرا جزيلا مولانا


 
أعلى